المحتوى الرئيسى

مصر تولد من جديد بقلم:الإعلامي جميل سرحان

03/03 19:45

مصر تولد من جديد ثلاثة عقود من الحكم الدكتاتوري لنظام حسني مبارك شكلت معها مشهدا قاتم السواد، أطبق خلالها على روح الشعب المصري،حيث عمد إلى سرقة قوت الفقراء،وهم السواد الأعظم من شعب مصر،سرق الكحل من عيون حوريات مصر،وهن كثر، سرق الفرحة من عيون الأطفال، أبكاها وأدماها ،سرق اليخضور من أوراق الشجر، وتركها صفراء بلا روح ، سرق الماء من النيل،ولم يعد النيل هبة مصر، خلع عن البهية طرحتها، وأجبرها أن تكون بلا جلبية " مصر يا أما يا بهية يا أم طرحة وجلابية" وهبط بمصر إلى دولة تكاد لا تكون إلا اسما ورقماً 0 أمعن في الظلم حتى كاد الظلم يشفق على المظلومين،أوغل في إفقار ملايين الشعب، حتى كاد الفقر يشكو ذاته،وبات الشعب يمارس الجوع هواية كًُره عليها،أوغل في الظلم ،وابتدع "منظومة" من الإجراءات والممنوعات،والتي معها فاضت السجون بنزلائها من خيرة أبناء الشعب المصري،وفصل الدستور على مقاسه،وحاك القوانين بثوب النظام،فخنق الحريات العامة،وأوصد الباب على ما كان من ديمقراطية ومارس كل أنواع التضييق على الأحزاب،والزج بقياداتها وكوادرها في السجون ورهن الاعتقال والتوقيف الإجباري متذرعاً بحالة الطوارئ والتي عمرها من عمره. لقد زرع الفساد والإفساد في كل مؤسسات الدولة،والدوائر الحكومية،وعششت المحسوبية والرشاوي،والتطاول على القانون،والتلاعب به لمصلحة من هم فوق القانون والنظام العام. وفي الجانب الآخر من المشهد الأسود شديد القتامة،فعدد أصحاب الملايين في ازدياد،ودائرة الأثرياء في اتساع،والمتزلفون، وأصحاب الأقلام المسمومة والأوراق الصفراء يسبحون بحمد الفرعون المحنط. صنع لنفسه فضائيات لا فضاء لها. شركات وأسهم،وبورصة،وأوراق مالية(بنكنوت) كانت حكراً على مربع النظام من عائلات وأنساب وأصهار ومقربين،وأرصدة تتكدس في بنوك الغرب. وسياط النظام تكوي ظهر الشعب فتتلوى الأجساد الجائعة،وتهوي مترنحة دامية. اقتصاد يزداد تضخماً،ومديونية علنية ومبطنة فاقت مليارات مبارك وعائلته المهربة والمودعة في بنوك الغرب،وبطالة تزداد يوماً بعد يوم وتتفاقم مخاطرها،وأدمن الشعب الفقر والجوع،حتى النيل بات يشكو من قلة جريان الماء فيه،ولم يعد النيل هبة مصر،ولكن بقيت مصر هبة النيل. وأوغل النظام في عزل مصر عن عروبتها ،وزاد في قطريته الضيقة الفرعونية حتى باتت مصر ليست لمصر. انحياز كامل لأعداء الأمة العربية،وإدارة الظهر لقضاياها المصيرية،لا بل التآمر عليها،وهذه هي غزة وحصارها شاهدين على ذلك،واتباع سياسة"المصلحة" فوق كل اعتبار،والتي ليس هي مصلحة الشعب،بل مصلحة النظام،فلا فلسطين كانت قضية،ولا العروبة كانت في سياساته ذات وزن يذكر،وهبط بمصر إلى أدنى مستوى وباتت "كجمهوريات" الموز في أميركا اللاتينية،وباتت(مصر التي في خاطري) مصير معلق. إن هذا المشهد ،والذي كان ينبغي أن لا يشاهد لولا تلك العقود العجاف التي حبست مصر في قمقم،ونظام أدمن قهر مصر وعروبتها. وعلى الطرف الآخر للمشهد المصري كانت عوامل التغيير تتهيىء وتتحضر،حتى إن مشهد النظام الأكثر قتامة والأشد حلكة شكل العامل الموضوعي في إنضاج الظروف الذاتية والتي سارعت في إنضاج العامل الذاتي،حيث لم يعد بمقدور النظام الاستمرار في الحكم بالطرق التقليدية،ولم يعد الشعب بقادر على تجرع الظلم والجوع،والفقر،وامتهان الكرامة،ما شكل اللحظة التاريخية لقيام الثورة،حيث هنا لا يمكن للتضاد من لقاء،وهنا ولد الانفجار الكبير،ذاك هو المشهد المصري الذي عشناه عشية الثورة،وجه النظام القبيح الذي أساء إلى مصر وشعبها وعروبتها وقيمها وأخلاقها وتاريخها وكرامة أبناء شعبها. أما وجه الشعب الذي تجرع الظلم والجوع والفقر والحرمان،فلم يعد بقادر وزاد من وتيرة تفاعله حتى اختمرت بذور الثورة،وخرج المارد من "القمقم" وتقيأ ما تجرعه في وجه النظام،وخرجت ملايين الشعب هاتفةً الشعب يريد إسقاط النظام. إنه الخامس والعشرون من شهر يناير- كانون الثاني- اليوم الذي شكل علامة فارقة،ليس في تاريخ مصر،ولا في تاريخ المنطقة.بل في تاريخ العالم. لقد قامت الثورة، والشعب المصري، متصالحاً مع ذاته، متوحداً في هدفه، وشعاره الذي أعلنه يحفه علم مصر الوحيد الذي كان يخفق في بلاد النيل. ملايين الشعب في المدن والقرى والأرياف والميادين والساحات العامة والمؤسسات حتى غدت مصر كلها ميدان للتظاهر مرددة الشعب يريد إسقاط النظام . لقد شكل هذا الشعار الناظم للعملية الثورية التي صنعها الشعب المصري والتي ولدت من رحمه،حيث التقت حوله كل ملايين الشعب صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير،وطيلة أيام الثورة كان هذا الشعار العظيم والهدف النبيل والوسيلة الناجحة والذي شكل إلهاماً للشعب .باعتباره شعاراً شاملاً وموحداً ومعبراً عن آلام وآمال وتطلعات كل فئات الشعب المصري وقواه الحية. لقد شكل هذا الشعار وفي محتواه غذاءاً روحياً لكل الشعب بكل مكوناته وأطيافه المجتمعية وألوانه السياسية،باعتباره عامل استنهاض وتوحيد. إن ثورة يناير المصرية هي صناعة وطنه مصرية بامتياز،وهي ثورة شاملة في الزمان والمكان والهدف والوسيلة،وما كان لها إلا أن تنتصر. إن إشاعات الثورة المصرية،ومنذ بواكيرها الأول،أخذت في تجاوز الحدود الإقليمية ،وها هي رياحها تصل إلى العديد من عواصم عروبتنا،والتي ستترك مفاعيلها في حراك داخل أمتنا العربية أولاً . وما أشبه اليوم بالأمس فثورة يوليو المصرية عام 1952 شكلت عامل استنهاض وطني وقومي وعالمي،حتى كان العقد السادس من القرن الماضي هو عام القضاء على الاستعمار وعام حركات التحرر وتحرر أفريقيا،والتي كان لإشعاعات ثورة يوليو أثراً واضحاً في صناعة ذلك العقد العظيم،مع خصوصية كل من الثورتين . إنها الثورة البيضاء النقية النظيفة التي رسمها وخططت لها عقول وسواعد شباب مصر،ولونتها بسمرة "وادي النيل" واكتحلت عيون العالم بطمي مصر،حيث أقدم حضارات التاريخ والعالم. نعم إننا نرى في نجاح ثورة مصر عامل استنهاض سيكون له إسهاماته في تغيير الواقع السلبي الذي تعيشه المنطقة العربية والشرق الأوسط برمته . إن إسقاط النظام بكل أبعاده ومكوناته أجهزته ومؤسساته وعلى كل الصعد سينهي وإلى الأبد حقبة سوداء من تاريخ مصر،والدخول في حقبة جديدة وبأجندة جديدة تأخذ فيها المصالح الوطنية والقومية والعالمية بعين الاعتبار. إنها ولادة طبيعية لدولة الحرية والقانون والتعددية السياسية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية،وعودة مصر للقيام بدورها التاريخي في قيادة الأمة العربية . إن هذا الإنجاز التاريخي والانتصار الغير مسبوق في سماء منطقتنا سيكون له انعكاساته السلبية على العلاقة مع العدو الصهيوني ومع المعسكر الامبريالي والإدارة الأميركية التي لطالما ناصبت مصر والعرب والعروبة العداء،وانحيازها الكامل إلى جانب إسرائيل وستعيد مصر رسم سياستها الخارجية ارتباطاً بمصالح الشعب المصري وأمتها العربية وقضاياها العادلة وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى . لقد راهن النظام وطيلة أيام الثورة على عدد من العوامل والمحاولات للالتفاف على الثورة وصولاً إلى إجهاضها،راهن على عامل الوقت فكان هو يتسرع والشعب يطيل أمد الثورة بصبره وقوة تحمله،راهن على استخدام سياسة البطش والترهيب كعادته فواجهه الشعب بصدور عارية فانكفأت آلة بطشه إلى الخلف،مارس الترهيب والوعود المعسولة والإصلاحات الخادعة.فكان جواب الشعب ارحل (الشعب يعرف طريقه) حاول ركوب الثورة وأنزل الجيش إلى الشارع فكان الجيش عروبياً مصرياً وقال ارحل( إحنا مش معاك الجيش والشعب يد واحدة) عمد إلى إثارة الخلافات بين مكونات الثورة.فلم ينخدع به أحد ولا مجال للمعاونة (الشعب عارف طريقه) نعتها بأنها صناعة خارجية ولها أجندة خارجية فكان صوت الشعب(إحنا الشعب عارفين المشوار) لعب على الفتنة الطائفية فجاءه صوت الشعب مدوياً (الهلال والصليب والكنيسة والجامع والشعب واحد).منع وسائل الإعلام وأطلق النار عليها ،فكان لها الغلبة عليه،ولم يسبق لها أن تضامنت بمثل هذا التضامن. لقد استطاع الشعب المصري،ومن خلال ثورته المنتصرة أن يقدم للعالم وللثوريين درساً ونموذجاً كيف يكون الفعل السياسي،وكيف يكون النتاج السياسي،باعتبار أن السياسة هي فعل سياسي يؤدي إلى تحقيق مصالح وطنه عليا للشعب والأمة،وهاهو الشعب المصري بثورته الرائدة يحقق المصلحة الوطنية العليا من خلال إسقاط النظام والتطلع لغد مشرق عزيز . فانتصرت إرادة الشعب على جلاوزة النظام وحق له أن يعيش فرحة لا أجمل ولا أحلى ولا أبهى عندما تعانق الجيش والشعب في ميدان التحرير ،إنها لوحة لونت بدماء الشهداء وعذابات الشعب وتطلعاته. إنه دم الشعب المصري الذي انتصر على سيف النظام،إنها العين المصرية التي قاومت مخرز الدكتاتور،وهاهو الشعب يهتف بملايين الحناجر الشعب أسقط النظام، وها هي مصر البهية تزين طرحتها وتطرز جلبابها بدماء الشهداء من أبناء شعب الكرامة والعروبة ،وها هو يوم 11 فبراير شباط والذي دخل التاريخ من أوسع أبوابه يغني : إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر الإعلامي جميل سرحان

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل