المحتوى الرئيسى

المجلس الأعلى ووزارة الداخلية

03/03 17:21

بقلم: د. أبو بكر خضر(1)* لقد تعودنا أن نرى على صالون دريم في برنامج (العاشرة مساء) أشخاصًا يمثلون النظام المصري والحزب الحاكم؛ سياسيين أو إعلاميين أيًّا كانت أسماؤهم، لكنها في مجملها لا تخرج عن نوعية واحدة تتميز بالكذب والنفاق واللؤم والمكر والخداع والتضليل والمماراة والمجادلة بالباطل، في حالةٍ من الإكراه الإعلامي للجمهور لكي يسمع ما يكره، ويرى ما لا يحب بحجة (اللي مش عاجبه يغير القناة أو يقوم من قدام التليفزيون!).  أما أن يجلس على نفس هذه المقاعد مَن يتحدث باسم النظام المصري أشخاص على درجة عالية من الصدق والرغبة في العبور بالبلاد من هذه الأزمة بسلام، شخصيات غير انتهازية ولا ماكرة وليس لها أجندات خاصة، ولا يتملقون أحدًا؛ لأنه ليس فوقهم مَن ينافقونه في الحقيقة- فهذا ما كان ليخطر لنا ببال.. فعلاً إنها وجوه تسر الناظرين وتريح المستمعين وتحترم المحاورين؛ المخالفين لهم والموافقين. فشكرًا لله على هذه اللحظات، وتحيةً إلى أرواح الشهداء الذين قادونا إلى هذا المناخ لنتنفس هذا الهواء. (2)* كنت أتخيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة- من خلال بياناته المتتالية- يتكون من شخصيات واعية، لكنها جادة وحادة في نفس الوقت قد لا تقبل النقاش، ولعل هذا ما جعل السيدة منى الشاذلي تبدو في بداية الحلقة مرتبكة ومتوترة ومضطربة، فاستعانت في إدارة الحوار بزميلها الأستاذ وائل الإبراشي، ولهذا كان لا بدَّ في هذا التوقيت من هذا الحوار على الهواء بمشاركة الجمهور- كما تم- لنعرف كيف يفكر هذا المجلس؟، وما فلسفته في إدارة الأمور؟ وكيف يديرها؟.. ماذا قدَّم؟ وماذا ينوي أن يقدم؟، وليجب على العديد من التساؤلات والتخوفات التي تدور في أذهان الملايين عما يتم وراء الكواليس، خاصةً أن مفكرين كبارًا بوزن الأستاذ هيكل وإعلاميين شرفاء ساورهم ما يساور الشباب من مخاوف التفاف فلول النظام السابق على المطالب المشروعة للثورة. * وقد جاءت تشكيلة الوفد وافية للغرض، فاللواء مختار الملا رئيس الوفد- كما فهمت- كان واضحًا أنه يختص بالرد على الأمور السيادية والأمنية المتعلقة بشخص الرئيس المخلوع ونائبه وحرسه، واللواء محمد العصار محاور جيد ولديه القدرة على الأخذ والرد بعفوية وتلقائية، واللواء ممدوح شاهين كان معنيًّا بالإجابة على الأسئلة التي تتعلق بالنواحي الدستورية والقانونية وما يتعلق بهما. ولا أنكر أن هذا الحوار رجح لديّ كفة الاطمئنان على القلق ولدى عموم الشعب ممن تحدثت معهم بعد اللقاء وإن لم يحسمها، خاصةً لدى الفئة الإيجابية التي ما زالت تخرج بالملايين تحرس أهداف الثورة وتراقب تحققها في قلق شديد. * ولكنْ هناك أمران محددان أحب أن ألفت نظر السادة أعضاء المجلس العسكري إليهما من باب الحوار الجاد البنَّاء، لا المماراة أو المزايدة أو المعارضة (عمال على بطال). (3)* الأول: أن حديث "الوفد" عن وزارة الداخلية وجهاز مباحث أمن الدولة لم يأتِ شافيًا ولا مطمئنًا حتى في حده الأدنى، فكل إجابات حول الإصلاحات المطلوبة جاءت في سياق واحد فقط هو (طلبنا منهم- قلنا لهم- أوكلنا إليهم..) حتى البيانات المتعلقة بالداخلية لم تكن متوفرة، وكأنهم لا يزالون يشكلون دائرة مغلقة حتى الآن لا يجوز التدخل فيها، وعزز القلق ما أعلنه محمود وجدي، وزير الداخلية، في اليوم التالي على التليفزيون المصري من أنه لا تغيير في قيادات جهاز مباحث أمن الدولة، وأنه سيستأنف عمله. هذا في ضوء ما أقرَّ به الوفد على الهواء من أن المجلس الأعلى على علم بأن عناصر من جهاز مباحث أمن الدولة متورطة في إثارة الاحتجاجات الفئوية الحالية، بالاتفاق مع بعض رجال الأعمال من فلول الحزب الوطني. * وقد ازداد الأمر سوءًا بعد الحوار السيئ جدًّا الذي أجراه السيد محمود وجدي مع برنامج مصر النهاردة- وارجعوا إليه- وأقر فيه بأنه صاحب فكرة قانون الإرهاب والمادة 179 من الدستور، وهي من المواد التي ثار عليها الشعب، كما أنكر أي خطأ ارتكبته الداخلية في الأحداث الماضية، وإذا كانت النيابة العامة تحقق في تلك الأحداث بناءً على تقارير ترفع من وزارة الداخلية فأبشر بالذي يسوءك. لقد أحدث الحوار الذي أجراه السيد وزير الداخلية انتكاسة وردة لجو التفاؤل الذي ترتَّب على لقاء وفد المجلس الأعلى، وما قدَّمه السيد الوزير من إجابات لا يدخل على عقل طفل في مرحلة الـkg، فضلاً عن شباب أشعل ثورة بدمه ضدَّ الفساد العام وفساد الداخلية خصوصًا، وصار بينه وبينها ما يشبه الثأر ويريد القصاص، واقرءوا التعليقات المكتوبة من الشباب عن هذا اللقاء على موقع اليوتيوب، إنها عقلية قديمة وعقيمة وغير مناسبة تمامًا لمرحلة أهم ما يجب أن تتسم به (الشفافية والصراحة والثقة)، والمطلوب أن يستعد المجلس الأعلى بخطة أمنية للسيطرة على عصابات الداخلية، وشباب مصر وشعبها معكم في ذلك؛ لأنه حلمهم القريب؛ لأن هذا الجهاز لا يمكنه أبدًا بتركيبته الحالية أن يُطِّهر نفسه بنفسه كما يزعم البعض، ونترك لكم الكيفية، ولا يجوز أبدًا تفسير هذه المطالب على أنها (إملاءات غير مقبولة). (4)* والثاني: يتعلق بالمظاهرات المليونية أيام الجمعةلكم عذر في تمني إنهاء الحالة؛ لأنها- من وجهة نظركم وهي صحيحة- تمثل أو تعبر عن حالة من التعبئة والاحتقان الشعبي غير مرغوب فيها؛ ولأنها قد تؤدي إلى تزايد الاحتجاجات الفئوية غير المناسبة في الفترة الحالية على الأقل. ولنا كذلك حقٌّ في استمرارها؛ لأنها بالنسبة لنا- ليس فقط حق دستوري- وإنما تمثل لنا الضامن الرئيسي لاستمرار تواصلنا وتكاتفنا حتى تتحقق مطالب وأهداف الثورة، فهي بمثابة جمعية عمومية لشباب الثورة ورجالها على مستوى القطر، وأن هذه التظاهرات ليست موجهة لكم ولا أنتم المقصودون بها على الإطلاق، فهي لم تكن من الأساس موجهة لكم، وإنما كانت موجهة في السابق لرءوس النظام الفاسد التي لم تنتهِ بعد، وهي الآن موجهة لفلول وبقايا هذا النظام، واعذرونا إن تحفظنا على هذا الجواب الذي سمعناه: "إن الثقة في القوات المسلحة هي الضامن"؛ لأننا- كما سبق- لم نشكك أصلاً في موقف القوات المسلحة.. كيف وهي التي حمت الثورة من بطش كاد أن يفتك بشبابها؟، إن أشخاصكم أهل لتلك الثقة، ولكن الحقوق السياسة لا تأتي بالوعود إنما بالمواقف والإجراءات في إطار تدافع من الضغوط المتبادلة بين الأطراف المختلفة، وأنتم لستم طرفًا في الخصومة بالنسبة لنا، وإنما أنتم (وسيط محترم وشريف) ولم يوقفكم منَّا هذا الموقف إلا تلك المظاهرات، أما الطرف الحقيقي الذي يتملكه الرعب من استمرار تلك المظاهرات المليونية فهو بقايا النظام الفاسد من إعلاميين منافقين واللصوص ممن يسمون خطأ (رجال أعمال)، ومتورطين في أجهزة الفزع الداخلية التي لا نكن لهم ولقيادتهم أي ثقة أو تقدير أو احترام، وإنما هم حتى الآن محل اتهام وإجرام؛ لأن حركة التنقلات الداخلية لا تعنينا، وإنما هي بالنسبة لنا نحن المصريين بمثابة (شالوا ألضو وحطوا شاهين). * وهناك فائدة أخرى قد لا يدركها إلا العقلاء، وهي أن هذه المظاهرات تدعم موقفكم أنتم أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مواجهة الضغوط الخارجية (من أمريكا والكيان الصهيوني والعناصر المؤيدة لهما في المجتمع الدولي؛ لما لحق بهما من ضرر من زوال النظام السابق) وهي ضغوط غير معلنة لكنها معروفة ومتفهمة ولا بدَّ من التعايش معها، لأننا في العالم لسنا واحة في صحراء، فتأتي هذه المظاهرات المليونية وحالة التعبئة الشعبية العامة والاستنفار المستمر؛ ليساند الأجندة الوطنية أمام هذه الضغوطات الخارجية التي لا نريدها أن تصل لدرجة الإملاءات كما كانت من قبل. فأرجو أن تنظروا إليها من هاتين الزاويتين، وتأكدوا أنها ظهر لكم وأنتم تواجهون فساد الداخل وضغوط الخارج، ولا تنظروا إليها من زاوية ضيقة هدفها الوحيد تدبير شئون المنزل من الداخل لفترة مؤقتة بنظام المسكنات، وإنما نحن نسعى معًا لتأمين مستقبل مصر الداخلي والإقليمي في الخمسين سنة القادمة على الأقل.. (وتعب يوم ولا كل يوم). فنحن لكم.. وأنتم لنا، ونحن معًا نبني مستقبل الوطن ونحميه.----------------------* الباحث في التاريخ الإسلامي وتاريخ دول شرق أوروبا

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل