المحتوى الرئيسى

مع الحكم العطائية (الحكمة 86).. إن أردت أن يكون لك عزٌّ لا يفنى فلا تستعزَّ بعزٍّ يفنى

03/03 11:05

بقلم: د. عصام العريانيطلب العبد في الدنيا عزًّا دائمًا لا يفنى ولا ينتهي، بمعنى المهابة واحترام الناس، بل يريد أن يمتدَّ في ذريته من بعده، لذلك يسعى الإنسان دائمًا إلى البحث عن الأسباب التي يظن أنها تمده بالعز الدائم والمستمر. يتصور العبد أن تلك الأسباب قائمة فيما حوله من أسباب الدنيا: كالمال، والمصاهرة، والحسب والنسب، والجاه والسلطان، والولد والذرية، والقوة المادية.. إلخ. ينسى العبد أثناء بحثه عن تلك الأسباب أنها كلها إلى زوال وفناء، فالمال يتبخَّر مع الوقت، وعندما يتخيَّل الإنسان أنه بامتلاك المليارات أو الوكالات أو المصانع فإذا به في لحظة واحدة تصبح تلك الثروات كلها في مهبِّ الريح: تحت الحراسة أو مصادرة أو ضاعت في البورصة ومضارباتها أو ... أو .... إلخ. والحسب والنسب لا يتصور عبدٌ بقاؤه، فالأيام دول، ومن كان يومًا في قمة المجتمع إذا به يصبح بين يوم وليلة في قاع المجتمع، ومن كان تُفتح له الأبواب إذا بالقدر يغلق عليه الأبواب، ومن كان يسعى لمصاهرة مسئول شهير إذا به يهرب من تلك المصاهرة، ويحاول أن يتبرَّأ منها، ومن كان الناس يلتفون حوله ويتملَّقونه إذا به يصبح منبوذًا يهرب الناس من لقائه. أما الجاه والسلطة التي تصوَّر البعض أنه يحتمي بها، ويحصل عن طريقها على العز المستديم الذي يفنى، فتبخَّرت بين يوم وليلة، وأصبحت مسئوليةً يُسأل عنها المسئول أمام جهات التحقيق والنيابة، ويحاكَم عن قراراته أيام جاهه وسلطانه، ويبحث عن تفسيرٍ وتبريرٍ لكل قرار، فقد أصبح محل اتهام وشك فيه لا ينقطع. والأولاد والذرية قد يصبحون وبالاً على العبد إذا لم ينشئوا في طاعة الله تعالى، وصدق الله إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)﴾ (التغابن)، وقد يكونون نعمةً من الله "وولد صالح يدعو له". ولكي تتبين لك الحقيقة، فإن الإنسان مفطورٌ على طلب العزة التي تعني الترفُّع عن المهانة وعن الذلِّ للآخرين، وهي غير الكبر والتكبر.. ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8)﴾ (المنافقون). إذًا هذا هو مصدر العز الحقيقي، وهو الانتساب لله تعالى بالعبودية الحقة، وطاعته وطاعة رسوله، والالتزام بجماعة المؤمنين. قد يعتز الإنسان بالمال والجاه والرئاسة والولد والنسب والقوة البدنية، وكل ذلك إلى زوال.. هذه أسباب لا تعمل في الواقع إلا بتوفيق من مسبب الأسباب، وهو الله عزَّ وجلَّ، الله هو الذي يعطي هذه الأسباب قدرتها وبقاءها وديمومتها، يقول الله: ﴿إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)﴾ (الأعراف)، وهتف الصحابي في غزوة أحد: الله مولانا ولا مولى لكم. الثمرة الحقيقية لإدراك هذه الحقيقة هي عدم الركون إلى الدنيا وأسبابها، ثم توظيف تلك الأسباب في طاعة الله؛ لاجتلاب بركتها، وتجنُّب آثارها الجانبية، فالمال لا بد من أداء حق الله فيه، وإعطاء الفقراء ما يسدُّ فاقتهم، ودفع الضرائب المفروضة لصالح المجتمع، وفي الأصل لا بد من كسبه من الحلال. والجاه والقوة يتم توظيفها لنصرة الضعفاء ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75)﴾ (النساء). والحسب النسب إنما بطاعة الله "فاظفر بذات الدين". المعتز بالله عزيزٌ على كل حال، له في قلوب الناس رهبةٌ، وفي أعينهم مهابةٌ؛ لأن عزته ليست بأسباب الدنيا، وإنما يغرسها الله في قلوب العباد. لذلك عندما طاف الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بالبيت ورأى الناس تفسح المكان لحفيد الإمام علي زين العابدين بن الحسين ليستلم الحجر الأسود، وسأل مستنكرًا مَن هذا؟!  أجابه الفرزدق بأبياته الشهيرة:هذا الذي تعرف البطحاء وطأته     والبيت يعرفه والحل والحرمهذا ابن فاطمة إن كنت جاهله          بجده أنبياء الله قد ختموا فغضب عليه الخليفة وحبسه ثم أطلق سراحه. وكان من مدحه لزين العابدين قوله:ما قال (لا) إلا في تشهده           لولا التشهد كانت لاؤه نعمعمَّ البرية بالإحسان فانقشعت     عنها الغياهب والإملاق والعدم وأنشد بعض الفضلاء:اجعل بربك شأن عزك يستقر ويثبتُفإن اعتززْت بمن يموت فإن عزَّك ميتُ وقد قال ابن عطاء في حكمة أخرى:"إن أردت أن لا تُعزَل، فلا تتولَّ ولايةً لا تدوم لك" ويقول أيضًا:"من أكرمك.. فإنما أكرم فيك جميل ستره، فالحمد لمن سترك، وليس الحمد لمن أكرمك وشكرك".. والله الموفق والمستعان.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل