المحتوى الرئيسى

‮ ‬صباح الخير أيها الحب‮ ! ‬

03/03 09:04

عدت‮ ‬من باب الفضول،‮ ‬وبحكم المهنة،‮ ‬إلي صحف مستقلة معارضة صدرت في نفس هذا الوقت شهر مارس العام الماضي،‮ ‬وقرأت تفاصيل تحقيقات وتحليلات نشرت بأقلام زملاء أعزاء عن الفساد في مصر،‮ ‬الفساد في الحكومة،‮ ‬الفساد بين بعض كبار رجال الأعمال،‮ ‬كانت أخبار الفساد تنشر دائما يسبقها كلمة‮ : ‬بالصور بالمستندات بالوثائق،‮ ‬وتذكرت أن هذه الأخبار في‮  ‬فترة السنة الأخيرة تحولت إلي مادة صحفية ثابتة ومستقرة في زاوية الصفحات الأولي للصحف،‮ ‬تذكرت أيضا أنها تحولت إلي أخبار لم تعد تحرك الرأي العام لأن نشرها لم يلفت نظر رئيس جمهورية أو رئيس حكومة أو برلمان أو أي مسئول للتحقيق فيها ونشر تكذيب أو توضيح أو تحقيق،‮ ‬وبالتالي لم يعد القارئ يندهش أو يصعق أو يغضب أو يثور،‮ ‬تحولت أخبار فساد الكبار إلي زاوية تشبه حظك اليوم،‮ ‬أحوال الطقس،‮ ‬أسعار العملات،‮ ‬حتي اشتكي رؤساء تحرير الصحف المستقلة أن القارئ لم تعد تثيره هذه المادة الصحفية من أخبار الفساد والسرقات،‮ ‬لم تعد الجرعة كافية،‮ ‬وتراجع توزيع الصحف بشدة،‮ ‬ويمكن الرجوع إلي شركات توزيع الصحف لتعرف أن الصحف بكل أسمائها تراجعت في العام الأخير إلي مايقرب من نصف توزيعها بسبب أنه لاجديد،‮ ‬فالفساد موجود مثل الماء والهواء مجاني ولاداعي لشراء صحف تنشر عنه،‮ ‬لاداعي لقراءة أخبار توجع القلب أو تعكر المزاج المتعكر هو أصلا،‮ ‬وبحث رؤساء تحرير الصحف عن طريقة أخري لبقاء صحفهم علي قيد الحياة،‮ ‬بعد أن أصبحت مقالات ونشرات الفساد أخبارا قديمة وبايتة لاتغري أحد بقراءة ولاتثير رغبة أحد بشراء صحيفة‮ ! ‬تحول مزاج الشارع المصري في العام الأخير ‮  ‬إلي اللهاث خلف لقمة العيش الضائعة،‮ ‬الفتات،‮ ‬وانقسم المجتمع إلي‮ : ‬بلدهم وبلدنا،‮ ‬بلد الأقلية الحاكمة بكل سطوتها وغرورها حتي وهي تسرق أو توزع ثروات المجتمع دون ضمير أو خوف أو قلق أو ندم أو حتي شبع،‮ ‬وهذه الأخيرة تحديدا تغيظني جدا،‮ ‬هل كان هؤلاء اللصوص يأكلون النقود والذهب علي الإفطار وعلي الغداء،‮ ‬لماذا كل هذه الثروات ؟أما بلد الأغلبية فهي التي بدا عليها الانكسار والرضا،‮ ‬وغلب عليها الصبر والحزن،‮ ‬تخرج من كارثة إلي مصيبة ومن أزمة إلي ظلام تام‮ !‬وصك في الشارع المصري عبارة قاسية صعبة هي‮: ‬ديه بلدهم وإحنا عايشين ضيوف فيها‮ . ‬وسوف أحاول الآن أن أجعلك تضحك مثلي علي عناوين الفساد التي كانت تنشر قبل عام واحد فقط ويتصور زملائي رؤساء التحرير أنهم جابوا التايهة وأن مصيرهم حتما خلف القضبان إلي الأبد،‮ ‬مثلا‮ : ‬بالصور قصور نظيف في منتجع الأغنياء،‮ ‬القصور تقدر بعشرين مليون جنيه‮ !!‬،‮ ‬أحمد عز يحاول التهرب من دفع خمسة ملايين جنيه ضرائب‮ !!‬،‮ ‬بالمستندات وزير الإسكان يمنح أرض قيمتها‮ ‬20‮  ‬مليون جنيه إلي مستثمر بسعر‮ ‬5‮  ‬ملايين جنيه‮ !! ‬وهكذا كانت العناوين التي ينشرها رؤساء التحرير المساكين علي أنها قمة الفساد وقمة الفاجعة،‮ ‬ويتحسسون قلوبهم وأقلامهم وهم يوقعون علي أوامر نشرها في صفحاتهم الأولي ويتركون وصية لسكرتير تحرير الصحيفة بماذا يفعل في حالة القبض عليهم‮ !‬لم يكن رؤساء التحرير يعرفون أن الأرقام التي يكتبونها كان يجلس أبطالها في السهرة بأحد الفنادق الكبيرة المطلة بالمناسبة علي ميدان التحرير لتصفح صحفهم وأخبارهم وأرقامهم والضحك عليها والسخرية من هؤلاء المحررين السذج الذين يتصورون أن الفساد مجرد أرقام تنتهي بستة أصفار فقط‮ ! ‬لو عرف رؤساء التحرير وقتها أن اللصوص يؤمنون تماما بشعارهم المقدس الدائم الذي يرددونه كل صباح في المرآة‮ : ‬إذا سرقت إسرق جمل،‮ ‬لامتنعوا عن نشر أخبار هذه السرقات التافهة،‮ ‬الفكة،‮ ‬فالسرقة كانت بالمليارات وليس بالملايين،‮ ‬وتتم بشكل عشوائي،‮  ‬أصبح المليار اليوم هو الرقم المتداول كأننا نتبادل قرص أسبرين،‮ ‬وإرتفع سقف الأحلام إلي نقطة تنذر بالخطر،‮ ‬فقد ذهب اللصوص وتركوا خلفهم أرقامهم التي جعلت الحفرة بين المجتمع وبينهم تزداد عمقا،‮ ‬والفجوة تزداد اتساعا،‮ ‬واتساع الفم يزداد شراهة،‮ ‬ذهب الفساد وترك خلفه خيطا كثيفا من الدخان سوف يفسد المجتمع حتما هو نظرة الكراهية لكل ماهو لامع وكل ماهو‮ ‬غني وكل ماهو يملك وكل ماهو ناجح،‮ ‬المجتمع الآن لايري فقط أن المليارات‮ " ‬الممليرة‮ " ‬حقه الشرعي،‮ ‬ولا أن محاكمة كل من فسد وأفسد مطلب شعبي،‮ ‬لكن الصيغة تغيرت واللهجة تحولت إلي أن كل ماهو ناجح أو‮ ‬غني أو لامع وخارج السجن الآن هو بالضرورة فاسد أيضا،‮ ‬ولابد أن قدميه في الطريق إلي هناك،‮ ‬ترك المفسدين خلفهم تراثا من فساد الأخلاق وفساد التفكير وفساد القدرة علي اكتساب الثروة،‮ ‬وسوف نعاني لسنوات طويلة من أجل علاج هذه المأساة،‮ ‬تركوا خلفهم حقدا طبقيا وكراهية مدفونة ونظرية كانوا ينفردون باستخدامها وهي أن كل شئ مباح،‮ ‬وحين سقطوا وسقط زمانهم رأي الأغلبية وليس العامة أن من حقهم الإنفلات والتشفي والنظر بنفس النظرة المتعالية التي كانت رمزا للسلطة،‮ ‬وأفرط البعض في طلباته وبلغ‮ ‬أن من حقه اقتحام القصور الفخمة والاستيلاء عليها والنوم في فراش رئيس الجمهورية طالما أن كل شئ في البلد هو ملك الشعب‮ ! ‬والحقيقة التي يجب أن نفهمها ونتعلمها ونثق بها تماما‮ : ‬أن كل شئ في البلد هو ملك البلد،‮ ‬ملك وطن سوف يتوارثه أجيال،‮ ‬وليس ملك أشخاص مهما كان نفوذهم أو حجم أحلامهم الآن‮ . ‬كان الفساد أكبر من كل تصور،‮ ‬وكانت السرقات أكثر من خيال أي مبدع،‮ ‬وما ظهر حتي الآن‮  ‬هو الفساد المالي،‮ ‬أو مافوق سطح البحر منه،‮ ‬وحين يهدأ البحر وينسحب قليلا سوف تظهر أنواع أخري من الفساد الأخلاقي،‮ ‬وهو ما أخشي منه فقد طال المجتمع بكل طبقاته،‮ ‬مجتمع كان يحلم بنصيبه‮ " ‬حتة‮ " ‬من الجنة المزيفة،‮ ‬ولم يجد مايبيعه سوي بعض من كرامته ومبادئه وربما شرفه،‮ ‬وتلك قصة أخري‮ !‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل