المحتوى الرئيسى

> أغراض الأسطورة الأفلاطونية (1-2)

03/02 22:08

أغراض الأساطير الأفلاطونية تتوقف علي نوع الأسطورة. وتنقسم الأساطير الأفلاطونية هنا إلي نوعين رئيسيين: نوع يخص النفس بصفة عامة ويهتم بمصيرها في الآخرة علي الأخص، ونوع يخص الكون ككل، ونجد النوع الأول في محاورات النضوج ونجد الثاني في محاورات الشيخوخة، ما يعطي لهذا التقسيم بعض الصلابة، لأنه يكون هكذا قادرا علي مسايرة حقيقة أخري، هي تقسيم المحاورات إلي فترات. ورغم هذا فإن هذين النوعين لا يضمان كل الأساطير الأفلاطونية، وان كانا يضمان أهمها، لان هناك عددا من الأساطير الطريفة التي تخرج عن مجالهما، ونضعها في نوع ثالث هو نوع المتفرقات، وهي تنتمي إلي محاورات الشباب ومحاورات النضوج. ومن أولي الأساطير التي نجدها عند أفلاطون أسطورة ينسبها إلي السفسطائي الكبير بروتاجوراس، ولا شك أن عناصرها كانت موجودة من قبلهما في التراث الشعبي، تلك هي أسطورة بروميثيوس. وهي تقول انه كان وقت لم يكن يوجد فيه الجنس الحيواني، فلما جاء وقت خلقه صنعته الآلهة في أحشاء الأرض من خليط من نار وتراب و8 عناصر تأتلف معهما، ولما كانت لحظة إخراج الحيوان إلي النور، كلفت الآلهة بروميثيوس وابيميثيوس، وهما أخوان الهيان، أن يهب كل واحد منهما الخصائص المناسبة. ولكن إبيميثيوس طلب من أخيه ان يتركه يقوم بهذا بمفرده فأعطي البعض القوة دون السرعة وأعطي هؤلاء أسلحة رفض إعطاءها للآخرين، وكان من أهدافه ألا يندثر جنس ما وألا يهلك جنس جنسا آخر. ثم أراد بعد ذلك ان يجنبهم ويلات تغير الفصول، فوهبهم ريشا أو شعراً أو جلدا سميكا ولكنه لم ينتبه إلي معدل توزيعه، لكنه كان قد قسم كل ما لديه من القدرات علي أصناف الحيوان حينما بقي أمامه الإنسان، ولم يكن لديه شيء يهبه له. فلما جاء بروميثيوس ليري ما فعله أخوه، فكر ماذا يفعل من اجل حماية جنس الإنسان من الاندثار، وقرر ألا يسرق من هفايستوس ومن أثينا علم الفنون والصناعات ومعه النار، لأنه دون النار لا يمكن لصناعة (بالمعني الأعم) أن تقوم. وهكذا وهب الإنسان ما يحفظ عليه حياته، ولكن برميثيوس لم يستطع أن يهبه فن السياسة، لأنه كان في حوزة كبير الآلهة، زيوس، ولم يكن قد تبقي وقت حتي يذهب إلي هناك ليسرقه، خاصة ان حراس مقام زيوس أشداء يقظون. ويقال إن برميثيوس قد عوقب علي فعلته بعد اكتشافها. ولما حاز الإنسان هذا النصيب الإلهي، أدرك أولا وجود الآلهة، بسبب ما تشابهه معهم، وعبدهم، وصنع اللغة وبني المنازل ونسج الملابس وغير ذلك. وفي ذلك الوقت لم تكن هناك مدن، بل كان البشر يعيشون متفرقين، ولهذا وقعوا فريسة سهلة للحيوانات المتوحشة، لأنهم لم يكونوا يمتلكون العلم السياسي، الذي يكون فن الحرب جزءا منه، وحينما كانوا يجتمعون لتكوين مدن فإنهم سرعان ما كانوا يختلفون ويتصارعون بسبب فقدهم لفن السياسة. فخشي زيوس أن يهلك الجنس البشري، فأرسل إليهم الاله هيرمس، رسول الآلهة، حاملا إلي البشر الضمير والعدل، حتي توحد الصداقة قلوب البشر وتقوم للمدن قائمة. ولكن هيرمس سأل زيوس كيف سيوزعها، هل علي طريقة توزيع الفنون، فيحصل فرد علي فن الطب ويكفي لعديدين، أم توزيع عام بحيث يشترك فيها كل الأفراد؟ فأجابه زيوس: بل بين البشر جميعا لأن المدن لن توجد إذا كانت هذه الفضائل مقصورة علي بضعة أفراد، أعلن هذا القانون باسمي: أن الإنسان الذي سيكون بغير ضمير ولا عدل يجب فصله عن المجتمع باعتباره خطرا عليه. هذه هي الأسطورة، ولها علي لسان بروتاجوراس هذا المغزي: انه علي حين أن كل الاثنينيين يستطيعون العمل في السياسة فإنهم في أمور الطب والحدادة مثلا لا يقبلون إلا رأي المتخصصين القلائل (محاورة "بروتاجوراس"، 320 حـ وما بعدها). وإذا كان الطابع السياسي هو طابع هذه الأسطورة، فان الأخلاق تلتقي بالسياسة في أسطورة جيجيز التي يحكيها أفلاطون في محاورة "الجمهورية"، (359 د ــ 360 ب)، والتي ستذكر القارئ ببعض قصص "علاء الدين". تقول هذه الأسطورة إن جيجيز كان راعيا في خدمة ملك ليديا (مملكة شرقية في آسيا الصغري). وفي يوم قامت عاصفة هوجاء، وانشقت الأرض تحت أقدامه وبانت أمامه فتحة كبيرة، فنزل فيها والدهشة تملؤه فرأي من بين ما رأي حصانا من نحاس به عديد من أبواب صغيرة (ولنتذكر حصان طروادة) فدخل في أحدها فلمح جثة أطول من جثة الإنسان العادي، وكانت تحمل في يدها خاتما من ذهب، فأخذه وخرج، ولم يحمل معه شيئا آخر. وحان الميعاد الشهري لاجتماع الرعاة الذين في خدمة الملك، وذهب إليه صاحبنا وفي إصبعه الخاتم، وبينما هو جالس بين الآخرين أدار مصادفة فص الخاتم، ناحية راحة يده، فإذا به يختفي في أعين الآخرين الذين تحدثوا عنه، فدهش لذلك وأدار الفص إلي الناحية الأخري فعاد مرئيا، ثم كرر الأمر مرات، وفي كل مرة كان يحدث نفس الشيء فتأكد من هذه الخاصية للخاتم. وعمل علي أن يكون بين وفد الرعاة إلي الملك، وما إن وصل إلي القصر حتي أغوي الملكة وتآمر معها علي قتل الملك (ولنتذكر قتل أجا ممنون)، واستولي بذلك علي السلطة. ولعل القارئ يرجع إلي ما قلناه في فصل "أفلاطون وعصره" عن نظريات العدل عند الجمهور، حيث إن أفلاطون يسوق هذه الأسطورة في معرض الحديث عن الرأي القائل بأن الإنسان إذا ما أمكنه ارتكاب الظلم دون خوف من عقاب، فسيفضل الظلم علي العدل. باحث إسلامي يقيم في أسيوط

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل