المحتوى الرئيسى

مفهوم الثورة!

03/02 14:54

بقلم: د. خالد فهمي لم يكن يتصور أحد أن يحدث ما حدث في الخامس والعشرين من يناير بهذه السرعة، ولا بهذا الرقيِّ الحضاريِّ، وأن تشهد ميادين الثورة هذا المخزون الضخم من الفعل الحضاري، الذي ظل مخبوءًا في الوعي والوجدان المصري على مدار سنوات مديدة. كان أكثر المتفائلين في قدرات هذا الشعب العظيم الذي شُوِّه وجدانه- أو هكذا تصوَّرنا- زمانًا طويلاً، يطمع في أن يتحرك لصناعة تغيير مع بقاء النظام، أن يسعى لصناعة قدرٍ من تعديلٍ في بعض تفاصيل الصورة، من دون مساس بجوهر الإطار أو بجوهر اللوحة!. لكنَّ الطوفان الهادر الذي سُمِّي بالثورة وقع، فاقتلع الصورة المهترئة، وحطَّم الإطار، ومحا للأبد معالم الصورة القديمة التي صارت بائدةً. وسيأخذ الواقع المعاصر وقتًا لتمثل ما حدث، والوعي به، وتأمُّل ملامحه الجميلة، وفحص أبعاده المختلفة، ومراجعة المصادر التي شكَّلت ملامح الصورة من جديد، مما سمَّيته في مقالة سابقة باسم جامع هو: مصادر القوة الكامنة في ثورة الخامس والعشرين من يناير!. (1)ثورة من عمق النوروالحق يدعونا إلى تقدير إسهام ثقافة تخليق الثورة في العقل المصري المعاصر؛ ذلك أن ثمة روافد كثيرة أمدَّت هذه الثورة بأنهار من النور وجبال من النار. تحرك رجال كبار، طالما بذروا في النفوس بذور الثورة، من خلال استنبات شجرتها في الوعي المصري المعاصر، ولا يمكن لأحد أن ينكر عجزه في مقام رصد من بذر بذور هذه الثورة، على مستوى الرجال، أو على مستوى الأفكار. كان ميلاد هذه الثورة برهانًا ساطعًا على شيء كان الجدل محتدمًا حوله سابقًا، عُبِّر عنه في وقت مضى في صيغة استفهام إنكاري يقول: "في مواجهة الاستبداد والطغيان.. هل تحتاج إلى نص؟!". لقد كان الوعي الحقيقي بطبيعة منهج الإسلام ومقته الظاهر- على مستوى مدونة نصوصه الكبرى في الذكر الحكيم والسنة المشرَّفة- لكل أشكال الاستبداد والظلم والطغيان؛ أكبرَ أب وأعظم رافد، أمدَّ هذا الشعب بخيوط النور التي فجَّرت ثورته، وألهمت انتفاضته، على الرغم من محاولات الإعاقة والمحاصرة والمنع، ولكن من ذا يمكنه أن يمنع شعاع النور الساطع؟!! (2)آباء الثورة.. منابر النور الناطقةومن الحق أيضًا أن نقرر أن الثورة ستفرز- مع مرور الوقت- رجالها، وتعيد تصدير آبائها الروحيين إلى قمة المشهد وصدارته، سيأتي الوقت، وها قد حان، لتعيد الثورة- في رحلة فحص أمرها وتقييم منجزها- اكتشاف آبائها الذين ألقوا بنطفتها في رحم الواقع، وسهروا زمانًا كادحين؛ ليرعوا هذه النطقة في رحلة تخلُّقها في رحم الأرض المصرية. لا يمكن لأحد أن ينكر أبوَّة محمد الغزالي لهذه الثورة وهو يفضح "الاستبداد السياسي"، ويقاومه، ويرمي بـ"قذائف الحق" في وجوه الفساد، ومحاولات المسخ والتشويه لهويَّة الأمة. ولا يمكن لأحد أن ينكر أبوَّة خالد محمد خالد لهذه الثورة، وهو يعيد صياغة الحقيقة، رافضًا الاسترقاق الروحي والاجتماعي في "مواطنون.. لا رعايا". ولا يمكن لأحد أن ينكر أبوَّة حامد ربيع لهذه الثورة، وهو يعيد الطرق على بوابات كشف العدوِّ الأصيل للأمة خارجيًّا، ويفضح هو ومدرسته العلمية الأفاعي التي تمهِّد لتوحُّش هذا العدو داخليًّا. ولا يمكن لأحد أن ينكر أبوَّة عبد الوهاب المسيري، وهو يعيد الوجه المشرق للكلمة، المنيرة ملامحها الإنسانية، المتحركة على الأرض بوحي من آثار التوحيد الحضارية. ولا يمكن أن يتوقف هذا الرصيد لآباء ثورة الخامس والعشرين من يناير؛ لأن القائمة الشرفية طويلة وعريقة وممتدَّة امتداد عراقة هذا الشعب، وامتداد جذوره التاريخية الحضارية الرائعة. (3)ولكنَّ للثورة آباء روحيِّين لن يسقطوا من الذاكرةوإذا كانت القائمة التي ألهمت المصريين بثورتهم النبيلة، وفجَّرت في نفوسهم نبذ الاستبداد، وإزاحة الطغيان؛ فإن من الحق أن نقرِّر أن ثمة آباءً روحيِّين مباشرين، لا يمكن الاختلاف حولهم بحال من الأحوال. وقد أن الأوان لإعادة التذكير بمنجزهم قبل أن يطمره فعل النسيان، وما أراه قادرًا على ذلك.في هذا السياق فإن العودة بالذاكرة إلى نحو عقد من الزمان وتعيينًا سنة 2000م يوقفنا على إرهاصات حقيقية للثورة، كان بإمكانها أن تأتي بالثورة كاملةً، لكن الله أراد شيئًا آخر. في سنة 2000م تفجَّر الغضب الوليد أو الجنين في النفوس المصرية من جرَّاء توحُّش ملمح من ملامح فساد النظام السابق في ميدانه الثقافي، يوم صدرت رواية: (وليمة لأعشاب البحر) مستفزَّةً الوجدان المصري؛ في وقاحة مسلكها، وتطاولها على الفكرة الإسلامية، في رموزها الكبرى؛ لدرجة التعرُّض للذات المقدَّسة والتطاول على الله سبحانه!!. وخرج الجميع يومها يدينون وقاحة وزارة الثقافة المصرية، ويدينون جريمة وزيرها، وتطاول مؤسسات النشر فيها، واتفق النقَّاد الكبار على سفاهة ما نُشر وسقوطه الفنِّي، واشتبك رجالات السياسة، والتهبت المشاعر!. لكنَّ أحدًا الآن وقبل الآن لا يمكنه أن ينسى بالإجلال ما كان من الدكتور محمد عباس، عندما سطع صوته مناديًا: (من يبايعني على الموت؟!)، وخرجت الجماهير الهادرة، لكنَّ الثورة لم تكن بعد إلا جنينًا لم يستطع مواصلة الطريق. وانزوى الدكتور محمد عباس من هذا التاريخ القريب، مكتفيًا في الغالب بكتابة افتتاحية مجلة "المختار الإسلامي" يتعهَّد جنينه الذي وُلد يحبو. وكنت وغيري في قراءاتنا له وفي لقاءاتنا وجهه، نلمح براكين الغضب على وجهه ومشاعره، وهي تستحيل كلماتٍ من نار، وسطورًا من نور، حتى كان الميلاد العظيم للوليد الذي اكتمل بعد نحو عقد من زمان ثورة جبَّارة من رحم هويَّة هذا الشعب، بما دلَّلت عليه الصلوات المتتالية من جموع الثائرين، مسلمين ونصارى. إن من حق محمد عباس أن يسعد اليوم، ومن حق الذين ثأروا أن يقدِّروا جهاد الآباء العظام الذين فجَّروا نهر هذه الثورة الميمونة، وفي هذه الورقة فتح لباب فحص منجز محمد عباس الفكري في تفكيك منظومة الفساد والاستبداد، وصيانة روافد الهوية واستلهام السيرة النبوية لمعالجة الشأن المعاصر. لقد آن الأوان أن نتحرك جميعًا للكشف عما مثل مخزونًا راعيًا للثورة، والواجب على الجميع أن يبَرَّ آباء هذه الثورة، ويفحص منجزهم، ويدرسه ويحلِّله، ويلتقط القيم الفاعلة فيه، ويربِّي أجيال الأمة الناشئة في مستقبل زمانهم على أهدافها وغاياتها.-------- * كلية الآداب- جامعة المنوفية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل