المحتوى الرئيسى

ظواهر أسلوبية في قصيدة الصدى الباكي لفدوى طوقان بقلم : محمد جرادات

03/02 13:23

نص القصيدة : .. الصدى الباكي .. . شاعري , لا تقْسُ في عتبك , لا تظلم وفائي أنا حسبي قسوة الدنيا وإعنات القضاء آه لو تدري بآلامي , بمأساة شبابي لبكى قلبك وارتج ليأسي وعذابي . أنا لم أنس هوى فجّر ألحاني وشعري أنا لم أنس هوى رفّت به أيام عمري أنا أنسى ؟ كيف ؟ لا يا حلم قلبي , يا نجيي لا , ومن ألفّ روحينا على الحب النقيّ . سل ضمير الليل , هل أودعته أسرار حبي هل تغنيت بأشعارك في وحدة قلبي إن هذا الليل يطوي كل أسرار حياتي إنه معبد أحلامي ومأوى ذكرياتي . شعرك العاتب كم فجّر دمعي , كم شجاني ! والنداء الشاعريّ العذب كم هزّ كياني لو تراني والهوى يصرخ في روحي الأسير وأنا أشدو بأشعارك في الليل الكبير . أنت روح طائر ... يشدو على كل الغصون .. يرتوي من خمرة الحب , ومن نبع الفتون وأنا روح سجين قصّت الدنيا جناحي نغمي ينبيك عني , عن مدى عمق جراحي ! . رحمة يا شاعري , وانظر إلى أصداء روحي إنها في شعريَ الباكي استغاثات ذبيح ! إنها يا شاعري أنات مظلوم طريدِ إنها غصّات مخنوقٍ بأطواق الحديدِ . كلمّا ضمّك حضن الليل في صمتٍ وحزنِ ومضى قلبك حيران الهوى يسأل عني .. أرهف السمعَ , تجد روحي مجروحَ النداءِ ضارعاً في ألمٍ : رحماك لا تظلم وفائي ! 1ـ التكرار تشكل ظاهرة التكرار اللفظي ظاهرة أسلوبية متميزة في شعر فدوى طوقان عامة ، وتشكل ملمحاً واضحاً وثابتاً من ملامح قصائدها ، ويمكن اعتباره سمة أسلوبية في شعر فدوى طوقان وعنصراً من عناصر فنها الشعري الثابتة (1) . والتكرار لديها ، يجيء لتأكيد المعنى ولتكثيف الصورة بحيث يخلق التداخل والتلاحم بين أجزاء القصيدة ، والشاعرة لم تتعمده بل جاء لديها دون صنعة أو تكلف أو إقحام،ويتسم بالثراء والترف والخصوبة ظن سياقه حلو الألفاظ بارع الأساليب جميل الأخيلة صادق الأداء(2) . فقد تكرر الشاعرة كلمة ما أو أسلوبا ما أو جملة ما . ولعل أول ما يقابلنا في قصيدة الصدى الباكي في المقطع الأول منها هو تكرار لا الناهية ، في قول الشاعرة : شاعري ، لا تقسُ في عتبك ، لا تظلم وفائي فقد كررت الشاعرة في السطر الشعري السابق النهي الذي أفاد الالتماس ،حيث ترجو حبيبها الشاعر أن لا يقسو عليها وتنهاه عن ظلمها إذ جاء تكرار النهي لتبين لشاعرها أثر عتابه لها وظلمه لوفائها على نفسها فهي تنهاه بشدة عن هذه الأفعال التي تؤرق نفسها . ويظهر التكرار أيضا في المقطع الثاني من القصيدة في قولها : أنا لم أنسَ هوى فجر ألحاني وشعري أنا لم أنسَ هوى رفت به أيام عمري فقد كررت الشاعرة في الأسطر السابقة لتؤكد لمحبوبها أنها لم تنس حبها له الذي كان سبباً في غزارة شعرها الجميل والذي جعل أيامها جميلة تحياها في هناءة وسرور . وفي المقطع الرابع من القصيدة نلحظ أن الشاعرة تكرر كم الخبرية ثلاث مرات حين تقول : شعرك العاتب كم فجر دمعي ، كم شجاني ! والنداء الشاعري العذب كم هز كياني ! وتكرار الشاعرة لكم الخبرية ، ليس مجرد تكرار عددي ، وإنما للتكرار هنا دور المقابل للحالة الشعورية المسيطرة على الشاعرة ، إذ تبين الشاعرة مدى تأثرها وانفعالها من شعر حبيبها . ويأتي التكرار في المقطع الأخير ، في قول الشاعرة : إنها في شعري الباكي استغاثات ذبيح ! إنها يا شاعري أنات مظلوم طريد إنها غصات مخنوق بأطواق الحديد فقد كررت الشاعرة من إن لتؤكد على عمق معاناتها التي تكابدها وما يعتمل في قلبها من زفرات حزينة . 2 ـ الصيغ الإنشائية لقد وظفت الشاعرة في خطابها العديد من الأساليب التي تبرز قدرتها على التعبير عن المشاعر والتلون بحسب عواطفها مولدة منها معاني إضافية تثري المعنى الأصلي ، وتحدث في المتلقي تأثيراً فاعلاً ، إذ تستفز مشاعره وتثيرها وتضم صوته إلى صوتها ، وتحقق هدفاً إضافياً(1) ، ومن الأساليب التي وظفتها الشاعرة : أـ الاستفهام وقد حقق في قصائد الدواوين الأولى نسبة تردد عالية ، تكشف عن رغبة الشاعرة في المعرفة وخوفها من المجهول ، وقد نوعت الشاعرة في قصيدتها هذه في استخدام الاستفهام ، حيث أوردته بغرضه الحقيقي ومن ثم خرجت به إلى معاني أخرى كالتعجب ، فمن الاستفهام الذي خرج لغرض التعجب قولها : أنا أنسى ؟ كيف ؟ لا يا حلم قلبي يا نجيي تتساءل الشاعرة هنا معبرة عن دهشتها عندما أخبرها حبيبها بأنها سوف تنساه يوماً ما وقد خرج هذا الاستفهام عن نفس حزينة معذبة تريد التمسك بحلم قلبها مهما حصل . وهناك موضع آخر على الاستفهام الذي أفاد التقرير ، حيت تقول : سل ضمير الليل ، هل أودعته أسرار قلبي ؟ هل تغنيت بأشعارك في وحدة قلبي ؟ يكشف الاستفهام في هذه الأسطر عن قلق الشاعرة ورغبتها في إثبات وفائها لحبيبها رغم بعده عنها حتى في أصعب لحظات وحدتها وتغنيها بأشعار حبيبها التي لم تنساه أبداً . ب ـ النداء كانت نداءات الشاعرة في هذه القصيدة في مجملها نحو غرض التحبب الذي أرادت منه الشاعرة أن تبين مدى حبها لشاعرها المحبوب ، كما في نداءات ( يا شاعري ، يا حلم قلبي ، يا نجيّي ) ج ـ الأمر وقد وظفته الشاعرة في هذه القصيدة لمعان مجازية كالتمني والالتماس وكلاهما يدعم الدلالة ويبرز أهمية الطلب الذي تتوجه به فمن الأمر الذي أفاد الالتماس قولها : رحمة يا شاعري ، وانظر إلى أصداء روحي أرهف السمعَ ، تجد روحي مجروح النداء ومن الأمر الذي أفاد التمني ، قولها : سل ضمير الليل ، هل أودعته أسرار حبي ؟ دـ النهي أفاد النهي في جميع هذه القصيدة معنى الالتماس ؛ نظراً لأن الشاعرة تخاطب شاعراً مثلها مساوِ لها في المرتبة ، فكلاهما شاعر ومن ذلك قولها : شاعري ، لا تقسُ في عتبك ، لا تظلم وفائي رحماك لا تظلم وفائي هـ ـ التمني : إذا كان التمني يخرج لأغراض مجازية إلا أنه في قصيدة الشاعرة يأتي على حقيقته ـ في طلب ما يمتنع أو يتعذر تحققه ، وقد جاء التمني في هذه القصيدة ب لو ، كما في قول الشاعرة : آه لو تدري بآلامي بمأساة شبابي لبكى قلبك وارتج ليأسي وعذابي لو تراني والهوى يصرخ في روحي الأسير وأنا أشدو بأشعارك في الليل الكبير 3 ـ المستوى الصوتي : لقد كانت هذه القصيدة ـ بصفتها من دواوين المرحلة الأولى عند فدوى طوقان ـ تعتمد تنوع القوافي والأوزان نظراً لطبيعة الشعر الحر ، وقد بنيت هذه القصيدة على وحدة التفعيلة ألا وهي تفعيلة فاعلاتن التي أعطت الشاعرة متسعاً للتنفيس عن همومها وآلامها التي تعتريها جراء هجر حبيبها لها وتجهمه إياها . وقد كررت الشاعرة في هذه القصيدة في استخدام صوتي السين والشين وهما من الأصوات المهموسة التي تعطي للنفس همساً رقيقاً إذا عبرت الشاعرة من خلال توظيف هذه الأصوات عن شدة حزنها وعمق مأساتها برقة وعذوبة نستشفها استشفافاً عذباً هادئاً . 4 ـ المستوى التصويري : يحمل عنوان القصيدة ( الصدى الباكي ) جمالاً فنياً فقد استطاعت الشاعر أن تجمع كل ما يعتمل في ذاتها في كلمتين محوريتين يرتكز عليها النص ، فهذا الصدى صوت الشاعرة التي تستغيث بها عل حبيبها يسمعها أو يلبي نداءها ، لكن عبثاً تحاول إذا لا تسمع سوى صدى صوتها الحزين الذي يعود بخفي حنين خائباً باكيا . وتكثر الصور الفنية في القصيدة ، فحين تقول الشاعرة مثلاً : أنا لم أنسَ هوى فجر ألحاني وشعري أنا لم أنسَ هوى رفت به أيام عمري نرى عظم هاذ الحب عند الشاعرة فهو من جعل شعرها ينساب بغزارة وهو شعور جميل جعل الشاعرة تعيش أياماً هانئة ، وأنى لها أن تنسى ذلك الحب ؟! وفي قولها أيضاً : إن هذا الليل يطوي كل أسرار حياتي إنه معبد أحلامي ومأوى ذكرياتي تظهر صورة الليل هنا مرتبطة بذات الشاعرة وبأدق تفاصيل حياتها ففيه تخبئ أسرارها وهو الوقت الذي تراودها الأحلام فيه وهو مكان ذكرياته الآمن . ويظهر التصوير الفني في أسطر أخرى مثل : شعرك العاتب كم فجر دمعي ، كم شجاني ! والنداء الشاعري العذب كم هز كياني ! ها هو حبيبها الشاعر يكتب لها شعراً يعاتبها فيه، وكان لهذا أشد الوقع على نفس الشاعرة المرهفة إذ جعلها تبكي مراراً ويرافقها شجن دائم ، وقد كان نداء حبيبها الشاعر عذباً وشاعرياً جعل كيانها مهتزاً من شدة شوقها لهذا النداء الذي طالما انتظرته . 5 ـ المستوى المعجمي : لقد جاء معجم الشاعرة في قصيدتها هذه محتوياً العديد من ألفاظ الحزن والأسى واللوعة التي تعتمل في داخل الشاعرة المعذبة التي تعاني مرارة الوحدة والهجر والشوق ، ونستطيع أن نقول أن هذه القصيدة قامت على نبرة الحزن في جميع مقاطعها واسطرها فمن المفردات والتراكيب التي استخدمتها الشاعرة لتدل على حالتها هذه ( الصدى الباكي ، قسوة الدنيا ، إعنات القضاء ، آلامي ، مأساة شبابي ، بكى قلبك ، وحدة قلبي ، فجر دمعي ، هز كياني ، روحي الأسير ، قصت الدنيا جناحي ، عمق جراحي ، شعري الباكي ، استغاثات ذبيح ، أنات مظلوم طريد ، غصات مخنوق بأطواق الحديد ، مجروح النداء ) إذا وفقت الشاعرة في توظيف هذه المفردات والتراكيب في التعبير عن حالتها الشعورية علها تسري عن همها أو تكسب ود حبيبها ، أو تجد من يتعاطف معها في محنتها . المصادر والمراجع : 1 ـ الأعمال الشعرية الكاملة ، فدوى طوقان ، مكتبة خالد بن الوليد ، ط 1 ، 1994. 2ـ الصورة الشعرية عند فدوى طوقان ، خالد أحمد سندواي ، مكتبة كل شيء، 1993. 3ـ الخصائص الأسلوبية في شعر فدوى طوقان ، فتحية إبراهيم عبد القادر صرصور ، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في الأدب والنقد ، جامعة الأزهر ـ غزة ، 2003 .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل