المحتوى الرئيسى

حزب على الطريقة التركية أم المصرية؟

03/02 12:49

بقلم: م. محمد كمال    م. محمد كمالحين قابلنا البروفيسور نجم الدين أربكان- رحمه الله- على طريق سفرنا البري إلى الحج عام 1990م, ذهبنا إليه نعلن فخرنا بوصوله إلى الحكم, وإنجازاته المشهودة, فتعجَّب الرجل الكبير من هؤلاء الشباب العرب الذين يتابعون تفاصيل ما يحدث في تركيا, ثم انبريت قائلاً: لا تتعجب يا سيدي.. إننا نعتبركم أملاً وقدوةً لنا.. فسألني الرجل: من أي البلاد أنت؟.. فأجبته: من مصر.. فصمت عميقًا.. ثم قال:  م. محمد كمالحين قابلنا البروفيسور نجم الدين أربكان- رحمه الله- على طريق سفرنا البري إلى الحج عام 1990م, ذهبنا إليه نعلن فخرنا بوصوله إلى الحكم, وإنجازاته المشهودة, فتعجَّب الرجل الكبير من هؤلاء الشباب العرب الذين يتابعون تفاصيل ما يحدث في تركيا, ثم انبريت قائلاً: لا تتعجب يا سيدي.. إننا نعتبركم أملاً وقدوةً لنا.. فسألني الرجل: من أي البلاد أنت؟.. فأجبته: من مصر.. فصمت عميقًا.. ثم قال: "اسمع يا بني.. كل الذي نفعله في تركيا وغيرها محاولات.. لكننا ننتظر الانطلاقة الإسلامية الكبرى من مصر، صاحبة المنهج الإسلامي المتكامل.. ويومها كلنا سنسير وراءكم". والكلمات لم تزَلْ محفورةً في وجداني، ومرَّت الأيام, واستطاع تلاميذ "أربكان" أن يحققوا نموذجًا جميلاً؛ إذ قادوا وطنهم بطريقة أكدت نجاح الفكرة الإسلامية في إدارة الشعوب, وانشغلوا بتأكيد "المقاصد" من تنمية وعدالة اجتماعية.. وأجَّلوا بقية تحديات إقامة دولة إسلامية، وعاد شبابنا يردِّد ما قلناه بالأمس: إننا نريد أن نقتدي بالتجربة التركية الرائعة!.. لذلك أحببت أن أتحاور مع أبناء الدعوة في هذه المسألة الحيوية التي حان وقتها الآن:فالتجارب إلاسلامية المطروحة على الساحة الآن: إما تجربة تحقيق "مقاصد الشرع" كما في تركيا.أو تجربة "مقاومة الاستعمار" كما في فلسطين.أو تجربة "جهاد الدفع" كما في أفغانستان.أو تجربة "مقاومة الاستبداد" مثلما عشناه في مصر. أما تجربة "الشرائع" فلم تكتمل، كتجربة "طالبان" التي حظيت باستغراب الإسلاميين، فضلاً عن التشويه الأمريكي الذي لم يترك للباحثين فرصةً محايدةً للدراسة والنقد الموضوعيَّيْن، كما ستلحظ أن بقية التجارب يمكن إلحاقها على ما ذكرنا من تصنيفات. والتجارب الأربعة من الإسلام وإليه تنتسب, وهي رافد يصب في خزينة "المشروع الإسلامي الشامل" الذي هو بيت القصيد. ومشروع الدولة الإسلامية التي نرنو إليها هي دولة تنتظمها شرائط أربعة كبرى وهي: 1- أن تحكمها (شرائع الإسلام) التي تحقق (مقاصد التشريع)؛ من حماية وحرية ورفاهية لأبناء الوطن جميعًا.2- أن تكون لها راية معروفة, وقوة مرهوبة, تسهم بهما في إقرار الأمن والسلم الدوليين, وتساند القضايا العادلة في العالم, وتنشر المعنى السلمي الراقي لمفهوم "الجهاد في سبيل الله"، وإحلاله محل عقيدة "الحرب التوسعية" أو "الاستعمار الغاصب للثروات".3- وهي- إذن- دولة لا تقبل السلطان الأجنبي بكل أشكاله على أراضيها, وتعمل على تغيير الأعراف الدولية التي تقر للأقوياء حقوقًا يأباها الرشد الإنساني, وكرستها الحضارة القائمة في غيبة الحضارة الإسلامية.4- وهي دولة تقوم بنشر ثقافة ومعالم الحضارة الإسلامية بكل مقوماتها للعالم كله, وهذا مما أقرته الأمم المتحدة من حقوق للثقافات, فقامت "الفرانكفونية" للدول التابعة للثقافة الفرنسية, وقامت "الاشتراكية الدولية" لنشر الفكرة الاشتراكية, وقامت "الكومنولث" لنشر الحضارة الإنجليزية. ولذلك فإن التجربة الإسلامية الحديثة لم تكتمل بعد, وإذا كان النموذج التركي قد قدَّم تجربة "مقاصد" ناجحة فما زال الطريق أمامه طويلاً؛ فالتنمية ما زالت في إطار اقتصاد ربوي, والأخلاق ما زالت محاصرة بتقنين الدعارة والقمار وأشباههما, والتعليم والفنون والإعلام والسياحة ما زالت تدور في أفق نظريات علمانية لها مرادفات إسلامية تركية لم تتمكن بعد, والموقف من قضيتنا الأم "القضية الفلسطينية" مرتهن باتفاقيات "التحالف الإستراتيجي الإسرائيلي- التركي".. هذه كلها أمثلة تبين أن طموحنا ينبغي أن يجاوز المشروع التركي. ومن ناحية أخرى، فإن الإسلاميين لم يخوضوا التحدي الأكبر لمشروعهم، وهو كيفية إنزال النصوص والرؤى العلمية في صورة تشريعات وقوانين.. ذلك الذي ينتظره العالم منا الآن.إننا كمسلمين نرى أن المجتمع الإنساني تلزمه تشريعات تفي بشرطين أساسيين: أولهما: أن تتوفر فيها مقومات العدالة والحرية والرفاه الإنساني.ثانيهما: أن تتوفر فيها مقومات "تصالح الإنسان مع حقيقته الإنسانية الكاملة"، روحًا وجسدًا.إن الخطاب الإسلامي نعى على الحضارة الأوروبية أنها تقدمت إذا كان الكلام عن الشرط الأول؛ ولكنها تخلَّفت بمنظور الشرط الثاني، وهو "جوهر الإنسانية", فإنسان الغرب اكتسب "الحقوق" وخسر "الإنسان".. انظر إلى "نيوت جنجريتش" المتحدث السابق باسم مجلس النواب الأمريكي, وهو أحد المدافعين الكبار عن الحضارة الأمريكية، وهو ينتهي في نهاية المطاف إلى قوله: "يستحيل الحفاظ على حضارة، أبناؤها ينجبون أطفالاً وهم في الثانية عشرة من العمر, ومن هم في الخامسة عشرة يقتلون بعضهم بعضًا, ومن هم في السابعة عشرة يموتون بمرض الإيدز, ومن هم في الثامنة عشرة يحصلون على دبلومات لا يستطيعون قراءتها إلا بالكاد". وإذا كانت قضية "الشرائع الإسلامية العصرية" تحديًا كبيرًا, فإن قضية المفهوم الصحيح "للجهاد" كما أوضحناه يمثل ركنًا ركينًا في تكامل الصورة حول الدولة المنشودة؛ ذلك أن اكتمال عناصر الدولة داخليًّا سيقودنا إلى نشر حضارتنا من موقع مسموع ومقدر. أقول هذا حتى لا تختزل أحلام شبابنا- بعد الثورة المباركة- على تجربة "المقاصد" التركية، وذلك أني أرى أن مصر اليوم يمكنها أن تستعد لمرحلة "الشرائع"، وهي التي ستكون تطورًا هائلاً في العالم الإسلامي؛ لأن تجربة "المقاصد" مرهونة برجال عدول مثل إخواننا في تركيا, أما "الشرائع" فهي التي تنتج هؤلاء العدول بصفة دائمة, كما تمكِّن لتحقيق "المقاصد" بوتيرة متدفقة. ويقيني أن تربة مصر- بشريكي الوطن- متوافقة مع الإسلام ويتوافر بها نخبة من رجال الفكر والقانون والشرع والسياسة؛ ما يمكننا أن نتحصَّل على "تشريعات إسلامية" من جهة، ومن جهة أخرى تكون عصرية ومتطورة، وفي كل الأحوال تراعي التنوع الديني والنوعي. هذا هو ما ينبغي أن نعمل له الآن؛ حتى يخرج مشروعًا متوهجًا يجتذب أنظار العالم إلينا؛ لتبدأ مسيرة الحضارة الإسلامية في الانطلاق من جديد.-----------* MOHAMEDKAMAL62@YMAIL.COM 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل