المحتوى الرئيسى

ثورة مصر وتبعات النصر

03/02 11:18

بقلم: محمد رجب سالم    محمد رجب سالمفي صبيحة يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر يناير سنة 2011م، وبمشيئة وبمعونة الجبار القهار، ثم بعزيمة الثوار، تقدَّم شباب مصر الأبرار إلى ميدان الأحرار، ليشعلوا منه شرارة الثورة على الطاغوت وبطانته الأشرار، الذين- على مدى ثلاثين عامًا- قهروا العباد ونهبوا البلاد، وأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، بعد أن نسوا أو تناسوا أن الله للطغاة بالمرصاد.  محمد رجب سالمفي صبيحة يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر يناير سنة 2011م، وبمشيئة وبمعونة الجبار القهار، ثم بعزيمة الثوار، تقدَّم شباب مصر الأبرار إلى ميدان الأحرار، ليشعلوا منه شرارة الثورة على الطاغوت وبطانته الأشرار، الذين- على مدى ثلاثين عامًا- قهروا العباد ونهبوا البلاد، وأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، بعد أن نسوا أو تناسوا أن الله للطغاة بالمرصاد. وتنفس المصريون الصعداء، بعد أن انزاح الطاغية ومعه بطانته الباغية، ورددت مصر النيل مع شاعرها حافظ إبراهيم شاعر النيل: إنني حـرة كسـرت قيـودي    رغم ركب العدا وقطعت قيدي وتماثلت للشفـاء وقـد دانيت    حينـي وهيَّـأ القـوم لحـدي إن مجدي في الأوليات عريق    مـن لـه مثل أولياتي ومجدي وإزاء هذه الأحداث الجسام وجدتني أقف في خشوع وتدبر أمام قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾ (آل عمران).وقلت في نفسي: سبحان الملك الحق مالك الملك، وملك الملوك، الذي يهب الملك لمن يشاء من عباده، ليسخره في خدمة الدين، ونصرة المبادئ السامية، والقيم النبيلة، فإن أدى هذه الأمانة الثقيلة بإقامة العدل ثبت ملكه وأرشد خطوه وبارك سعيه، وإن كانت الأخرى، وأعني بها خيانة هذه الأمانة العظيمة في صورة قهر للإنسان، وإشاعة للطغيان، كان الانتقام العادل في صورة نزع لهذا الملك، وإذلال لصاحبه، جزاءً وفاقًا على ما قدمت يداه، وما ربك بظلام للعبيد. يقول الإمام عبد الرحمن بن خلدون- مؤسس علم العمران (علم الاجتماع حاليًّا) "العدل أساس العمران، والظلم مؤذن بالخراب"؛ وهذا يذكرنا بسنة الله الاجتماعية، والتي تتمثل في إمهال الظالمين إلى حين، ثم إنزال البطش الشديد بهم إن أصروا على ظلمهم، وأقاموا على بغيهم. إنها سنة إلهية لا تتخلف، كما لا تتخلف سنة الله الكونية التي تحكم حركة الأفلاك، وتعاقب الليل والنهار، والمد والجزر في البحار، وجريان الشمس، ومنازل القمر، وتتابع الفصول الأربعة، وغير ذلك مما لا نحصيه عدًّا ولا نحيط به علمًا. وإمضاءً لسنة الله العادلة، كان لا بد أن يُنزع ملك حسني مبارك، الذي والى أعداء الله، وعادى أولياءه في الداخل والخارج، بل كان القادة الصهاينة والأمريكان أحب إليه من بني وطنه المصري وشعبه العربي، بالإضافة إلى الظلم الذي ساد عصره، وعم عهده، والذي لا تُحصى ألوانه وصوره في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما خبر السبعين مليار دولار عنا ببعيد، وما خفي أعظم. وقد رأى أحد الصالحين- رحمه الله- ولا نزكي أحدًا على الله- منذ ما يربو على عشرين سنة- رؤيا عجيبة، شاءت إرادته سبحانه أن تكون ثورة الشباب المصري في الخامس والعشرين من يناير تأويلاً دقيقًا لها؛ قال لي رحمه الله: إنه رأى فيما يرى النائم أنه يجلس مع الرئيس (المخلوع) على منضدة واحدة، وفجأة خرجت عليهما جماهير غفيرة حاشدة تريد أن تفتك بالرئيس، فحاول صاحب الرؤيا أن يدافع عنه، فحذرته الجماهير من ذلك، بل وهددته بالقتل إن فعل ذلك، ثم هاله أن رأى أن قوة الرئيس قد استحالت ضعفًا، وأن صحته القوية قد تبدلت مرضًا وهزالاً، وأنه- أي الرئيس- يتشبث به ليحميه من بطش الجماهير الثائرة، فما كان منه إلا أن ألقاه فيما يشبه الكوخ من "البوص"، ونجا بنفسه، وهكذا صدق الواقع الرؤيا، وأزيح طاغية مصر عن عرشها بثورة شعبية وحَّدت بين الأفئدة والصفوف على اختلاف مشاربها، وتباين أفكارها وثقافاتها، ولقد رأيت هذا بعيني رأسي في ميدان التحرير، وعندها ذكرت في إجلال وخشوع قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾ (الأنفال). وإذا ذكر تلاحم فئات الشعب للقيام بالثورة، فإن من الإنصاف أن نقول إن الوقفة الجليلة والحكيمة للجيش المصري، كانت عاملاً أساسيًّا بإذن الله في إنجاح الثورة وصيانتها والحفاظ على مقدرات الشعب المصري، فتحية إعزاز وتقدير لجيشنا الباسل ما تعاقب الليل والنهار. إن سنة الله تعالى في إهلاك الظالمين لا تتخلف ولا تحيد، ونحن نوقن بذلك يقينًا راسخًا رسوخ الشم الرواسي، ولكننا نعجب للقدرة الإلهية، التي ترينا فريد الآيات، وشديد البطشات؛ فهل كان أحد يتصور الطريقة التي سيزول بها ملك مبارك، ويسقط عرشه؟، وهل طاف بخيال أحد أن دولة بوليسية تضخم فيها حجم الأمن المركزي، والأمن الرئاسي، والحرس الجمهوري إلى حد فاق حجم جيوش في دول أخرى أن تسقط قيادتها الباغية، وتنهار أجهزتها الأمنية الحارسة للنظام الحاكم في ثمانية عشر يومًا فقط؟! ما كان أحد يتصور ذلك مجرد تصور، لكنها إرادة الله العادلة، وسنته الماضية، رغم استبسال النظام البائد وتشبثه بالكراسي إلى حد دفع قادته إلى استخدام القوة المفرطة، والأساليب اللا مشروعة في العدوان والطغيان، وما استخدام البلطجية والمساجين الجنائيين، بالإضافة إلى الهجوم على الثوار بالجمال والحمير عنا ببعيد؛ وكل ذلك في مواجهة شباب ثائر لا يحمل سلاحًا إلا إرادته الفتية، وعزيمته القوية، وقدم روحه ودمه ثمنًا لحريته التي شرفه الله بها، ولكرامته التي كرمه الله بها، وكان لا بد من هذا الثمن مصداقًا لقول الشاعر: وللحرية الحمراء باب       بكل يد مدرجة يدقأجل كان لا بد من هذا الثمن، أي كان لا بد من الدماء لتروى شجرة الحرية، ومن ثمَّ فإن شهداء الحرية الذين واجهوا الباطل، ووقفوا بقوة في وجه الظالمين بنية صادقة هم شهداء كلمة الحق في وجه سلطان جائر، ودليل ذلك من السنة النبوية المشرفة قوله- صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". ولا يفوتنا أن نقف وقفة تذكر واعتبار أمام حكمة الله التي اقتضت أن تكون نهاية الجبابرة على أيدي المستضعفين: * أرأيتم فرعون الذي طغى وبغى، وقال للناس ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (النازعات: من الآية 24)"؟!، أرأيتم كيف أهلكه الله في اليم، فكانت عاقبته في الدنيا إغراق، وفي الآخرة إحراق، وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾ (القصص).  * أرأيتم كيف كان هلاك الملك الطاغية "النمرود" بعد رحلة طغيان واستبداد وعدوان؟ ألم يقل للخليل إبراهيم- عليه السلام- في مناظرته معه: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (البقرة: من الآية 258)؛ لقد أهلكه الله تعالى ببعوضة سلبته عافيته، وكانت فيها منيته وهلكته. * أرأيتم كيف كان مصرع أبي جهل- فرعون أمة محمد- في غزوة بدر؟ لقد أهلكه الله على يد ابني عفراء، وهما صبيان صغيران من أبناء الأنصار، ثم أجهز عليه أضعف الصحابة قوة، وهو عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه. إني لأوقن، ومعي كل مصري شريف أن ليل الظلم في الدنيا إلى زوال، وأن فلول الطغاة والظالمين إلى اضمحلال واستئصال، بعد أن توافقت إرادة الثوار الأحرار من أبناء مصر مع إرادة الملك الحق سبحانه وتعالى، وهو القائل جل شأنه في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11). ورحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم حين صاغ هذا المعنى قائلاً على لسان مصر: نصف قرن إلا قليلاً أعـاني   ما يعاني هوانه كــل عبـد نظر اللـه لـي فأرشد أبنائي   فشدوا إلى العـلا أي شــدإنما الحق قوة من قوى الديـ           ـان أمضى من كل أبيض هندي وهكذا تعود مصر بثورتها إلى مكانتها التي رسمها القدر، ولتتبوأ منزلتها بين البشر. والسؤال المطروح الآن: ثم ماذا بعد؟، أو بعبارة أخرى: ما هو الطريق بعد الثورة وما هي معالمه وملامحه؟إنه طريق الإصلاح لما أفسدته أيدي العابثين، وبناء مصر الحديثة؛ أو بعبارة أكثر وضوحًا: نحن نريد دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية؛ واسمح لي أيها القارئ الكريم أن أنقل سطورًا مما كتبته في مقالتي السابقة، وعنوانها "رحيل طاغية والبقية آتية، وكنت قد كتبتها عقيب نجاح ثورة تونس، وقبيل اندلاع الثورة المصرية بحوالي أسبوعين؛ لقد كتبت أقول: "... إننا كمسلمين وكعرب ننادي بالدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، ولست أقصد دولة دينية يحكم فيها بالأهواء الشخصية من يسمون "برجال الدين"، أو طبقة "الإكليروس"، التي عرفها الغرب في عصوره المظلمة، فأنكرها ولفظها، لما أوقعته من ظلم، ولما أحدثته من طغيان، وإنما البغية والمقصد هو الدولة المدنية التي تستقي أحكامها ومنهجها وأخلاقها من شريعة الإسلام، فإن التحاكم إلى منهج الله وتطبيق شريعته أمر واجب، وليس أمرًا اختياريًّا، ودليل ذلك قوله تعالى في محكم التنزيل آمرًا خاتم النبيين، وآمرًا من خلاله- صلى الله عليه وسلم- كل ولي أمر مسلم: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)﴾ (المائدة). ولا يهم عندئذٍ أن تأخذ الدولة المنشودة بالنظام الرئاسي، أو النظام البرلماني، أو غيرهما من الأنماط السياسية التي يعرفها العالم في عصرنا الحديث، ما دامت المبادئ الإسلامية من شورى، وعدالة، ومساواة.. وغيرها ستوضع موضع التنفيذ والتطبيق، بالإضافة إلى المرجعية الإسلامية للقوانين الدولية والجنائية والمدنية. وها هو النظام الصهيوني الغاصب لفلسطين يأخذ بالنظام البرلماني على النمط البريطاني، ولكنه يتخذ من اليهودية المشوهة ومن التوراة المحرفة مرجعًا له، بل الأدهى من ذلك والأمر أن رئيس حكومته "بنيامين نتنياهو" لا يكف عن مطالبة العالم بوجه عام والعرب بوجه خاص بالاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية الغاصبة. فهل تراها حرامًا علينا، وحلالاً لهم؟!نأمل الخير، وبتوفيق الله نسعى إليه للبناء والإصلاح، ونسأل الله الملك الحق أن يولي أمورنا خيارنا، وسوف يتحقق هذا إن شاء الله تعالى، ورؤى الصالحين العاملين مبشرات وإرهاصات لهذا الخير، ومن ذلك ما قصه علىَّ أحد شباب الثورة، وهو من أهل القرآن، على لسان أحد الصالحين، الذي أخبره أنه رأى قبيل الفجر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسمعه يقول: أبلغ سلامي لكل من في ميدان التحرير، وأبلغهم أنه لن يحكم مصر بعد اليوم ظالم. فاللهم اجعل هذه الرؤيا الصالحة حقيقة، واستعملنا ولا تستبدلنا، واجعل مصر دار أمن وأمان، كما قلت عنها في كتابك على لسان نبيك يوسف عليه السلام: ﴿وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ﴾ (يوسف: من الآية 99). واصرف عنها شر الأشرار المتمثلين في فلول الحزب اللا وطني اللا ديمقراطي وجهاز أمن الدولة الذي طالما قهر وكبت وظلم، وأكلة أموال الناس بالباطل من رجال الأعمال الموالين للنظام البائد، فهولاء جميعًا يشكلون ثورة مضادة، فاللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم... اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.--------------* داعية وكاتب إسلامي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل