المحتوى الرئيسى

...دستور يا أسيادنا؟ّ!بقلم: محمد هجرس

03/01 13:46

...دستور يا أسيادنا؟ّ! بقلم: محمد هجرس** علاقتي بالشرطة، مثل علاقة غالبيتكم بكوستاريكا.. المرّة الوحيدة التي دخلت فيها قسم شرطة، كانت قبل عامين، استنجد بنائب المأمور، لإنقاذي من نصّابة، باعت لي شقة بأوراق مضروبة، لكن "هشام بيه" نظر إليّ "من فوق لتحت"، ورغم أنه كان معي "واسطة أونطة" إلا أنه تكرم واستمع لي خمس دقائق، ثم نصحني بالبحث عن حل ودّي، اتضح فيما بعد أنه كان متواطئاً! فخرجت أدعو على البلد كله، خاصة بعد أن أخذت النصابة البراءة في الحكم الأول. لم أكن أملك غير الدعاء، الذي فهمتُ الآن فقط، لماذا كان القرويون الأوّلون، عندما يغضبون على شخص، فإنهم يدعون "ربّنا يبليك بداء النقطة" والنقطة هذه، لم تكن تلك التي تأتي في آخر السطر، لكنها كانت مقر الشرطة في القرية المجاورة، والتي لا يستطيع "ابن أمه" أن يمر من أمامها من دون أن يرتعش جسده.. فيهرول مسرعاً وهو مطأطئ الرأس خوفاً من أن يراه من بالداخل. كانت غرفة الحبس، قطعة من جهنّم السوداء، وكان "البلوكامين" ينوب عن الضابط، في تعذيب المقبوض عليهم، والذين كانت صرخاتهم تتناهى إلى أسماعنا ونحن أطفال، عندما نسترق السمع من الحارة الخلفية، فيما الخفر البسطاء يشعرون بنوع من القوة، فيستعرضون بنادقهم "الفشنك" على الفلاحين الغلابة، بينما الكابتن دياب، وهو ضابط برتبة نقيب أيامها، يتفقد الأمن على حصانه "الميري" وبنظارته السوداء، وهيأته التي لا تختلف كثيراً عما يفعله ضبّاط اليوم. الإرهاب المعنوي، والاغتيال النفسي، هما السّمة الثابتة، وكأنه كان مكتوباً على المصريّين أن يعانوا من "الفرعنة" سواء في حكّامهم، أو عسكرهم، فنرى الكابتن دياب يجمع رجال قرية مجاورة، ويهددهم بأنه سيحشو الأماكن الحساسة في أجساد نسائهم بالشطة، إذا لم يعترف أي أحد بأنه سرق بندقية الخفير التي لا ندري هل باعها، أم وقعت منه في الترعة. للأسف، أصبح شرف نساء قرية بأكملها، موازياً لبندقية صدئة، وهو ما تكرّر بعدها بقرابة أربعين عاماً، عندما أصبح شرف مصر كلها، في يد مجنون مال كأحمد عز، أو مخبول سلطة كجمال مبارك، أو مهووس أمني مثل حبيب العادلي! ............ ............ نسي الجميع شرف البلد، وانشغلوا بما هو أهم.. ما هو أهمّ هذا، لم يعد خافياً على أحد، خاصةً بعد "الوكسة الكبيرة" لجهاز الشرطة منذ 25 يناير، وما تلاه، وكانت الكارثة يوم 28 يناير تفوق فضيحة انسحاب الجيش المصري عقب نكسة 1967، وهي ما تستحق تحقيقاً لكشف أبعاد المؤامرة من بعض قيادات الشرطة، التي راهنت على نشر الفوضى والبلطجة، لإجهاض الثورة، بتعليمات واضحة من شخصيات نافذة في الحزب الوطني السابق، وبالطبع وزير الداخلية إياه. ثورة 25 يناير، كشفت الجانب المظلم لجهازٍ كان يفترض فيه أن يكونَ درع الشعب، فإذا به يصبح جلاداً للشعب، مشاهد اليوتيوب التي بُثَّت على الإنترنت، فضحت ممارسات بعض الأفراد الذين كانوا للأسف، يعتبرون المواطن عبداً عنده، قمّة المهانة البشرية كانت تضع مجندينَ أبرياء في خدمة البيه الضابط، وتحت إمرة مدام البيه الضابط، وأولاد سعادة الباشا.. من إحضار لتر لبن صباح كل يوم، إلى التنزه بكلب "الدلوعة" الصغيرة لأنه يعاني من اكتئاب أو حالة نفسية! مسكين هذا الشعب المصري.. مال الدولة العام، كان يصرف من أجل شخصنة القوّة، واحتكارها ومن ثم فرضها على المجتمع، في ظل عمليات توريث متتالية، ليست عند قمة هرم السلطة، ولكن أيضاً طالت وتغلغلت في كل المرافق. ويبدو أن كل ذلك لم يشفع لأن يضمن الشعب أبسط حقوقه، لأن بعض الضباط الذين يستعملون سيارات الدولة، ويصرفون بنزين الدولة، يتعالون أكثر لتصل الوقاحة أوجها في شوارع مصر، فتفاجأ بـ"حتة عيّل" يكسر إشارة المرور، ويشخط في خلق الله، ويسبّهم، وعندما تحاول أن تواجهه، يقول لك بكل صفاقة :"انت ما تعرفش أنا ابن مين؟" لتخرس كل الألسنة، لأن "مين" هذا في ظل قانون الطوارئ، وفي ظل شرطة وجدت لخدمة النظام، يعرضك لتهمة لا تحمد عقباها، ويكفي الاشتباه على يد مخبر يجرجرك، أو عسكري يبهدلك، دون أن تعرف شيئاً، أما إذا كنت محترماً، فسوف تتحمّل و"تخرس" عسى أن يجعل لك الله مخرجاً، غاب أكثر من ثلث قرن! ............ ........... الآن يتحدثون عن إعادة الثقة ما بين الشرطة والشعب.. ـ الوزير الجديد اللواء محمود وجدي، غيّر اليافطة على كل الأقسام لتكون "الشرطة في خدمة الشعب" بعد أن كانت سابقاً "الشرطة والشعب في خدمة القانون" دون أن يحدد لنا، أو يخرج علينا ليشرح، كيف تكون هذه الشرطة فعلاً في خدمة الشعب؟ ـ الوزير الجديد، اقترح تغيير زي أفراد الشرطة، وكأن المشكلة في الملبس، أو في المظهر؟ ولعلي أكون صريحاً عندما أقول لسعادته، إن الثقة لن تعود، إلا بشروط هذا الشعب، الذي أخذ على قفاه كثيراً، وعذب في السجون السرية لوزارة الداخلية، وانتهكت حرماته بشكل مخجل وفظيع، في الشوارع والحارات، والبيوت والأقسام التابعة لسيادته. الثقة لن تعود، طالما لم يتخلّص هذا الجهاز من عناصره المظلمة وذات التاريخ الأسود، ويعرفها سيادته جيداً، وهي تلك التي اعتبرت الشعب مجرّد أفراد "مراسلة" عند هذا الضابط، أو ذاك العسكري، وطالما كانت النظرة من بعض ـ وليس كل ـ منسوبي الشرطة، بمنطق الأسياد والعبيد. مدير أمن محافظة البحيرة السابق مثلاً ـ ولن أذكر اسمه تعففاً ـ نموذجٌ صارخٌ لأكذوبة الشرطة في خدمة الشعب، فالرجل الذي ضبط متلبساً بتوجيه أبشع أنواع السّباب للشعب، وأهان كرامة المواطن المصري، ظهر في أحد مقاطع اليوتيوب وهو يتحدث إلى ضباط القسم بمدينة دمنهور، واصفاً أفراد الشرطة بقوله إنهم "أسياد البلد"، مضيفاً: "اللي يمد إيديه على سيده تنقطع، واللى يغلط هينضرب بالجزمة، ونحن أسياد البلد، واحنا اللي مخليين فيها أمن. البلد لما غبنا عنها يومين كلهم صوتوا وقالوا إلحقونا". سعادة اللواء معه حق.. طالما أن البلد كلها كانت في قبضة مجموعة بلطجية كبار، نهبوها وسرقوها ووزعوها على المعارف والمحاسيب. سعادة الوزير.. بكلماته تلك، تناسى الحقيقة المرّة، وهي أن أفراد شرطته التي يتباهى بها لم يغيبوا عن الشوارع والأقسام، لكنهم "هربوا" ، وليتهم اكتفوا بالاختباء كالفئران، لكنهم شاركوا البلطجية، بل مارسوا أعمال البلطجة ذاتها، واسألوا من قبض عليه في ميدان التحرير مشاركاً في موقعة "كرباج ورا يا أسطى"، أو من قُبض عليه وهو يسرق في شوارع الإسكندرية، أو من اتخذ المجلس العسكري إجراءاته الرادعة بحق 35 متهماً أغلبهم من الشرطة، بعد إدانتهم بجرائم النهب والحرق والبلطجة! سعادة الوزير، ومعه مدير أمن البحيرة، نسوا أو تناسوا أن من حمى البلد فعلاً، بعد أن هربت جميع الرتب، هم أعضاء اللجان الشعبية في الأحياء والشوارع، وأنه خلال أيام الثورة، لم يحدث حادث احتقان طائفي، لم تُفجّر كنيسة، ولم يحرق مسجد، لتسقط أكذوبة الإخوان المسلمين، ووهم الطائفية. ............. ............. إذا كان أصحاب هذه الرتب هم أسياد البلد.. إذاً تلك خيبةٌ كُبرى. فالأسياد، الذين من حقّهم وحدهم ضرب الناس بالجزمة، وقطع يد من يمدّها على سيّده، هم نفس الأسياد المستنسخين من الأسياد "اللي فوق" أصحاب العزبة الكبرى، التي مكّنت معتوهين ومرضى نفسيين، وخريجي كليات قمع، من التحكّم في رقاب العباد ومصائر البلاد..! هؤلاء الأسياد أيضاً، وكما يبدو، كانوا السبب، في عدم خروج سعادة الوزير، ولو لمرة واحدة، ليعتذر عن سلوك عناصر شرطته، بل إن المرة الوحيدة التي خرج فيها، سبح فيها عكس التيّار، واشاد بسلوك الشرطة خلال أحداث 25 يناير، ما يعني موافقته ضمناً على ما فعلوه، من قنص وقتل وضرب بالرصاص الحي، والسرقة والبلطجة. ليس هذا فقط، بل إن سيادته، لم يصدر بياناً واحداً، يدين فيه ـ على الأقل ـ ما قاله مدير أمنه في دمنهور، صحيح إنه نقله إلى مكان مجهول، لكن كان جديراً به، من منطلق احترام هذا الشعب، أن يقول إنه نقله نظير ما ثبت عليه بالصوت والصورة. ولأن سلوك بعض عناصر الشرطة، لم يتغير، لأنهم لا يزالون يتعاملون بمنطق الأسياد والعببد، فإن ما فعله أحد ضباطه من إطلاقه النار على سائق ميكروباص في القاهرة، قبل أيام، في واقعة استفزازية، ينهي فعلياً أية أحاديث عن شهر عسل مرتقب ما بين الشرطة والشعب. للأسف، لا وزير الداخلية تحدث بأي شيء، ولا السيد رئيس الوزراء الذي يبدو أنه سيغادر منصبه خلال أيام، قال شيئاً، الأول مشغول بترتيب "القسم" من الداخل، والثاني، مهموم أكثر ببرامج التوك شو، التي أصبح ضيفاً مستمراً عليها، وكأنه يعتقد أنه بالكلام وحده يمكن أن يكتسب ثقة الناس! ......... ........ أسيادنا اللي فوق معهم حق.. ولأنهم تعودوا أن يتحكموا في المواطن المصري من شهادة الميلاد إلى شهادة الوفاة، لم يتعلموا بعد من درس كراهية الشعب لهم.. رغم الحاجة إليهم. ولأنهم الذين يبحثون الآن عن الاحترام في الشارع، نسوا أنهم هم الذين أشاعوا ثقافة الاحتقار والإهانة والغطرسة والعجرفة. أسيادنا مثل مدير أمن البحيرة إياه، لا يعرفون غير لغة "الجزمة" و"قطع اليد" وبالتالي فإنهم يحصدون ما زرعوا وما جنت أيديهم، وسياطهم، وأدوات تعذيبهم.. أسيادنا الذين يتوارثون "العنطزة" و"النفخة الكدابة" لم يشعروا أنهم من الشعب، ويبحثون الآن عمّا يحفظ ماء وجههم في الشارع المصري، لم يقرأوا أبداً حركة التاريخ، ولن يفهموا أبداً أن كبيرهم الذي علمهم السحر، يقبع في السجن ويحاكم الآن على جرائم لا ينبغي أن يتحملها وحده! أسيادنا.. من الوزير إلى الخفير في ورطة، عيون الناس ونظراتهم تقتلهم، تعليقات البسطاء تقضي على هيبتهم، ودائماً يتحدثون عن إعادة الثقة مع الشعب، دون أن يقدموا دليلاً عملياً يتطهرون به أمام الناس، ويتوبوا ويفهموا أنهم مواطنون وليسوا ملائكة، وأننا مثلهم.. أسياد على هذه الأرض، وفي هذا البلد ــــــــــــــــ ** كاتب صحافي مصري mmhagrass@gmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل