المحتوى الرئيسى

قداس لغزة الصامدة بقلم: سعادة السفير البلغاري كيرياك تسونيف

03/01 12:45

قداس لغزة الصامدة أو رحلة إلى الشاطئ العصيّ! بقلم: سعادة السفير البلغاري كيرياك تسونيف ترجمة وتقديم: خيري حمدان سعادة السفير والصديق كيرياك تسونيف المناضل والدبلوماسي والأديب والروائي الفذّ، كلّ هذا ويزيد هو كيرياك تسونيف، الرجل الذي وقف وما يزال يفعل حتى يومنا هذا لمناصرة القضية الفلسطينية. شغل تسونيف منصب سفير بلغاريا في العديد من الدول العربية، لكن حلمه لم يتحقق في أن يشغل هذا المنصب في رام الله بعد أن أحيل على التقاعد. وقد واكب تسونيف في مسيرته الطويلة الرئيس القائد الشهيد ياسر عرفات والشهداء أبو جهاد وأبو إياد وثلة كبيرة من القادة منهم من قضى ومنهم ما يزال على قيد الحياة. تسونيف أصدر العديد من الروايات والدراسات، كما صدر له عمل باللغتين العربية والبلغارية في دمشق، يشغل حاليًا منصب رئيس جمعية الصداقة البلغارية الفلسطينية، ويعتبر من أهم المستعربين المعاصرين البلغار. طلب منّي ترجمة هذه المقالة ونشرها، ولي الشرف أن انقلها للقارئ الفلسطيني والعربي على حد سواء لمعرفة المشاعر الحقيقية لصديق وفيّ للشعب الفلسطيني. فتحية لهذا الدبلوماسي الصديق المناضل. قداس لغزة الصامدة أو رحلة إلى الشاطئ العصيّ سامحيني يا غزة! سامحيني لأنني لم أتمكن من الوصول إليك وملامستك، لأنني لم أتمكن من رؤيتك ولو حتى عن بعد، مع أني أدرك جيدًا قدر معاناتك وآلام أبنائك. لو تدرين كم أنا مندفع نحوك! غزة بالنسبة لي الحلم الذي لم يتحقق، لقد قمت بزيارة العديد من الدول العربية كدبلوماسي ومستعرب، بعض هذه الدول زرتها لعدة مرات. زرت جميع الدول العربية باستثناء فلسطين التي بقيت عصية عليّ، ومع مرور الوقت تمّ اختياري كسفير متقاعد لأصبح رئيس جمعية الصداقة البلغارية الفلسطينية. اخترت لأنني عايشت مشاكل وقضايا منطقة الشرق الأوسط منذ بداياته، منذ العام البعيد 1956، حين قامت الحكومة البلغارية بنشر جيشها على الحدود التركية لمنع تفاقم الهجوم الثلاثي الإسرائيلي الفرنسي البريطاني ضد مصر آنذاك، وكنا نقوم حتى منتصف الليل بحشد الدبابات على حدودنا الجنوبية مع تركيا لنكون على أهبة الاستعداد للتدخل في أزمة قناة السويس. في أثناء العام 1957 نشأت أزمة مماثلة، هذه المرة في سوريا، وما زلت أذكر كيف ساعد السفير البلغاري المتوفى ستيفان ستيفانوف بحفر الخنادق على الحدود السورية الشمالية مع تركيا جنبًا إلى جنب مع الرئيس السوري السابق شكري القوتلي. وما زلت أذكر رجل الاستخبارات البلغاري الراحل أيضًا ساشو مارينكوف الذي قام بسرقة معلومات ووثائق شديدة الأهمية من مركز قيادة الناتو في إسطنبول بقارب صغير، ما أدى إلى فضح عملية التحضير لاعتداء جديد ومنع بذلك اندلاع معركة أخرى. أذكر كذلك حالات التمرد التي اندلعت في لبنان والأردن ولاحقًا التمرد ضد الملكية في العراق عام 1958 وتنحي العراق عن حلف بغداد. ربما أدت جميع هذه الأحداث في مرحلة شبابي إلى تحديد خياري المستقبلي لأصبح مستعربًا. لا أدري! لكني أتذكر اليوم الدول العربية الواحدة تلو الأخرى، وتبقى فلسطين خارج جميع هذه الذكريات، لأنها أصبحت محتلة عام 1967 وكنت أراقب محنتها ومأساتها آنذاك من دمشق وعمان. بقيت فلسطين حتى يومنا الجرح الدائم لكلّ العرب، حيث شارك في مأساتها العديد من القوى المحلية، لكن الورقة الفلسطينية استخدمت كذلك من قبل قوى أجنبية في أثناء الحرب الباردة، وما تزال هذه القضية تشغل العالم وتفجر الأحداث على مدار الساعة. المأساة الفلسطينية تعدّ فريدة في القرن العشرين. شعب ملاحق عبر التاريخ، معذب، مطرود وتعس من قبل الشعب اليهودي الذي ذاق الأمرين على الصعيد العالمي، ولم يرحمه القادة العسكريون النازيون، شعب حتى لا يملك لغة مشتركة، لا يجمعه سوى ديانة متعصبة. وقد ساعد الشعب الإسرائيلي محاباة المجتمع العالمي بعد الانتصار على الفاشية، وبتدخل أجنبي سافر لسلب أراضي شعب آخر، ولاحتلال أرض الفلسطينيين العرب، الذين طردوا بقسوة وقتلوا بقوة السلاح وأجبروا على مغادرتها لتصبح لقمة سائغة للشعب اليهودي. هكذا تم احتلال هذه الأراضي لإقامة دولة يهودية فوقها، متذرعين بقرينة واحدة، مؤداها بأن أجدادهم بنوا دولة قبل ألفي عام. هكذا تمكنوا من بناء دولة ثمنها دماء وعنف وقهر، دولة لشعب جديد، ضمن اعتبارات عنصرية معتمدين على مقولة شعب الله المختار. في الوقت ذاته، يعتبرون كل من يتجرأ على انتقاد أساليب دولتهم القمعية بمعاداتهم للسامية، كلّ هذا حدث تحت نظر وأسماع العالم في أثناء منتصف القرن العشرين الماضي. لكن إذا ألقينا نظرة إلى دفاتر التاريخ وتحديدًا مرحلة ازدهار الحكومات اليهودية قبل ما يزيد عن 2000 عامًا، لوجدنا بأنها كانت حكومات دائمة التفرقة والنزاع، وفي حالة عراك وحرب دائمة فيما بينها، وكانت خاضعة لتأثير جيرانها الأشداء، غزة بالطبع لم تكن في يوم من الأيام جزءًا من الحكومات المذكورة. بل هي مركز المؤسسات الحكومية الفلسطينية، الشعب الفلسطيني الفخور الذي عرف ببطله القومي العظيم جالوت، قتل حسب الرواية اليهودية بيد الراعي داوود. على أية حال احتلال اليهود لفلسطين عبر التاريخ تم بالقوة والحيلة وارتكاب جرائم دموية جماعية من قبل الشعب اليهودي المطرود من مصر بقيادة موسى الذين كانوا في أغلبهم من البدو، بشهادة الكتاب المقدس. أما الفلسطينيون فهم منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا ينحدرون من أصول سامية – يونانية. تعود هذه التسمية إلى الـ Pelasgians (قبائل يونانية قديمة - المترجم) وهم أجداد التراقيين والشعوب اليونانية في البلقان، وقد شنوا حروبًا في مصر إبان حقبة حكم الفرعون رمسيس الثالث، لهذا فهم أجداد اليهود التاريخيين في فلسطين، ما يعني بأنه تجري في شرايين الفلسطينيين العرب المعاصرين دماء أجداد مشتركة مع شعوب البلقان. يحق للشعب الفلسطيني في أن يكون له دولة ككل شعوب الدنيا، وقد أكدّ على هذا القرار الصادر عن هيئة الأمم المتحدة عام 1947، لكن إسرائيل عملت تدريجيًا على تضييق الخناق على هذه الدولة، تقليص أراضيها وحدودها عبر هجمات عسكرية متتالية، بناء مستوطنات غير شرعية، تشجيع الهجرة نحو إسرائيل خاصة من روسيا، هدر حقوق الشعب الأصلي عبر مصادرة أراضيه، بناء جدار العزل العنصري غير المتناهي وقضم المزيد من أراضي الدولة العربية المفترضة. جدار عازل يبدو أمامه جدار برلين سورًا خشبيًا لحديقة قروية. منذ أسابيع قليلة شرعت إسرائيل ببناء جدار مماثل على الحدود المشتركة مع مصر بطول 600 كيلومتر. لا شكّ بأن القضية الفلسطينية عادلة، ويملك الشعب الفلسطيني الحقّ في بناء دولته فوق أراضيه وفقًا لما يزيد عن 120 قرارًا دوليًا صادرًا عن هيئة الأمم المتحدة. لكن إسرائيل لم تعترف بأي منها ولم تنفذ أيًا من هذه القرارات بالطبع. لكن هذه الدولة المختارة من الله، لم تخضع لعقوبات دولية كما هو الحال مع إيران على سبيل المثال، أو مع العراق الذي وجهت له خطايا وهمية. إسرائيل لم تخضع ولا حتى لعقوبات رمزية من قبل الأمم المتحدة، ولا حتى بشأن إنتاجها لسلاح نووي باعتراف الجميع. جميع محاولات إصدار عقوبات بحق هذه الدولة يواجه بحق النقض الأمريكي الدولة القوية المتسلطة الظالمة. هذه هي الحكاية التي تذكرتها في الطائرة أثناء ميلها من عمق البحر نحو الشاطئ القبرصي، الأمتار القليلة الأخيرة تمر كأن الطائرة على وشك أن تحطّ فوق المياه الزرقاء الهادئة، لكن العجلات سرعان ما تلامس أرض المدرج، الذي لا بدّ بأن جزءًا منه يتعرض لمدّ البحر بين الحين والآخر. يتبع هذا تصفيق حارّ من قبل المسافرين خاصة بعد سلسلة كوارث تحطم الطائرات حول العالم مؤخرًا. لم أحضر إلى قبرص بهدف الاستجمام، بل حضرت للمشاركة في إحدى المحطات المائية الأسهل، قبل بدء رحلة أوديسيوس المنتظرة والأصعب. هناك ليس بعيدًا في رحم البحر تنتظر القوارب الستة (أسطول الحرية) التي تحمل المساعدات إلى غزة، كان من المقرر أن تنطلق هذه القوارب من موانئ مختلفة لتجتمع في ميناء قبرص، ثمّ نصعد فوق أحدها ونمضي نحو هدفها الأخير - قطاع غزة، المتواجد عبر التاريخ ولقرون طويلة قبل ظهور اليهود في فلسطين. السلطات القبرصية (يُقال بأن الدبلوماسية الإسرائيلية مارست ضغطًا غير مسبوق عليها) تمنع مشاهير أوروبا من دخول أراضيها لأن هدفهم النهائي هو الانضمام لأسطول الحرية. علمًا بأن هذه القوارب منعت من الإرساء في ميناء قبرص الدوليّ. نراها راسية على بعد خارج المياه الإقليمية القبرصية موطن أفروديتا .. هذا كلّ شيء. حاولنا الوصول إليها بقوارب سياحية، تنقلنا ما بين الجانب اليوناني والتركي من الجزيرة، ذهابًا وإيابًا، ما بين لارنكا ونيقوسيا وقرية فاماغوستا الشهيرة كأنها مسقط النجوم (غناها الشاعر البلغاري الكبير نيكولا فبتساروف)، ما بين ليماسول وبافوس. كنا نخرج إلى شاطئ البحر، ونراقب لفترات زمنية طويلة ذاك الساحل الموعود في عمق المسافات. كنا نراقب المناظر الخلابة التي يقف بجوارها القارب السياحي الذي سيقلنا إلى هناك عبر الفضاء المائي الأزرق. لكن .. على حين فجأة، توقفت إلى جانبنا عربات شرطة بوليسية، أطالوا النظر بإجلال إلى تلك المناظر كأنهم يرونها للمرة الأولى، دون أن يتوجهوا لنا بكلمة واحدة، ومن فوقنا كانت تحلّق طائرة عمودية! حضور الطائرة قضى على آخر رغبة لدينا للوصول إلى هدفنا المعلوم .. بحزن وأسى مضحك! تبين بأن نقل مجرّد معونات إنسانية تدفع بالشكوك لدى الكثيرين في المغزى من ورائها وإمكانيات استخداماتها! كنت أعرف جيدًا محتويات هذه المساعدات، التي شارك في جمعها متحمسون فلسطينيون وعرب من بلغاريا ودول أخرى. بعض الأوروبيون والعرب المناصرون كانوا يتواجدون فوق تلك السفن المتوجهة إلى غزة قادمين من فرنسا، السويد، بريطانيا، النرويج، أيرلندا. من بلغاريا وبيرايوس (مدينة تقع في وسط اليونان) جُمعت بيوت متنقلة، أخشاب، إسمنت، أدوية، مواد غذائية. أعرف جيدًا طاقم قناة BTV البلغاري المكون من شخصين – سفيتلو وفاليو، اللذان كانا يقومان بواجبهما الصحفي رغمًا عن المخاطرة الكبيرة. لا بدّ بأنهما قد تمكنا من تصوير عملية تحميل المساعدات الإنسانية في ميناء أثينا، قبل أن يصعدوا على متن السفينة، التي كان من المفروض أن أصعد عليها أنا أيضًا. لكن يحق لأي كان أن يؤول الوقائع بطريقته الخاصة. لا شك بأن الفكر والوعي الشرير إذا جاز هذا التعبير، يتطرق فقط إلى إمكانيات استخدام هذه المواد والمساعدات. بالنسبة لهؤلاء فإن الإسمنت وقطع الخشب والبيوت المتنقلة لها استخدامات أخرى غير سلمية، وليست من أجل بناء منازل مشوهة دمرت من قبل أجهزة وأدوات الدمار البربرية الإسرائيلية. يبدو بأن هذا الشعب لا يملك الحق في تناول العلاج أيضًا! هذه المواد والمساعدات مُنعت عن قطاع غزة المحاصر من جميع الجهات وبالكامل، منع حتى استيراد ورق الحمام لأنه اعتبر من الكماليات ولا ضرورة له! أنا غير قادر على إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير عن كل هذا، مع أني أعتبر نفسي كاتبًا، قاموسي جدّ ضحل كي يتمكن من التعبير عن حملة القرصنة الإسرائيلية ضدّ أسطول الحرية، التي تعتبر بحدّ ذاتها متماهية مع مراسم جريمة غير مسبوقة عبر التاريخ. سيطرت القوات البحرية الإسرائيلية على السفن وسط البحر بعيدًا عن المياه الإقليمية الإسرائيلية، بعد عراك ومواجهة قصيرة الأمد مع إسلاميين مشحونين بحماسهم الذاتيّ (يشكلون جزءًا من الوفود الأوروبية المصاحبة للأسطول)، قاموا بالدفاع عن أنفسهم مسلحين بأعمدة حديدية (كان هذا جلّ المقاومة التي واجهوا بها القراصنة الإسرائيليين). أعمدة حديدية وقفت في وجه الرشاشات، هؤلاء البؤساء قدموا تضحيات رابطين ما بين القضية الفلسطينية العادلة ومعتقداتهم الدينية المتطرفة. أمّا أسطول الحرية فقد كان ينقل في الواقع مساعدات إنسانية للقطاع المحاصر بالجوع والفقر والمرض، قطاع يخنقه الجيش الإسرائيلي من جميع الاتجاهات. صودرت المساعدات الإنسانية وأجبرت الوفود المرافقة للنزول في الميناء الإسرائيلي "أشدود" تحت أشعة الشمس المشرقة، تمامًا كما كان يفعل القراصنة في أثناء القرون الوسطى والقراصنة الصوماليين في العصر الحديث، الذين اختطفوا ملاحين بلغار أيضًا. القرصنة الإسرائيلية اعتقلت نوابًا وصحفيين ومواطنين أجانب وجميع الذين كانوا متواجدين على متن السفن المنكوبة، عاملتهم على أنهم مجرمين خارجين عن القانون، قبل حتى أن تلامس أصابعهم المياه "الإسرائيلية"، زجوا بهم جميعهم في معسكرات اعتقال خاصة، دون ماء أو طعام أو علاج أو حتى غطاء يقيهم من البرد في الفضاء المكشوف. قاموا بمصادرة الكاميرات الثمينة مع الأشرطة المصورة خارج المياه الإقليمية الإسرائيلية بعيدًا حتى عن الأراضي الفلسطينية المحتلة. هنا لا بدّ من الإشارة إلى أن السفير الإسرائيلي نواح غيندلير في صوفيا قدم وعدًا كاذبًا أمام رجل الاستعراض البلغاري الشهير "سلافي تريفونوف" بإعادة هذه الكاميرات إلى أصحابها، بما في ذلك كاميرا قناة التلفزة BTV التي يعمل فيها تريفونوف والطاقم الصحفي البلغاري، وذلك بعد تفتيشها بدقة. بالطبع لن تعود الكاميرات إلى أصحابها لأنها سرقت مع جميع محتويات أسطول الحرية من مساعدات إنسانية، وهي ضمن مقتنيات وغنائم العاملين في جهاز الموساد الإسرائيلي، ربما ليستخدموها في تصوير مناسباتهم العائلية! كل ما تم جمعه من قبل المنظمات الإنسانية الأوروبية، النواب، رجال السياسة، والمثقفين من عشرات الدول الأوروبية، وكذلك من الولايات المتحدة الأمريكية (ألقي القبض عليهم أيضًا) نثرت فوق وحول ميناء أشدود، مزقت المساعدات بأدوات حادّة ورميت فوق الأرض العارية، وسطا عليها بعد ذلك رجال الأمن والشرطة بوقاحة تحت أشعة الشمس الحارقة لحوض البحر الجنوبي (هذا يشمل الأدوية بالطبع). كما قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوصيف المشاركين في الحملة الإنسانية ( أكرّر والنواب أيضًا) بأنهم مشاغبين. سلوك القتلة والفتوات والسارقين يمكن أن يقيّم على أنه أكثر من إجرام سياسي وتخريب وقح غير مسبوق. طبعًا لن تتمكن توصيفاتي أن تجد منبرًا عالميًا، كما هو الحال مع التعابير الرنانة التي أطلقها نتنياهو وسفيره في صوفيا السيد غيندلير، الذي قال بدبلوماسية واضحة (أترك الحكم على حديثه للقراء): إسرائيل غير معنية من قريب أو بعيد بتذمر المجتمع الدولي ورأيه بهذا الشأن، بل شكّك بأحقية فلسطين وقانونية وجود السفارة الفلسطينية في صوفيا، بحكم عدم وجود دولة فلسطينية ما يلغي قانونية وجود هذه السفارة، كأن بلغاريا وليس إسرائيل هي التي قامت باحتلال الدولة التي نادى بقيامها قرار صادر عن هيئة الأمم المتحدة، منع من تنفيذه سياسة الدولة الإسرائيلية الهمجية المعادية لشعب يمتلك الحق كله لإقامة دولته المستقلة كما يطالب بذلك الإسرائيليون. غزة ما تزال حية، مع أنها مقتولة بدم بارد، جميع الذين راقبوا وعايشوا أهل غزة، يشهدون بأنه شعب منشرح بسيط بالرغم من كلّ ما واجهه من معاناة! أهل غزة يشربون مياه قاتمة مرة تسمح بفتح صنابيرها إسرائيل لبضعة ساعات كل يوم. أما المياه المعقمة النظيفة فتتدفق للقرى والمستعمرات الإسرائيلية. الكهرباء كذلك تجد طريقها لأهالي القطاع لثلاث ساعات في أثناء الليل والنهار، لهذا تعمل مولدات الكهرباء بكل إمكانياتها الممكنة، لكن ليس باستطاعة جميع المواطنين الحصول على مولدات كهربائية خاصة. طبعًا لا أحد يعلم ما هو مصير المواطنين التسعة الأتراك، ولا أحد يعرف ما إذا كانوا من بين الأحياء أو الأموات! هنا يطفو على السطح سؤال لا بدّ من طرحه، لماذا تركيا بالذات؟ الجواب هو كالتالي. أوساط السياسة والحكم في تركيا استغلوا التوجهات الإسلامية لاستغلال قضية عادلة ومسألة إنسانية ملحة لتحقيق أهداف سياسية مغرضة، وهي زيادة الحضور التركي ونفوذه نحو الجنوب حيث القسم العربي من البحر البيض المتوسط، بهذا يتمكنون من تحييد التأثير السلبي والنفوذ للعديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك غالبية المجتمع البلغاري، وقبول انضمام تركيا في الاتحاد الأوروبي. لا يمكن لأحد أن يتجاهل الأهداف التركية، وأهمها شوفينية العظمة التركية، الذي غالبًا ما أثر على السيادة البلغارية دون مجاملة، آخذين بعين الاعتبار رغبة تركيا ومطالبتها في أن تتصدر زعامة العالم الإسلامي، ولتحصل على آفاق أوسع. لكن لهذا الحديث مقال آخر سنتطرق إليه فيما بعد. قد يكون من الضروريّ أن اشكر الخالق وليس يهوى إله اليهود لأنني ما زلت على قيد الحياة. لو كنت قد وقعت بين أيدي ذوي البزات المجرمة لكانوا حرموني من حقن الأنسولين الدواء الضروري لاستمرار مشوار حياتي كما فعلوا مع الشاب الصحفي فاليو إذ حرموه من علاج القلب بعد اعتقاله. وربما كان جسدي الآن يتحلل في أرض غزة المتشققة الجافة. ليس هذا فحسب، فبدلاً من القيام باعتذار علنيّ للإهانة التي وجهوها للطاقم البلغاري حضر بعد أيام قليلة فقط شخصية سياسية إسرائيلية دنيئة برتبة وزير "وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان – المترجم" (نحن أيضًا كان لدينا الكثير منهم) لا شكّ بأنهم من رجال الأمن بالطبع، قوبل بحفاوة بالغة، وكان وزير الخارجية البلغاري أول من قام من الأوروبيين بزيارة إسرائيل، بعد الاعتداء السافر على أسطول الحرية. أخيرًا حضر الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس، ولم نسمعه يعتذر لأحد من أصحاب القرار في بلغاريا للاعتداء والاهانة التي وجهوها للشعب البلغاري، الذي قام بإنقاذ اليهود البلغار قبل قرن تقريبًا من إبادة شبه أكيدة. وربما كان ذاك الجحش الذي رفع إصبعه الأوسط في وجه الصحفي البلغاري هو احد أحفاد اليهود الذين أنقذهم الشعب البلغاري. بدلاً من هذا جاءت محاولة لإقناع المجتمع البلغاري بأن بلغاريا تحديدًا يمكنها أن تلعب دور الوسيط في المحادثات ما بين الفلسطينيين وإسرائيل! موقف الحكومة البلغارية وصمتها تجاه هذا الحدث تعدّ صفعة قاسية لكافة فئات المجتمع البلغاري، وهذا نابع من عدم الفهم الأساسيّ البدائيّ لصعوبة وتعقيدات القضية من قبل الدبلوماسية البلغارية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل