المحتوى الرئيسى

حالة حواراستنســــــــاخ الـثــــــــــورة

03/01 01:05

يحلو لبعض الناس ان يطلقوا العنان لخيالهم وسط الأحداث الكبري معتنقين أكثر‮ ‬التفسيرات تآمرية فيما مر بهم أو لحق بأوطانهم‮.. ‬وثورة ‮٥٢ ‬يناير هي حدث ضخم‮ ‬غير مسبوق في التاريخ المصري الحديث،‮ ‬لأن طليعة اللطبقة الوسطي الشابة التي قادتها كانت ظاهرة في‮ ‬تصديها الباسل لآلة القمع البوليسي،‮ ‬أو في وضوح رؤيتها ومطالبها،‮ ‬أو في الإصرار الأسطوري المتواصل علي بلوغ‮ ‬الغايات،‮ ‬أو في تكامل رؤية الثورة بين ما هو سياسي،‮ ‬وما هو ثقافي وإبداعي،‮ ‬وما هو إعلامي،‮ ‬وما هو أخلاقي‮.‬كما صاغت ثورة ‮٥٢ ‬يناير بالقطع أنموذج يمكن استلهامه في البيئات السياسية،‮ ‬والثقافية الشبيهة،‮ ‬وهو ما يحدث عادة في الطقس الذي يحوط مثل تلك العمليات التغييرية الكبري‮.‬ولكن مع كل ذلك الوضوح في مسار الثورة وتداعياتها فإن التآمرية كانت حاضرة وبقوة في تفسير التكرار والتوالي والتشابه ان لم يك التطابق،‮ ‬في شكل الحركات الاحتجاجية العربية والتظاهر والتمرد،‮ ‬ثم الثورة،‮ ‬لا بل وفي الشعار السياسي والهتاف،‮ ‬وأشكال الاحتجاج الإبداعية كالرسوم،‮ ‬وفنون التشخيص،‮ ‬والأشعار،‮ ‬والأغاني‮.‬رأينا من يتساءل بريبة حول تكرار نفس السيناريو في ذات الوقت،‮ ‬علي الساحات التونسية والمصرية واليمنية،‮ ‬والبحرينية والليبية،‮ ‬مع بدايات قلقلة في نواكشوط‮/ ‬موريتانيا،‮ ‬وبغداد‮/ ‬العراق‮.‬ولاحظنا من يحاول الايحاء بأن الولايات المتحدة والغرب كانوا وراء ما جري ويجري،‮ ‬مستدلا علي صدقية ما زقزق أو شقشق به خياله بردود الفعل الغربية والأمريكية السريعة والمتوالية في أوركسترالية منظمة إزاء الأحداث في كل مراحلها،‮ ‬لا بل ونقول ان ذلك البعض حاول سنادة خياله وتفسيره للأحداث،‮ ‬بما شاع وذاع لعقود طويلة عن اعتناق الولايات المتحدة الأمريكية لما سمي‮: »‬نظرية الدومينو‮«.‬إذ قام بول ولفويتس‮ »‬أحد المحافظين الجدد وكان نائبا لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد كما كان المهندس الأول لغزو العراق‮« ‬بترويج فكرة ان الديمقراطية ستنتشر في بلاد المنطقة تباعا كمثلما تقع أحجار الدومينيو المتساندة بالتوالي إذا سقط أحدها‮.‬يعني إذا أصبح العراق ديمقراطيا،‮ ‬سوف تسقط الأحجار وتصبح البلاد الشرق أوسطية ديمقراطية واحدة تلو الآخر‮.‬وتعرف ان بول ولفويتس الذي كان استاذا للنظرية السياسية والاستراتيجية في جامعة جون هوبكنز أعاد بذلك صوغ‮ ‬نظرية عزمتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ الخمسينات إلي الثمانينيات وتقول ان منطقة أو دولة إذا سقطت في براثن الشيوعية فإن الدول التي تحوطها سوف تسقط هي الأخري،‮ ‬وحتي لو كان التغيير صغيراً‮ ‬أو محدوداً‮ ‬في إحدي الدول،‮ ‬فإنه سيتسبب في تغيير مماثل بدولة ثانية،‮ ‬ثم تتوالي التغييرات‮.‬واستخدمت تلك النظرية حكومات أمريكية مختلفة خلال الحرب الباردة لتؤكد الحاجة إلي تدخل أمريكي علي مستوي عالمي تحت عنوان‮ »‬مكافحة الشيوعية‮«‬،‮ ‬وأول من استخدمها كان الرئيس دوايت ايزنهاور في الهند الصينية عام ‮٤٥٩١.‬‮................‬الآن‮.. ‬هناك من يعانق التآمرية،‮ ‬ويتصور ان ما جري من ثورات الحرية في المنطقة كان عملا أمريكيا يكرر نظرية الدومينو،‮ ‬وبدأ بسقوط حجر الدومينو الأول في تونس‮.‬والحقيقة انني أرفض ذلك التصور جملة وتفصيلا،‮ ‬ليس فقط للمحافظة علي الصورة الرائعة والمعني النبيل لثورة ‮٥٢ ‬يناير،‮ ‬ولكن لجملة أسباب منطقية جدا أوردها في الآتي‮:‬أولا‮: ‬ان الولايات المتحدة لم تفلح حتي اللحظة في إقامة ديمقراطية كاملة ومستقرة في العراق حتي نقتنع بأن العراق كان حجر الدومينو الذي سقط،‮ ‬فتوالي بعده سقوط الأحجار‮.‬ونظرة واحدة إلي حال العراق الآن،‮ ‬والتقلص الشعبي إزاء السلطة الحالية التي اعتمدتها واشنطن كنتاج للديمقراطية،‮ ‬تقول بأن الناس هناك رفضوا النموذج،‮ ‬لا بل ورأوه خيانة لمفهوم الديمقراطية في ذاته‮.‬ثم ان الإرهاصات والشواهد التي تلوح في العراق،‮ ‬وتنبئنا بأن حربا أهلية،‮ ‬أو نزوعا للتقسيم سيشيعان في ذلك البلد،‮ ‬في أعقاب الانسحاب الأمريكي بعد شهور،‮ ‬هي في حقيقة الأمر إشارة دالة علي ان الديمقراطية لم تتحقق في العراق،‮ ‬وإلا كانت أدت إلي استقرار عبر التوافق،‮ ‬ومن ثم فإن انتشار الثورة علي الاستبداد،‮ ‬والمطالبة بالإصلاح السياسي والديمقراطي لم يأت عبر سقوط حجر الدومينو في العراق،‮ ‬كما تصور الفكر النظري الأمريكي في الغرف المغلقة‮.‬ثانيا‮: ‬إن تونس لم تك حجر الدومينو كذلك الذي وقع فسقط ما عداه من أحجار،‮ ‬لأن حادث الشاب محمد بوعزيزي في ولاية بوزيد الذي كان الشرارة الأولي للثورة التونسية هو في نهاية المطاف حادث‮ »‬تونسي‮« ‬ضغط علي أعصاب مجتمع كان محتقنا بالفعل في مواجهة حكم الرئيس زين العابدين علي الاستبدادي الفاسد‮.‬ولا يمكن بحال اعتبار ثورة ‮٥٢ ‬يناير المصرية حجر دومينو وقع بتأثير سقوط الحجر التونسي،‮ ‬لأن أحد انساق الغضب في الثورة المصرية إلي جوار مشروع التوريث وغياب الديمقراطية وإهدار كرامة الناس وكبريائهم واغتيال العدل الاجتماعي،‮ ‬كان استشهاد الشاب خالد سعيد في ‮٦ ‬يونيو ‮٠١٠٢‬،‮ ‬فيما كان حريق بوعزيزي لنفسه بتاريخ ‮٧١ ‬ديسمبر ‮٠١٠٢.‬يعني شرارة الغضب في مصر أشعلت وعي الناس بضرورة الثورة والتغيير قبل أن ينفجر الشعب التونسي بالغضب،‮ ‬ومن ثم مرة أخري فإن نظرية الدومينو لا تنطبق علي العلاقة بين الحالتين التونسية والمصرية‮.‬ثالثا‮: ‬إن توالي ردود الفعل الأمريكية والغربية في الاستنكار أو في التخلي عن بعض المستبدين العرب،‮ ‬أو في تطويق نظمهم،‮ ‬وممارسة بعض الضغط المعنوي عليها وعليهم في تصاعد مدروس ليس دليلا علي حضور أمريكي أوروبي تسبب في اندلاع الثورات العربية،‮ ‬بدليل ان ردود الأفعال الأمريكية والغربية لم تك بنغمة واحدة متساوقة طوال أحداث الثورة‮ »‬وبالذات في مصر‮« ‬وإنما كانت بداياتها بإمساك العصا من المنتصف،‮ ‬ثم انحازت خطوة وراء أخري إلي الثوار مع كل انتصار حققوه،‮ ‬وأجبروا فيه النظام علي التراجع حتي السقوط‮.‬ثم ان ملاحظات الولايات المتحدة والغرب علي سلوكيات النظم في المنطقة ومواقفها من الإصلاح السياسي استبقت الثورات العربية بزمن طويل،‮ ‬ولكنها كانت موظفة بالكامل للضغط من أجل بلوغ‮ ‬أهداف استراتيجية وأمنية أمريكية وغربية لا علاقة لها بطموحات وآمال الشعوب،‮ ‬يعني لم تك مرتبطة بالديمقراطية أو سقوط أحجار الدومينو‮.‬رابعا‮: »‬التزامن‮« ‬و»التشابه‮« ‬و»الاستنساخ‮« ‬في التجليات أو الطبعات المختلفة للثورة العربية علي الاستبداد،‮ ‬لم تجئ من مؤامرة أمريكية،‮ ‬لأن الولايات المتحدة لا تتمتع بشعبية في الشارع العربي تسمح لها بذلك القدر من التأثير،‮ ‬ولكن ظواهر التزامن والاستنساخ جاءت في الأصل والأساس من تأثير التطور في التقنية الدولية للاتصال،‮ ‬وصناعة الإليكترونيات،‮ ‬وانفجار المعلومات،‮ ‬وعصر السموات المفتوحة‮.‬الحالة أو المزاج السائد صار عملة قابلة للتداول من بلد إلي آخر،‮ ‬وبات فكرة جدوي المواجهة وإمكانها،‮ ‬والانتصار فيها حاضرة ومتصورة‮.‬وأصبح الناس علي صلة بطرائق تعبير الثوار عن أنفسهم،‮ ‬لا بل وصار هتاف الثورة الأساسي في كل البلاد واحداً‮: »‬الشعب يريد اسقاط النظام‮«.. ‬كما بات صمود الشباب في بلد ملهما لأقرانهم في كل مكان،‮ ‬وكذلك استشهاد البنات والأولاد أبقي علي جذوة الغضب مشتعلة في نفوس زملائهم،‮ ‬الذين رأوا بأمهات عيونهم عبر شاشات التليفزيون وعبر النت والروابط الاجتماعية‮ »‬فيس بوك‮« ‬و»تويتر‮« ‬و»يوتيوب‮« ‬ مئات يسقطون مضرجين بالدماء لتتقدم الملايين بدلا منهم صفوفا وراء صفوف‮.‬وسائط التقنية الحديثة،‮ ‬خلقت ثقافة جديدة وحققت تماهيا وتمازجا حقيقيين بين الشباب العربي،‮ ‬لا بل استدرجت اهتمام الشباب كونيا،‮ ‬وجعلت منهم سنادة حقيقية تحدث الثورة ومطالبها في كل مكان‮.‬ثم ان الفضائيات الدولية،‮ ‬ووسائط الاتصال‮ »‬النتية‮« ‬نجحت في كشف ممارسات،‮ ‬لم يك من الممكن تشارك المعرفة بها،‮ ‬أو الاحتجاج عليها دوليا،‮ ‬وبما أدي إلي تصنيع قوة ضغط معنوية ورمزية كونية هائلة عضدت الثوار‮.‬‮.............‬ظاهرة استنساخ الثورة لم تأت وفقا لعقلية المؤامرة محققة للنظريات الأمريكية عن الدومينو،‮ ‬ولكنها جاءت بالقطع نتيجة معطيات العصر التليفزيونية والإليكترونية،‮ ‬وبحس شعبي صاف ونزيه،‮ ‬وهكذا فقط ينبغي فهمها وتحليلها‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل