المحتوى الرئيسى

الثورات بين المنطق والخزعبلات بقلم:سري سمور

02/28 20:22

الثورات بين المنطق والخزعبلات بقلم:سري سمور هناك مخاوف لها ما يبررها تجاه الثورات التي تشهدها العديد من الأقطار العربية،ونرى فيها أسلوبا منطقيا يستحضر الشواهد التاريخية والمخططات القديمة والجديدة وما يجمع بين القديم والجديد. وفي ذات الوقت هناك خزعبلات وطغيان لنظرية المؤامرة على تفكير البعض وتشكيك شامل بجدوى الثورات وبدوافعها ومآلاتها واعتبارها أمريكية بامتياز،أو أن أمريكا هي المستفيد الأول والأكبر منها! (1)استعراض عام المخاوف المنطقية ترى بأن الثورات لم تحقق أهدافها،فقد رحل الدكتاتور وبقيت الدكتاتورية،والمجهول ينتظر الشعوب ودخول الأمريكيين على خط الثورات بوسائل عدة ليس أقلها اتصالاتهم بقيادات الجيوش،وهناك مخططات أمريكية متجددة لتقسيم ماهو مقسم من الأوطان،كما أن تزامن الثورات مع انفصال جنوب السودان،وتجنب الثائرين وفعالياتهم طرح الأسئلة المصيرية عن مستقبل علاقة دولهم مع العالم خاصة ومع واشنطن «وإغفالهم» لموضوع القضية الفلسطينية،ومحاولة إبراز بعض الوجوه والقيادات كقادة جدد للشعب وملاحظات أخرى عديدة تجعل المرء يضع يده على قلبه. ففي تونس انفجر الوضع من جديد،ورغم أن الدكتاتور وعائلته قد فروا،إلا أن رجالاتهم يمسكون بناصية الدولة وهياكلها فالمبزع والغنوشي (الذي قدم استقالته اليوم) ومعظم طاقم الوزراء والبرلمان القائم ما هم إلا رجال اصطنعهم بن علي. وفي مصر ما زال أحمد شفيق على رأس الوزارة وهو الرجل الذي عينه مبارك المخلوع إبان الثورة على نظامه،ولم ترفع حالة الطوارئ ولم يتم الإفراج عن المعتقلين خاصة من سجنوا بقرارات من محاكم عسكرية خاصة وجائرة،والمجلس العسكري لم يتحمس لفكرة حل مباحث أمن الدولة،الجهاز سيىء الصيت والسمعة،وهناك لغط حول نشاط الدكتاتور المخلوع في شرم الشيخ وطبيعة دور عمر سليمان حاليا. وأما ليبيا التي لم تتخلص من جلادها حتى لحظة كتابة هذه السطور فالخوف عليها أكبر وأخطر؛خوف من تقسيم الدولة،وخوف من التدخل الأجنبي الخارجي ،خاصة قوات حلف الناتو،وخوف من حالة فراغ سياسي،لا سيما وأن القذافي لم يبن دولة مؤسسات ولو شكلية تسمح بفترة انتقالية دستورية. (2)حركة التاريخ والإنجاز أتفق مع كل هذه المخاوف،ومن حق كل غيور وحريص أن يشعر بالقلق،ونسأل الله السلامة للثورات من كل المؤامرات والمعيقات؛ولكن حركة التاريخ وعجلته التي هي سنة الله في عباده تقول بأن العودة إلى الوراء مستحيلة،وما تحقق من انجازات لا يمكن التقليل من حجمها وتأثيرها؛فخلال أقل من شهرين تخلص العرب من دكتاتورين جثما على صدور الناس أزمانا،وأذاقوهم كؤوس الذل والقهر والقتل والفقر والبطالة،إن هذا انجاز عظيم وفتح كبير،يطغى على المخاوف،مع عدم تجاهلها. إن التغيير أصبح في زماننا يتسم بالسرعة الفائقة،فمثلما أصبح انتقال الإنسان المسافر من بلد إلى آخر يتم خلال ساعات بفضل الطائرات والسفن والبواخر والسيارات؛ومثلما أصبح التواصل بين الأفراد والجماعات بفضل وسائل الاتصالات والإنترنت والفضائيات في غاية السهولة،وتنتقل الأفكار والآراء بسرعة البرق من قارة إلى أخرى؛فإن التغيير السياسي والاجتماعي أيضا بات سريعا ودراماتيكيا،ومهما كان الحال فإننا نرى صورة جديدة تتركب أمام ناظرينا،فعهد الحاكم بأمره والزعيم الملهم والقائد الضرورة قد ولّى إلى غير رجعة،وعهد بقاء الدول والمجتمعات أشبه بمزارع لعائلة أو حزب كذلك الأمر. إن التغيير يتدحرج بسرعة،ولو قارنا ما تحقق في هذه الفترة الزمنية مع ما حققته الثورة الفرنسية التي طالما تغنوا وتغنّى بعضنا بها،مع ما جرى لرأينا بأن التغيير في ساحات العرب أسرع وأكثر تجذرا. في تونس أصدروا مذكرة جلب للدكتاتور الفار،وهناك متابعة لما سرق ونهب من أموال وذهب ومعادن نفيسة ،ضبط بعض منها في أحد قصوره،وتم حل حزب التجمع الدستوري(اللاديمقراطي) الذي أذاق الناس الويلات،وهناك حريات إعلامية كانت إلى وقت قريب أشبه بحلم جميل ،وهناك رغبة في بناء مجتمع مدني،وإيجاد آليات لتداول السلطة. وفي مصر هناك حديث عن تعديلات دستورية تجنّب أرض الكنانة ويلات تسلط رئيس(أي رئيس) على الشعب سنينا طويلة،بتحديد مدة الرئاسة مما يجبر الرئيس على تحري العدل وتجنب الفساد والإفساد. ومن كان يتصور أن يلقى بحبيب العادلي وأحمد عز وأنس الفقي الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد،في السجن قبل الثورة بأيام؟وهناك صحوة شعبية ومدنية تتمثل بتشكيل الأحزاب وإعادة بنائها وإتاحة المجال للجميع للتنافس الحر على السلطة، ورغم عدم حل الحزب الوطني(وهو أمر أتمناه وأشتهيه) إلا أن الحزب بفقدانه الهيمنة السلطوية سيصبح حزبا بحجمه الطبيعي والحقيقي. أما في ليبيا فإن أبناءها وبناتها قادرون على إعادة بناء بلدهم وكتابة وصياغة ميثاق(دستور) جديد يلبي طموحاتهم،وأحفاد عمر المختار لن يسمحوا بفراغ سياسي ولا أمني رغم ما قد يلاقونه من صعوبات أو معيقات،ورغم المخاوف من التدخل الأجنبي،وقد كتبت عن ذلك مؤخرا،فإن الوعي والاستعداد يشكلان ذخيرة معنوية تجعلنا نشعر بشيء من الاطمئنان على ليبيا وشعبها الذي انقض على جلاده. وحسبنا حالة الوحدة الوجدانية بين الشعوب،بعد أن ظننا أن كرة القدم والنعرات القطرية المقيتة قد فرقت الوجدان وقسمت الطموحات والأحلام،كما قسمت الجغرافيا وعبثت بالتاريخ! (3)الثقة المطلوبة علينا أن نثق بالله أولا،بأنه لن يرضى أن تضيع هذه التضحيات والدماء هباء،وأن نعتمد على سنته «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» وقد غيّر الشعب ما في نفسه من سلبية ولا مبالاة وتشتيت الجهد ولخبطة الأولويات؛ فالله سبحانه وتعالى سيكافئ هؤلاء بالعزة والمنعة. ثم علينا أن نثق بالوعي الجمعي الذي نراه،فلسنا أمام رعاع أو سذج ينطلي عليهم معسول الكلام،وتخدعهم الوعود البراقة،ولا يدرون ما الأخطار المحدقة بهم،هناك حالة وعي وحساسية شديدة تجاه ما يجري بدليل استمرار الضغط الشعبي ورفع المطالب،والاستعداد الدائم للنزول إلى الشارع ورفع الصوت،وميدان التحرير خير شاهد وخير دليل. ولا يظنن أحد من المتحذلقين المشككين، أو المخلصين الصادقين الذين يتحدثون عن المستقبل أن الثوار وقادتهم لا يعلمون ما يجري حولهم وما يحاك ضدهم،بل أزعم أنهم يعرفون معلومات أكثر عن التآمر الداخلي والخارجي، وكما أسقطوا الجلاد الأكبر وقطعوا رأس الأفعى فبإذن الله سيقطعون ذيلها وسيتخلصون من الجلادين الصغار،وهذا ليس كلاما عاطفيا أو شعارات جوفاء،بل هذه هي الحقيقة التي ستتجلى على أرض الواقع والتاريخ سيشهد على ذلك. من الطبيعي أن يقاوم المستبدون،حفاظا على امتيازاتهم،وخوفا من محكمة الشعب،وأيضا لأنهم أدمنوا السلطة ولا يطيقون البعد عنها أو مشاركة غيرهم فيها،وسيستمرون في محاولات إرجاع الساعة إلى الوراء،ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح. ولنا في سيرة قائدنا ونبينا محمد،صلى الله عليه وسلم،خير برهان،فبعد أن فتح مكة وحطم أصنامها وأوثانها،وبوجود عشرة آلاف مقاتل،أخبره الله أن أبا سفيان يفكر في تأليب العرب عليه من جديد،فحذّره النبي،عليه الصلاة والسلام،بأن الله سيخذله ويخزيه إذا شرع فيما تحدثه به نفسه. وتحدثنا مصادر تاريخية أن صلاح الدين الأيوبي بعدما استقر في مصر،ظلوا يتآمرون عليه،ويحيكون ضده أخبث الدسائس،لدرجة أنهم حشدوا له مرة مئتا ألف مقاتل لإخراجه من مصر أو قتله...هكذا تجري الأمور،ومن السذاجة الظن بأن من تسلطوا على الناس عقودا سيستسلمون في أيام معدودات،ويتركوا الساحة بلا تآمر ودسائس. (4)أمريكا ليست رب الكون الله هو الخالق،وهو رب الأرباب،وليست أمريكا ولا إسرائيل،هناك من سيرد بأن هذا صحيح ثم يتبعها بأداة الاستدراك «لكن» ويسرد لك مخططات برنارد لويس ،وأحاديث رايس عن الفوضى الخلاقة،ونشاط المؤسسات الأمريكية المحموم،ورغبتهم في تسيّد وجوه معينة للمشهد العربي،ثم يتحفونك بنظرية غريبة لا تسكن إلا في عقل المهزومين ومن حالهم كحال جن سيدنا سليمان،بأن أمريكا تريد استبدال عملاء بعملاء آخرين ففجرت هذه الثورات! ونسي هؤلاء بأن أمريكا لم ولن تجد أفضل من الدكتاتوريات التي سادت،وللعلم فإن أحد أسباب ثورة الشعوب عليهم هي حالة انبطاحهم المخزية أمام أمريكا وتقديم مصالحها على مصالح شعوبهم،بل حتى على مصالح أنظمتهم، وقد كان همّ أمريكا هنا ومازال أمن وتفوق إسرائيل،وضمان نهب الثروات،وتحويل تفكير الناس إلى مسائل لا تحتل أولوية شعبوية ولا نخبوية مثل مكافحة الإرهاب،وإعطاء حقوق للشواذ،وتشريع تعدد الخليلات ومنع تعدد الزوجات...إلخ. ولكن هموم الناس كانت تنصب على ضرورة الإصلاح السياسي،وبناء دول مؤسساتية،وتوزيع الثروات،وفي الثورات إشارة إلى تمرد على الرأسمالية متمثلة بأقبح تجلياتها أي الاحتكار وتهميش وإقصاء الطبقات المتوسطة،وانعدام العدالة الاجتماعية،فالعالم كله سيتمرد على الرأسمالية،وعصر القطب الواحد المتحكم في طريقه إلى الزوال ولا يستبعد أن تصل الثورات إلى قلب أمريكا ما لم تصحح مسارها. وفي خضم الانشغال بالثورات ومتابعة سيرتها،غاب عن الجميع مشكلات أمريكا وجيوشها في أفغانستان وكيف أنها من خسارة إلى أخرى وينتظرها ربيع دام وصيف ساخن بإذن الله تعالى. إن وسم ملايين الناس،ومعظمهم حملة شهادات جامعية،أو برسم حملها،ويتقنون استخدام أدوات التكنولوجيا،وتنظيم الفعاليات الشعبية، بأنهم ينفذون -من حيث لا يشعرون- أجندات أمريكية ،هو أمر يبعث على التقزز ويشي بحالة من ترسخ الاستعباد والدونية في النفوس ...أمريكا لن تبقى متحكمة ومتفردة بهذا العالم؛فبعد عشرين سنة عجاف من هذا التفرد وأحادية القطبية نرى قوى أخرى تصعد وسيكون بعد هذه الثورات المباركة للعرب والمسلمين مكان مرموق بين هذه القوى، فاتركوا الخزعبلات وانفضوا عن عقولكم غبار حقبة الاستعباد والإذلال،وقطار التغيير انطلق وسيدوس كل من يقف في طريقه. ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، الإثنين 25 من ربيع الأول/1432هــ، 28/2/2011م من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-فلسطين-أم الشوف-حيفا

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل