المحتوى الرئيسى

د. أشرف الصباغ يكتب:لماذا صدَّر القذافي شريحة ضئيلة لتعكس وجه ليبيا وتشوهه؟

02/28 19:38

إضافة إلى مجريات ثورتي تونس ومصر، قام الأشقاء الليبيون بتنظيم إيقاع ثورتهم بصورة مدهشة. فهناك مراكز صحفية، واعتمادات، وهناك أحاديث جادة عن الحفاظ على الأمن، وعدم المساس بالمواطنين أو الصحفيين.بمجرد عبورنا من معبر السلوم الحدودي رأينا لوحة قماشية ضخمة تقول: "أشقاءنا المصريين، نرجو أن تعودوا إلينا بعد رحيل الطاغية". هذه اللوحة ترجمت في عبارات سمعناها طوال 600 كيلومترا مرورا بكل المدن الليبية إلى بني غازي.قد تكون وسائل الإعلام قامت بتضخيم هذا الأمر أو ذاك. وقد تكون سلطت الضوء على هذا الجانب دون ذاك. ولكن المؤكد أن شباب ليبيا ورجاله بدأوا ثورة سلمية في 15 و16 فبراير 2011. ويبدو أنهم فاجأوا نظاهم كما فعل أشقاؤهم التونسيون والمصريون. غير أن النظام الليبي الذي يمتد عمره لاثنتين وأربعين سنة كان أشد قسوة لا من النظامين التونسي والمصري، بل من نفسه على مدى 42 عاما. وما شاهدناه وسمعناه من القذافي وابنه يؤكد أن الشر والخبث والقمع ليس لهم أي حدود.أشهد أنني تمتعت بمعاملة خاصة. فعندما أوقفت إحدى سيارات اللجان الشعبية سيارتنا (في مدخل بني غازي)، وقفز منها شاب يحمل رشاشا نحونا صارخا: "من وين انتم؟"، انزعجنا بشدة، لأن سيارته هو ورفاقه كانت بدون أرقام، وكلهم يحملون السلاح. وبمجرد أن سمع كلمات مصرية: "إحنا صحفيين، يا عم"، أنزل سلاحه على الفور وقال راجيا معتذرا: "معلش، يا خال. أحب على راسك. أنتم أخوالنا". ومن شدة الانفعال تناثرت القبلات على الرؤوس والأكتاف والصدور. وأقسم الشاب ورفاقه بأن يرافقونا إلى حيث نتجه.رأينا لجان شعبية في غاية التظيم، وعدم إظهار السلطة أو التدخل فيما لا يعنيها. أكد لنا صاحبنا (وابن أختنا، موسى) أن خشونته في البداية كانت غير مبررة، ولكن توقعات العنف والخيانة من أتباع القذافي محتملة في كل لحظة.لحظات الدخول إلى بني غازي لم تكن أقل في عظمتها من سماع بيان خلع حسني مبارك أو فرار على زين العابدين من تونس أو استقالة الغنوشي أو أحمد شفيق. كانت لحظة كفيلة بتغيير وعي سنوات طويلة عن الشعب الليبي الذي ظلم بسبب (شلة) أخذت على عاتقها مسؤولية تحديد وجه الشعب الليبي وتشويهه. هذه الشريحة كانت تعطي انطباعا بأن الشعب الليبي خامل وكله عبارة عن عناصر أمنية فظة وفجة. وأذكر جيدا عندما طلبت من رؤسائي في العمل قطع مهمة مجموعة التصوير في طرابلس والإسراع بتغيير مواعيد بطاقات السفر والعودة فورا إلى موسكو. أذكر أننا تعرضنا لمهزلة حقيقية غبية وصارخة في حماقتها واستفزازها. ولكن بمجرد عبر الحدود المصرية – الليبية رأيت وجوها تشبه وجوهنا. لم أشعر بأنني عبرت حدود بلادي إلى بلاد أخرى. لم أشعر بإشفاق أو تعاطف، بل شعرت بفخر شديد لأنني أنتمي إلى هؤلاء الناس. هل هؤلاء هم الليبيون، أم أولئك الذين قابلونا منذ عامين في طرابلس؟ أدركت فورا سر المهزلة والمؤامرة على أحفاد عمر المختار الذي يمثل لدى منذ الصغر رمزا لقوة الروح والجسد، ومؤشرا لاعتزازي بنفسي وفخري بتاريخي وبتاريخ أبناء إخوتي وأخواتي.الشعب الليبي الذي أنتمي إليه يواجه محنة الإبادة العرقية، ويواجه مؤامرة لبث الشقاق القبلي. الشعب الليبي الشقيق فقد الآلاف من شبابه. ويبدو أن قوى الشر لن تهدأ أو تستكين. ولكن ما رد لي الروح هو ذلك الشعار المتكرر في شوارع بني غازي وفي ساحة المحكمة مواجها البحر الأبيض المتوسط. إنه شعار: "لا للقبلية. ليبيا دولة واحدة". الشعب الليبي يواجه آلة قمعية لا تهدأ ولا تستكين، ولكنها تمعن في تعنتها مستخدمة كل رصيد الخبث والمكر والخيانة والتآمر.إذا كانت بني غازي قد تحررت تماما، مثلما تحررت مدينة السويس في ثورة الخامس والعشرين من يناير، فالزاوية ومصراته ومدن الغرب تتعرض لهجوم منظم يستخدم فيه المأجورون والمرتزقة وأنصار "الزعيم" كل وسائل القمع والإرهاب. منذ الساعات الأولى، وبرؤية العين المجردة، أدركنا أن القذافي وأبناءه يعتبرون ليبيا محمية طبيعية لابد من الحفاظ على ما فيها من أجل الحصول على أكبر قدر من الأموال. إنهم يعتبرون ليبيا بما فيها وبمن فيها ملكية خاصة بقرار إلهي. لذا بدأوا بالفعل في يث الشقاق بين القبائل، وقدموا كل الأسباب الممكنة للتدخل الخارجي. إنهم على استعداد للتضحية بليبيا وبكل أفراد الشعب الليبي مقابل البقاء في السلطة. فهل سيستجيب الغرب لمؤامرة القذافي ويعطي نفسه الحق في تقرير مصير الشعب الليبي؟ هل يمكن أن يقوم الغرب بانعطافة غير محسوبة، تحت غطاء الحفاظ على مصالحة أو حماية الناس أو حماية حقوق الإنسان، ويتدخل في ليبيا؟القذافي يعد نفسه الآن لمعركة "الحصن الأخير". فقد بدأ بتركيز قواته في طرابلس، وفي منطقة العزيزية تحديدا. قد تخرج بعض القوات من تحت سيطرته، لأن هذا من خصائص المرتزقة. وقد ينشق عليه هذا الابن أو ذاك. الاحتمالات كثيرة، لكن تسليم القذافي ليس من بينها. وقد يعرف الشعب الليبي كيفية التصرف في هذا الأمر وبشكل أفضل بكثير من الغرب والشرق.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل