المحتوى الرئيسى

التعليم العالي الفلسطيني: النزعات الذاتية في حل المشكلات الموضوعية بقلم : باسل عبد الرحمن

02/28 17:19

لامس الرئيس محمود عباس خلال حديثه قبل أيام أمام المجلس الأكاديمي الفلسطيني، قضيتين رئيسيتين تشغلان الوسط الأكاديمي وهما النظر في إمكانية فصل وزارة التربية والتعليم العالي إلى وزارتين، والسعي لتعميم تجربة صندوق الطالب الجامعي لتشمل الوطن وكل التجمعات الفلسطينية في الخارج، وبقدر ما كان سيادة الرئيس متحمسا للإسراع في تنفيذ التوجه الثاني، بقدر ما كان حذرا ومتحفظا في الجزم بشأن جدوى الخيار الأول، وله الحق كل الحق في ذلك، فمعالجة قضايا التعليم والتعليم العالي وحل مشاكلهما وتذليل العقبات التي تعيق النهوض بهما، تحتاج إلى أكثر من قرار إداري أو مجرد توقيع على مرسوم. نسوق هذه المقدمة أملا في أن تساعدنا لمجابهة أنماط من الكتابة والتنظير يتحفنا بها بعض المشتغلين والمهتمين بالشأن الأكاديمي وبقضايا التعليم العالي والتي نصادفها في ورشات العمل واللقاءات الأكاديمية ومقالات الصحف، تنظيرات تعمد إلى إطلاق أحكام قاطعة ومطلقة، ويعتقد أصحابها أنهم يملكون الحلول السحرية لمشكلات التعليم، وتذهب إلى حد أن مشكلة البلاد والعباد تكمن في أن رأي أصحابنا هؤلاء غير مسموع، وأن الحكومة لا تعمل وفق نصائحهم، أو أن الوزير لا يولي اقتراحاتهم الفذة الأهمية التي تستحقها. ولكن المفاجأة هي أننا حين نمعن النظر في رأي هؤلاء، أو نخضها خضا جيدا لنستخلص زبدتها لا نجد سوى فكرة واحدة مفادها: ايها السادة غيروا مسمّاي الوظيفي، ... زيدوا صلاحياتي وغيروا المسؤول عني وستجدون أن مشكلاتكم قد حلت. ذلك هو ملخص المقالة الطويلة التي سطرها الدكتور فاهوم شلبي في صحيفة القدس الغراء تحت عنوان "التعليم العالي وحاكميته"، وما كان المرء، وبخاصة الباحث الأكاديمي، ليحفل بما ورد في المقالة المذكورة لكثرة ما ورد فيها من تناقضات ومغالطات، وأحكام متسرعة وتعسفية، بل ويا للأسف أخطاء فاحشة ولغة ركيكة نظنها نتاج التسرع، لولا أن كاتبها يشغل منصب الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي في وزارة التربية والتعليم العالي، وهو أعلى منصب في وزارة التعليم العالي اذا أخذنا بعين الاعتبار أن منصب الوزير هو منصب سياسي، وقبل ذلك كان كاتبنا يشغل منصب مدير عام التخطيط والتطوير والبحث العلمي في الوزارة عينها، وهي صفات تدعونا لإبداء العجب والاستغراب للآراء الواردة في المقالة أولا، وللمناصب التي يشغلها الكاتب المحترم والتي كان من الواجب استثمارها في تطوير التعليم العالي والتصدي لحل مشكلاته، وليس لرثائه والتباكي عليه بعد عمله الطويل كمسؤول لسنوات طويلة عن هذا القطاع ، ونسوق هنا بعضا من الأمثلة الصارخة : " خريج الجامعات الفلسطينية في فترة الثمانينات أفضل من الخريج في هذه السنوات بشكل عام"، و" دور مجلس التعليم العالي في زمن الاحتلال قد يكون أفضل من دور الوزارة الحالي"، "نوعية التعليم غير مقبولة"، هكذا بكل ثقة ويقينية يطلق الدكتور شلبي سيلا دافقا من أحكامه القطعية دون أن يكلف نفسه عناء إثبات واحدة منها، ولا حتى أن يخبرنا عن المصدر الذي استقى منه أحكامه، وهل كانت صادرة عن توصيات لاجتماعات أكاديمية رسمية، أو توصيات لمؤتمرات علمية، أم أنها انطباعات عطوفته الشخصية لا سيّما وأنه هو نفسه من خريجي الثمانينات ولا يلام المرء إذا كان معجبا بنفسه، أم أنها نتاج دردشات وتجاذب لأطراف الحديث مع أصدقائه الذين لا نعرف عن خلفياتهم العلمية شيئا، أحكام لا تشبهها إلا التعليقات التي يصدرها المتقاعدون والعجائز في حنينهم النوستالجي للزمن الماضي الجميل الذي لن يعود أبدا، ولو نسجنا على هذا المنوال في إصدار الأحكام لتبين لنا أن الزمن قبل خمسمائة عام كان أجمل من زماننا هذا، وأن الرجال قبل ألفي عام كانوا أكثر رجولة من رجال أيامنا وأن الماضي كان دائما افضل من الحاضر وهذا الأخير سيكون حتما أفضل من المستقبل وهكذا دواليك، لا مشكلة لنا حقا مع هذه الأحكام لو كانت مجرد رؤى وانطباعات ولكن الكارثة أنها تطال التعليم ونوعيته وتصدر عن المسؤول الأول في البلد بعد الوزير عن شؤون التعليم العالي، ومن موقعه المسؤول في قمة هرم الوزارة يسجل الدكتور الشلبي بأسف في مقاله المطول والمتناقض الذي حمل عنوان " التعليم العالي الفلسطيني وحاكميته" دون أن يبين كاتبنا المقصود بالحاكمية، أن مجلس التعليم العالي "يناقش فقط مشاكل الكادر الموحد وغلاء المعيشة " ( ترى ما المشكلة في أن يهتم المجلس بهذا الشأن الجوهري)، ويبدي امتعاضه وحنقه في ثلاثة مواقع على الأقل من أن إحدى الكليات الجامعية حصلت على اعتماد برامج بكالوريوس ، ولا ندري سببا لامتعاضه سوى التساؤل حول حاجة مجتمعنا لخريجين جدد، وما أسهل تبديد قلق الكاتب لو أنه استفسر من زملائه في الهيئة الوطنية للاعتماد والجودة عن الدراسات التي اعتمدتها الهيئة لهذا الشأن، وعن الشروط التي تعتمدها عادة في منح تراخيص جديدة لبرامج وكليات، كان يمكن أن تهدا هواجس الكاتب كلها لو أنه راجع المسؤولين، ويفترض أن اغلبهم زملاء صاحبنا الكاتب ومن الخبراء في التعليم العالي من داخل البلاد وخارجها. لقد بتنا الآن نعرف على وجه يقرب من اليقين سببا رئيسا من أسباب تعثرنا وأحيانا مراوحتنا في المكان ذاته طالما أن المسؤولين عن شؤوننا يفكرون ويكتبون بهذه الطريقة فما بالكم بالله عليكم بالطريقة التي يعملون بها . والأهم من كل ما تقدم نقول: كان يمكن، بل من واجبنا كخبراء ومسؤولين وأكاديميين أن نبحث عن حلول لمشكلات مجتمعنا وفي المقدمة منها مشكلات التعليم العالي، ولكن لنجاح ذلك شرط واحد مهم وهو أن نتجرد من ذواتنا الفردية، وأن نخطط لمستقبلنا الوطني البعيد لا لمستقبل أحدنا الوظيفي، إن المرء ليصعق والقلب ليحزن حين يعلم أن من يكيل هذه الشتائم لأوضاع التعليم العالي هو من تقع هذه الأوضاع ضمن مسؤولياته و صلاحياته وسلطاته، وتعمد إغفال صفته الرسمية حين كتب مقاله حتى أن الكاتب يحسب أنه واحد من بين مئات وألوف حملة الشهادات العليا، وهو ما يدعونا لإبداء القلق من أن تكون القرارات المصيرية حول أوضاع التعليم العالي بيد مثل هؤلاء السادة الذين لا يكلفهم إبداء وجهة نظرهم سوى شطحة من شطحات التفكير بدلا من القيام بدراسات وأبحاث علمية محكمة كالتي كان من المفروض أن يشرف عليها الدكتور ويرعاها ويتابعها، ولا نعلم هل أنجز من ذلك شيئا أم لا وهل قام هو نفسه بأي من الأبحاث العلمية والله غالب على أمره.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل