المحتوى الرئيسى

حلمُ العودة إلى 1954

02/28 15:49

«هل حدثَ ما حدث بالفعل؟» أسألُ نفسى هذا السؤال كلَّ نهار منذ أسبوعين، بمجرد أن أفتح عينى لأستقبل شعاع الشمس الجديد من نافذة غرفتي. هل تحررنا، أم أننى مازلتُ أحلم ذاك الحلمَ المتكرر بأن أشهدَ مصرَ وقد أزاحت عن صدرها عبئًا وزنه خمسون عامًا؟ (لا تصدقوا أنه ثلاثون كما تقول الإشاعة). صحيحٌ أن المصريين يملكون أسبابَ ثورتهم نصفَ قرن، وبالطبع يمتلكون الطاقةَ عليها، لكن الحكومات المتعاقبة ظلّت تعملُ على «إنهاك» طاقة الشعب واستنزافها فى الركض اليومىّ وراء رغيف الخبز وعلبة الدواء والدروس الخصوصية، وطبعًا فى الركض وراء الأتوبيس، ولعب الأكروبات لمناورة البالوعات المفتوحة وبِرك مياه الصرف والشوارع المهشمة وأعمدة الإنارة المكشوفة أسلاكها فى انتظار المصعوقين! كأننا فى دولة بلا وزارات ولا وزراء ولا مسؤولين، ولا حاكم! هل بالفعل تخلّصت مصرُ من هذا الكابوس الثقيل؟ والآن، هل يجوز لى أن أحلم بغدٍ أكثر جمالا يليق بدولةِ أعرق الحضارات: مصر؟ أن أحلمَ بجمهورية مدنية ليبرالية حرّة؟ تتقلص فيها صلاحياتُ الرئيس وسُلطاته، ليكون القرارُ للشعب متمثلا فى برلمان حقيقى نزيه حر؟ مجتمع مدنى علمانى لا فرق فيه بين امرأة ورجل، مسلم ومسيحىّ، فقير وغنىّ، صاحب سلطة وعديمِها؟ وهنا وجب علىّ أن أضع التعريفَ الصحيح لمفردة «العلمانية» Secularism التى ظُلمت كثيرًا، إذ نُعِتت بأقظع النعوت وأفظعها، وهى من كل نعوتها براء.  يتناقلُ ناعتوها نعوتَها الكاذبةَ بتكاسل ونَقلية دون أن يجشِّموا أنفسَهم عناء التقاط أى معجم من مكتباتهم ليعرفوا معناها البسيط الطيب: «فصل الدين عن السياسة». فصل الكهنوت عن الدولة. هكذا تقدمت أوروبا حين حرّرت السياسةَ والعِلمَ من سيطرة الكنيسة. الدين لله والوطن للجميع. هكذا ببساطة. لا فيها إلحادٌ ولا فيها كفرٌ ولا فيها لا دينية ولا فيها رذيلة، وغيرها من التُّرهات التى التصقت زورًا بهذا المصطلح: «العلمانية»، لمجرد أن جاهلا أساء فهمَها يومًا، ثم نقل فكرَه المغلوط لآخرين، وبدورهم ظلّوا يتناقلون الأغاليطَ دون تدقيق أو محاولة فهم. تلك ثقافة: «قالوا له»، التى تحدثتُ عنها كثيرًا بوصفها أكبر أسباب أزماتنا الراهنة وتردّينا الفكري، نحن أبناء الأمة التى أنجبت طه حسين، وزكى نجيب محمود، والطهطاوى ومحمد عبده وغيرهم من قامات مصر السامقة الرفيعة. ثقافة الإشاعة التى وضعها المفكر الإنجليزى فرنسيس بيكون فى القرن 17، ضمن «الأصنام الأربعة» التى تستعبد الإنسانَ وتعوّق التفكير السليم. أسماه: صنم «السوق»، حين يتداول السوقةُ الأفكار المغلوطة، ثم يشيعونها بين الناس فتغدو حقائقَ دامغة يتقاتل الناسُ فى سبيلها دون أن ينتبهوا أنهم يتقاتلون من أجل ترهات وأكاذيب. هل أحلم بجمهورية برلمانية ديمقراطية تقوم على دستور نظيفٍ عادل يحترم كرامة المواطنين ويحفظ حقوق المواطَنة لجميع أبنائه دون تمييز، ويحميهم من بطش الحاكم ونظامه؟ دستور مدنى راق مثل دستور 1954، الذى أُجهِض قبل أن يرى النور لأسباب تخصُّ الضبّاط الأحرار وشهوة السلطان. ذلك الدستور الذى كتبته نخبةٌ من أنجب عقول مصر آنذاك، وأرقاها. هل أحلم بدولة تحتضن مواطنيها فيشعرون بانتمائهم الحقيقى لها فلا يهينون أرضَها ولا شرفَها؟ يتقنون أعمالهم ولا يلقون قمامة فى الطريق، يحبون بعضهم البعض فلا يخرجون من أفواههم إلا القولَ الراقى بوصفهم أبناء أجمل وأرقى بلاد الله؟ هل أحلم بمياه النيل خالية من المعادن الثقيلة والرصاص والبكتريا التى دمّرت كُلى المصريين وأكبادهم؟ وخضروات خالية من المبيدات المسرطنة التى جعلت آلافًا من أطفال مصر يرقدون على أسرّة مستشفى 57، بدل أن ينعموا باللعب مع أقرانهم والنوم فى حضن أمهاتهم؟ هل أحلم أن نزاوج بين تكنولوجيا 2011، التى صنعت ثورتنا، ورُقىّ مصر فى الخمسينيات؟ أحلامى كثيرة لا تتحملّها مساحة هذه الزاوية. لكنها، كما ترون، لا تخرج عن الحقوق الإنسانية البسيطة التى تكفلها كل دول العالم المتحضر لأبنائها. الحلمُ بالحياة، فى تعريفها البسيط الأولىّ. fatma_naoot@hotmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل