المحتوى الرئيسى

العبور من «ممر التنمية»

02/28 15:49

بعد موقعة الجمل الشهيرة، التى كانت فى رأيى الواقعة الفاصلة التى أرخت لبدء عهد الجمهورية الثانية بمصر، والتى أرسى دعائمها ثوار ميدان التحرير... فقد تأكد لى، كما هو الحال بالنسبة للكثيرين، أن هذا المشهد الهزلى إنما يؤكد هذه الهوة السحيقة التى تفصل ما بين شباب واعد يتواصل بلا حدود عبر العالم الافتراضى والوسائط الإلكترونية وبين ولاة أمر وصناع قرار ادعوا كذبا – وللأسف صدقناهم - أنهم رواد التحديث الإلكترونى وأصحاب الحكومة والقرية الذكية.. هؤلاء رأوا أن ضرب الفيس بوك يمكن أن يكون بركاب الجمال، وردع التويتر يتم بالبغال، فأصبحوا أضحوكة العالم وموضع تندره... ومتى يحدث هذا؟ يحدث ونحن فى القرن الحادى والعشرين، فسلموا بغبائهم لشباب المنتديات الثائر المفتاح الذى مكنهم من التحرك للمربع الأخير فى معركة الثورة المظفرة. لكن لأن جيلى والجيل الذى بعده لم يريا غير علماء هاجروا من البلاد بعد النكسة فى نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات ليؤسسوا نجاحات علمية فى بلدان مهاجرهم، ولأننا نتاج تعليم بدأ كالماء والهواء ثم أخذ فى التراجع ليصبح اليوم شهادة لا تشفع فى وظيفة ولا تنفع فى عمل، فنحن معذورون إن صدقناهم، لأننا لم نستطع أن نكون على هذا القدر من الوعى الذى توصل له أبناؤنا الذين لم يعتمدوا على كتاب الوزارة وسلاح التلميذ وإنما اكتسبوا خبراتهم عبر شبكة الإنترنت العنكبوتية التى هى خارج نطاق سيطرة النظم وهيمنة الحكام، والتى استطاعت أن تنسج خيوطها على أصنام الجمود والجهل، تلك التى جعلت الجمل والبغل يتصدران شاشات الأحداث العالمية ولتسقطها دون رجعة فى إطار أول ثورة إلكترونية فى العالم. ولأن الثورة هى ثورة الشباب وهم من نجنى معهم بعض ثمارها الآن وسيجنون هم وأبناؤهم معظم الثمار فى المستقبل، فلابد من الآن أن تتجمع الرؤى وتتشابك الجهود المصرية من المقيمين بداخلها وخارجها لتأسيس مجلس أعلى للارتقاء بالتعليم ولإثراء الثقافة ولتطوير البحث العلمى بمصر وبما يجعل استفادة مصر من رموزها العلمية أعلى قيمة وأكبر أثرا، بدلا من محاولة الزج بهم فى عالم السياسة الملىء بالمتناقضات والتحالفات والذى يموج حاليا بكل الأطياف السياسية وتكتنفه تضارب التوقعات وبما يتطلب وقفة تمنع استغلال قوى سياسية متمرسة رموزاً علمية لها صدى فى الشارع المصرى، كى تعزز من حجم تواجدها، فمصر تحتاج فى المرحلة القائمة وعبر صندوق الانتخاب أن تتعرف على الحجم الفعلى للقوى السياسية اللاعبة فى مصر دون تهويل أو تهوين، فى حين يتفرغ العلماء والمفكرون لإرساء أسس منظومة علمية متعددة الآماد، فيكون هدفها على المديين القصير والمتوسط الارتقاء بمستوى التعليم الإلزامى وتحفيز الدراسات الحرفية وووضع أطر تقنن الدراسات الجامعية النظرية التى تخرج مؤهلات لا يحتاج إليها المجتمع، مع ربط حاجات السوق بمعطيات العملية التعليمية وفق خطة زمنية محددة، والارتقاء بمستوى الجامعات المصرية الرائدة كى تستعيد تصنيفها العالمى الذى فقدته فى خضم التخبط العلمى الذى ساد البلاد خلال العقدين الأخيرين، وإعادة تقييم جميع مراكز البحث العلمى والمراكز البحثية ووضعها تحت رعاية جهة عليا موثوقة بما يتيح لها إمكانية الإبداع وبحيث تخرجها من تحت سلطات الوزارات البيروقراطية العقيمة وبما يضمن التوجيه السليم لبرامج التمويل والمنح كى تصل لأهداف البحث العلمى المرجوة، ومن ثم لا تتحول لمكافآت للمحظيين والمستشارين.  أما على المدى الطويل، فالهدف لابد أن يكون تبوؤ مصر فى خلال السنوات العشر المقبلة مركزا بين القوى العشر الاقتصادية الكبرى فى الدنيا، مستفيدة من تلك الموارد التى استرجعتها الدولة ومن قبلها عزم هذا الشباب العظيم الذى غير وجه التاريخ.. وهى فى حد ذاتها كفيلة بتحقيق هذا الهدف الكبير. أعزائى القراء، لقد جذبتنى دعوة الاكتتاب التى أطلقها العالم المصرى الكبير د. فاروق الباز لمشروع «ممر التنمية»، كى يكون نواة انطلاق مصر الحديثة نحو المستقبل، وأدعو جميع عقول مصر المهاجرة والمقيمة أمثال د. أحمد زويل، د. محمد النشائى، د.مجدى يعقوب، د. هانى عازر، د. إبراهيم سمك، د. عصام حجى، ومعهم علماء ومفكرو مصر بالداخل للتضافر من أجل أن تعود مصر بلدا مستقطبا لكفاءته ومستفيدا بها، ولتكن موقعة الجمل آخر نكساتنا، وليكن ممر التنمية أول عبورنا نحو المستقبل. hanyaziz_ar@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل