المحتوى الرئيسى

من أدب الرحلات-في بلاد العمّ سام بقلم:جميل السلحوت

02/28 15:37

جميل السلحوت: من أدب الرحلات-في بلاد العمّ سام أمريكا الامبراطورية الخرافية المرّة الأولى التي دخلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية كانت في 16-7 1985، بدعوة من أخي احمد، الذي درس الصيدلة في احدى جامعات هيوستن في ولاية تكساس، سافرت على متن طائرةT.w.A. من مطار تل أبيب مباشرة الى مطار كنيدي في نيوورك، وهو مطار ضخم جدا، له عدة مدرجات، كنت قد سافرت من قبل من مطار ماركا في عمان ومطار بيروت ومطار القاهرة ومطار نيقوسيا في قبرص ومطار موسكو، لكنها تبدو مجتمعة أصغر من هذا المطار، بضع طائرات تنزل في وقت واحد، وبضع طائرات أخرى تصعد مغادرة، قبل نزولنا من الطائرة لاستبدالها بأخرى الى هيوستن لفت انتباهي طائرة صاروخية تسير في المدرج المجاور بسرعة البرق وضجيج مرعب، وفي مؤخرتها مظلة ضخمة لتخفيف سرعتها، انها طائرة الكونكورد التي أراها للمرة الأولى. ستريب تيز: وفي مطار تل أبيب، تم تفتيش أغراضي يدويا قطعة قطعة، وبدقة متناهية، بعد فحصها ألكترونيا ، وخضعت لأسئلة كثيرة، منها: لماذا أنت مسافر للولايات المتحدة؟ ومن رتب لك حقيبتك، وهل أنت مسؤول عمّا فيها؟ وهل تحمل أغراضا الآخرين؟ وهل تحمل أسلحة؟ ثم اقتادوني الى غرفة تفتيش شخصي خضعت فيه لعملية تعرية كاملة إلا من سروالي الداخلي، وأخذوا حذائي للتفتيش الألكتروني مرة أخرى...واصطحبني رجل أمن الى صالة المغادرين...وهذا ما يحصل دائما مع جميع العرب الذين يستقلون طائرة من هذا المطار. سُنّي أم شيعي: وعند ختم جوازات السفر، وفحص تأشيرة الدخول سألني رجل الأمن:Are you soony or sheeay فلم أفهم عليه ماذا يريد، فطلب مني أن أنتظر قليلا، بعد أن سألني عن لغتي الأمّ، فاتصل بالهاتف طالبا أن يرسلوا شخصا يعرف العربية، وفي لحظات حضرت فتاة حسناء هيفاء، وسألتني: هل أنت سُنيّ أم شيعي؟ ولما أجبتها بأنني سني، قالت: نتمنى لك اقامة سعيدة في الولايات المتحدة، وجاء سؤالهم على خلفية اختطاف منظمة أمل الشيعية اللبنانية طائرةT.W.A. في مطار بيروت. أخي أحمد ينتظرني: وفي مطار هيوستن وجدت أخي أحمد في انتظاري، وهذه هي المرة الأولى التي نتقابل فيها منذ سفره في صيف العام 1965 الى البرازيل بعد أن انهى الثانوية العامة- التوجيهي- ليلتحق بأخينا الأكبر محمد الذي سافر الى البرازيل في 8-8-1960 تاركا زوجته(حليمة) وابنه البكر كمال المولود في 27-4-1957، وأخونا محمد مولود في العام 1936، لم تكن الأسرة أو أيّ من أصدقائها يعرفون شيئا عن البرازيل، سوى أنها(أمريكا) ولم يكونوا على علم بأن هناك أمريكا شمالية وأخرى جنوبية، وأن هناك دولا في أمريكا لا دولة واحدة، أو أن أمريكا تشكل قارة تقسمها قناة بنما الى نصفين، فقط يعلمون أن أمريكا بلد ثري جدا، وأن من يهاجر اليها سيعود بملايين الدولارات في بضع سنوات، وأخونا محمد انسان طموح، ويحظى بمحبة خاصة من أبينا كونه الابن البكر، أو لأسباب أخرى لا أعرفها، سافر الى بلاد ملايين الدولارات بالباخرة من ميناء بيروت، وفي جيبه خمسون دولارا فقط لا غير، فلم يكن الوضع الاقتصادي للأسرة يسمح له بأكثر من ذلك، وحتى لو كان الوضع الاقتصادي مختلفا لما أعطاه الوالد أكثر من هذا المبلغ، لأنه مسافر الى بلد ترابها ذهب، والدولارات على قارعة الطريق لمن يريد جمعها، هكذا كانت قناعة كبار الأسرة، وأخونا محمد الذي كان يحب الفروسية، ويعتني بهندامه ونظافته كثيرا، في وقت كانت المياه فيه شحيحة، كان يهوى الترحال والسفر للخارج، وربما يعود ذلك الى محاولة هروبه من رعي الأغنام، حيث كان الوالد يمتلك قطيعا كبيرا من الغنم الحلوب، هي المصدر الرئيس لدخل الأسرة، المكونة من الأب وزوجتين، انتهى بها المطاف باثني عشر ابنا ذكرا وتسع بنات اناث، ورعي الغنم وحراثة الأرض وزراعتها لم تكن في حسابات محمد، الذي سبق وأن سلم نفسه للجيش ليلتحق بالحرس الوطني في العام 1957، عندما أعلن العاهل الأردني الملك حسين- رحمه الله- التعبئة العامة بعد العدوان الثلاثي على مصر في 29 اكتوبر 1956، لا حبا في الحياة العسكرية وانما هروب من حياة البؤس والشقاء، وعندما تم تسريحه من الحرس الوطني بعد أقل من عامين سافر الى تبوك في المملكة العربية السعودية ليعمل في أحد بيوت الأثرياء الفلسطينيين الذي كان يشغل منصبا رفيعا في شركة أرامكو، ولم يمكث في السعودية أكثر من اسبوع، لأن ربّ العمل رفضه عندما رآه شابا يافعا وسيما، فهو يريد طفلا ليكون في خدمة ربة البيت، فأعاده على ظهر شاحنة أردنية متجهة الى بيروت لتعود به بعد ذلك الى عمان، عاد محمد غاضبا يجرجر ذيول فشل لم يكن له فيه خيار، حاول السفر بعدها الى الكويت، لكنه لم يستطع، ومع ذلك بقي مصرا على السفر للعمل في الخارج، وكانت أمريكا هي الهدف المأمول في ذهن جيل الوالد، الذي كان معجبا بشخصية المرحوم عبد الحميد شومان الذي سافر الى أمريكا وعاد ليؤسس البنك العربي، والسفر الى الولايات المتحدة يحتاج الى تأشيرة دخول-فيزا- لم يكن الحصول عليها سهلا، فتم اقرار السفر الى البرازيل، يشجعهم على ذلك سفر اثنين من ابناء الحامولة قبل ذلك بأربع سنوات. الأخ محمد في البرازيل: عندما سافر الأخ محمد الى البرازيل -كنت في الحادية عشرة من عمري، أنا المولود في حزيران 1949-، توالت سنوات القحط لأكثر من اربع سنوات، ونفذت المياه من الآبار، وكنا نجلب المياه على ظهور الدواب- البغال والحمير- من بئر أيوب في قرية سلوان المجاورة، في قِرَبٍ من جلود الماعز....قبل سفر الأخ محمد بيوم واحد فقط سقطتُ من على ظهر البغل، وكسرت يدي اليسرى من المرفق-الكوع- علقوها بمنديل في رقبتي، بعد تعنيف قاس، لأنني خرقت التعليمات بعدم امتطاء البغل، واكتفوا بـ(فحص) جارتنا العجوز المرحومة صبحة العبد، وهي امرأة فاضلة، فأكدت أن يدي سليمة من الكسور، ومصابة برضوض بسيطة تسببت بالورم والانتفاخ، وأنها ستشفى باذن الله، بدلالة أن جارتنا العجوز كانت تتثاءب وهي تدلك يدي بيديها برفق وحنان أمومي، والتثاؤب يعني طرد العيون الحاسدة والشريرة، وبقيت يدي معلقة في رقبتي لبضعة شهور، حتى خفت آلامها واستطعت تحريكها ببطء، لكن العظم الصغير الذي يغطي عظم الساعد عند المرفق بقي بارزا حتى أيامنا هذه. حضر الأقارب والأصدقاء لتوديع أخي محمد، كنت منزويا تحت سرير معدني، تعلوه الفرشات والبسط الصوفية، ويدي المكسورة ممدودة بجانبي، لا أستطيع تحريكها... أبكي بصمت مرغما، أبكي من الألم، وخوفا من الوالد الذي غضب غضبا شديدا، عندما رأى يدي، لم يتعاطف معي أحد، أو بالأحرى لم أسمع كلمة عطف، كل ما سمعته هو(لا ردّه الله...ولد غضيب) والنساء المودعات يملأن الغرفة، في حين يجلس المودعون الرجال على البرندة المكشوفة، ودعني محمد بأن قبلني بهدوء، بكى وبكى معه جميع الحضور وبكيت أنا ايضا....فهذا أول المسافرين الى بلاد الغربة من أبناء العائلة، والسفر الى بلاد أخرى كان غريبا ومستهجنا في البلدة بشكل عام، بضعة أشخاص فقط سافروا للدراسة في جامعات بعض الدول العربية، أمّا السفر الى بلاد أجنبية فهذا أمر غريب ومستهجن، والسفر بالطائرة كان يثير الرعب في قلوب أناس كانت الدواب هي وسيلة النقل الوحيدة التي يستعملونها، أمّا السفر في السفن فهو أمر مرعب حقا، كان كبار السن يجتمعون ويتحدثون في الموضوع، ومنهم المرحوم عمّي محمد الذي كان يملك خيالا خصبا وقدرة عجيبة على حفظ ما يسمعه، كان يحفظ السيرة الهلالية، وسيرة عنترة عن ظاهر قلب بعدما سمعهما في شبابه من حكواتي في مقهى زعترة في باب العمود في القدس القديمة، يحكيهما لنا بطريقة تمثيلية...صوته هادئ ناعم ذو ايحاء في المواقف العادية والمفرحة، ويعلو ويصخب في الانتصارات، ويحزن ويبكي في المواقف الصعبة، كان معجبا بشخصية أبي زيد الهلالي وبشخصية عنترة، تحدث عمّي عما كان يسمعه عن حيتان ضخمة جدا تعيش في البحار، وتستطيع ابتلاع السفن، لكنه طمأن الجميع بأن محمد سيصل الى البرازيل سالما معافى، ولن تستطيع الحيتان ابتلاع السفينة التي تقله، لأن السفن في البحار محمية بمناشير ضخمة مثبتة في أسفلها، وما أن ينقض الحوت الضخم عليها بقوة هائلة ليبتلعها، حتى تشقه الى نصفين، وتأتي الأسماك الأخرى لتفترسه، وينزل بعض السباحين من السفينة ليحملوا أجزاء منه طعاما للمسافرين على ظهر السفينة، فنقطة ضعف هذا الحوت العملاق هي في قوته الهائلة، ولو أنه كان يتقدم الى السفن بهدوء لاستطاع ابتلاعها من مقدمتها أو مؤخرتها، فيتغذى على ما فيها من بشر ثم يلفظها كومة من حديد في قاع البحر، لأنها اعتدت على مملكته البحرية، ولما سألته عما ستفعله المناشير في بطنه بعد أن يبتلعها قال لي: أنت كثير غلبه يا ولد....عند ما يبلعها تصطدم بأسنانه الحادة فتتكسر مثلما تقصف عود تين يابس...تتفتت وتغرق في البحر...استمعنا الى القدرات العجيبة للحيتان ونحن نرتجف خوفا..ونحمد الله أننا نعيش على اليابسة بعيدا عن حياة البحار المرعبة، وعندما سأل أحدهم عمن سيتغلب الضبع أم الحوت اذا ما التقيا؟ أجاب العم محمد: كيف بدهم يلتقوا يا فصيح وهذا في البرّ وهذاك في البحر؟ فضحك الجميع ... وأضاف العمّ بأنه سمع من أحد معارفه من ابناء قرية بيت حنينا الذي سافر الى امريكا بالباخرة، أنه شاهد في عرض البحر سمكا يقفز في الهواء ثم يعود الى البحر، حجمه أكبر من حجم كبش الغنم....فسبّح الحضور بقدرة الخالق. وأضاف العم محمد بأن البحر كبير جدا، وحجمه يزيد على مساحة فلسطين كاملة. وأخي محمد درس حتى الصف الخامس الابتدائي في كلية النهضة في حيّ البقعة الذي يشكل امتداد جبل المكبر الى الجهة الغربية، وقد وقع الحيّ تحت سيطرة اسرائيل عام 1948 عام النكبة، وهو يعرف بضع كلمات انجليزية تعلمها في المدرسة، كانت موضع فخر لأبي الذي يرى أن ابنه "معه لسان انجليزي" لكن التساؤل كان حول اللغة التي يتكلمها شعب البرازيل؟ وهل يوجد في العالم غير اللغتين العربية والانجليزية؟ فأكد لهم عمّي محمد أنه توجد لغة أخرى للسود، فقد كان السنغاليون الذين يخدمون في جيش الانتداب البريطاني يتكلمون لغة غير الانجليزية. ما علينا سافر الأخ محمد الى البرازيل، والرسالة الأولى التي وصلت منه كانت بعد ثلاثة شهور، وكانت مقدمتها تبدأ بـ"سلام سليم أرق من النسيم، تغدو وتروح من فؤاد مجروح، الى منية القلب وعزيز الروح والدي العزيز حفظه الله" ويختتمها بـ" وان جاز حسن سؤالكم عنا فأنا بخير والحمد لله، ولا ينقصني سوى مشاهدتكم، والتحدث اليكم، وسلامي الى كل من يسأل عني بطرفكم". رسالته الأولى كانت أكثر من ثلاثين صفحة، شرح فيها بالتفصيل الممل منذ خروجة بسيارة تاكسي الى بيروت حتى وصوله الى البرازيل، وتحدث انه يعمل بائع حقيبة متجول، وأن البرازيل بلد ثري وخصب، لكن عملة هذه البلاد رخيصة عند تحويلها الى الدولار. الرسالة قُرئت عشرات المرات وسط دموع الشوق والحزن على الفراق، وعمّي المرحوم موسى ألزمني بقراءتها له عشرات المرات، بحيث استطيع ان أزعم بأنني لا أزال أحفظها عن ظاهر قلب حتى أيامنا هذه-بعد خمسين عاما-، ويبدو أن عمّي موسى –رحمه الله- كان يريد معرفة الأحوال في البرازيل كي يرسل ابنه المرحوم اسماعيل اليها، وهذا ما حصل، فقد سافر اسماعيل الى البرازيل في بداية كانون الثاني-يناير 1961، تاركا خلفه ابنه محمد وابنته محمدية طفلين أكبرهما في الرابعة من عمره، وافتتح محمد واسماعيل محلي نوفوتيه بعد عامين من سفرهما. وعندما سافر الأخ أحمد الى البرازيل في صيف 1965، عمل مع الأخ محمد الذي افتتح له محلا آخر، لم يرغب محمد واسماعيل البقاء في البرازيل، وخططا للعودة الى البلاد في صيف العام 1967، لكن حرب حزيران 1967وما تمخضت عنه من احتلال حال دون ذلك، وعاد ابن العم اسماعيل في صيف العام 1970 ضمن نطاق ما يسمى قانون جمع شمل العائلات، وبقي في البلدة الى أن توفاه الله في ربيع العام 2008، أما الأخ محمد فقد عاد في صيف العام 1972 على أمل السفر الى الولايات المتحدة، وقد تحقق له ذلك في اكتوبر 1977، أما الأخ أحمد فقد سافر من البرازيل الى هيوستن في ولاية تكساس الأمريكية، بعد أن حصل له ابن العم محمد موسى شقيق اسماعيل على قبول في جامعة هيوستن، وابن العم محمد موسى اندلعت حرب حزيران 1967 وهو يعمل مدرسا في المملكة السعودية منذ العام 1961، فسافر الى أمريكا ودرس هندسة الكهرباء في جامعة هيوستن، وتزوج من أمريكية ولا يزال يعيش هناك، وهو رجل اعمال ناجح جدا. في هيوستن: ما علينا ...وصلت بيت أخي أحمد في هيوستن، وهو بيت أمريكي حديث-كوتيج- يعيش فيه أخي وزوجته Petty الأمريكية، وابنتاهما نادية وستيفاني، -وقد طلقها احمد في بداية تسعينات القرن العشرين، وتزوج في شباط-فبراير- من فتاة مقدسية اسمها فاتن-. كان أحمد يعمل صيدلانيا في احد مستشفيات هيوستن، يغادر البيت في السابعة صباحا، ويعود اليه في الخامسة مساء، وعطلته الأسبوعية يوم الأحد...سهرنا سوية...سألني عن أفراد العائلة، وعن الأشخاص الذين ولدوا بعده، وركز في أسئلته على شقيقي داود الذي كان في الثانية والنصف من عمره عندما سافر أخي أحمد، وكان أحمد يحبه بشكل لافت. في صباح اليوم التالي لوصولي لهيوستن، استيقظت مبكرا...اتجهت الى المطبخ لاعداد كأس شاي، وأحمد وزوجته نيام، في حدود السادسة والنصف رن جرس الهاتف، فصاح احمد من غرفة نوم : هذا ابن عمك محمد موسى..ردّ عليه...وعندما قلت: هالو قال: عفوا مين بيتكلم؟ قلت: جميل. قال: متى وصلت؟ قلت: مساء الليلة الماضية. نفخ غاضبا وقال: الله يسامح اخوك احمد...لم يخبرني...انتظرني انا قادم اليك ، وأغلق الهاتف. وصل بعد أقل من ربع ساعة، كان عاتبا جدا على أخي احمد لأنه لم يخبره بقدومي كي يشارك في استقبالي، اصطحبني معه ومضى أحمد الى عمله في المستشفى. محمد ابن عمّي كان في حينه يملك محل صرافة، ويعمل في العقارات، يشتري بيوتا ويقوم بترميمها...ثم يبيعها..وهكذا، ذهب بي الى محل الصرافة، حيث تعمل فيه حسناء سوداء البشرة، طاف بي في هيوستن، تجولنا في البلدة القديمةDown town حيث ناطحات السحاب، والجسور ذات الطوابق المتعددة، والتي يبلغ طولها كيلو مترات، كنت وابن عمي متحفظين في الكلام أمام بعضنا البعض، فقد افترقنا وأنا طفل في الثانية عشرة من عمري، فهو مولود في العام 1942، وسافر الى السعودية في صيف 1961 وفي العام 1967 الى أمريكا، التقيته مرة واحدة عندما عاد الى البلاد في آب - أغسطس- 1974 لأسبوع عندما توفي والده المرحوم عمّي موسى، التقينا ضمن لقاءات أسرية شاملة، لم تكن كافية لتعارفنا، سألني عن كل فرد في الأسرة، وعن بعض أبناء جيله من أبناء البلدة، شرح لي عن المناطق التي كنا نمر بها، وعند الظهيرة اصطحبني الى مطعم أسماك فاخر، تناولنا فيه طعام الغداء وهو يشرح لي كيف عمل نادلا في هذا المطعم عندما كان طالبا في الجامعة، قال لي: أنا مدين لهذا المطعم بتعليمي، ففيه عملت ومن أجرتي فيه دفعت الأقساط الجامعية، وأرسلت نقودا للوالدين في البلاد، وفي المساء عدنا الى بيته حيث التقينا زوجته الأمريكية جويس، وهي سيدة فاضلة تنحدر من أصول ايطالية، تحمل الماجستير في علم النفس، وتعمل رئيسة قسم في مركز هيوستن الطبي- اكبر مركز طبي في العالم- ويرتاده الأثرياء العرب وأبناء الطبقات الحاكمة للعلاج، وتوفي فيه الراحل الكبير الشاعر محمود درويش في آب-أغسطس- 2008، والتقيت طفلته أمندا..التي ما أن رأتني حتى تقدمت مني واحتضنتني بفرحة بالغة، عندما قدمني والدها لها قائلا: ابن عمّي جميل....سألتني عن جدتها لأبيها"صبحة". في المساء عاد أخي أحمد من عمله...اتصل به ابن العم محمد، وطلب منه أن يحضر بصحبة زوجته وابنته لتناول طعام العشاء معنا...تناولنا العشاء وعدنا الى بيت الأخ أحمد...وهناك اتصل الأخ محمد من بورتوريكو، وأقنع أحمد بأن يسمح لي بالسفر اليه، وبعد جدال طلب من أحمد أن نسافر كلانا الى بورتوريكو ولو لبضعة أيام، فاشترى أحمد تذكرتين لنا لمدة يومين ابتداء من نهاية الأسبوع، أمضيت بقية الأسبوع بصحبة ابن عمّي نهارا وبصحبة أخي ليلا، وفي احد الأيام اصطحبتني زوجة أخي أحمد الى حديقة حيوان هيوستن، وهي حديقة تمتد على آلاف الدونمات، والحيوانات تعيش فيها في بيئة تشبه بيئة حياتها في البراري حيث مواطنها الأصلية، وهناك رأيت أفعى الكوبرا للمرة الأولى، كانت موجودة في غرفة زجاجية، ترفع رأسها وجزأها الأمامي، وتهاجم من يقترب من زجاج غرفتها، فيرتطم رأسها بالزجاج محدثا دويا مرعبا، وهناك رأيت أفعىAnaconda الضخمة والتي تعيش في الأمازون، طولها أكثر من أربعة أمتار، ووسطها ضخم كساق شجرة معمرة، كانت تلتف على نفسها في بيتها الذي يشبه الكهف، وواجهته المواجهة للمتفرجين من زجاج مقوى. في بورتوريكو: لم يخبر أخي أحمد أخانا محمد عن تاريخ وموعد وصولنا الى مطار سان خوان عاصمة ولاية بورتوريكو، وصلنا المطار عصرا، استقلينا سيارة الى فندق روكفلر، وهو فندق كبير مكون من عدة بيوت تراثية، كان يستقبل فيه روكفلر الجد ضيوفه، وأصحابه، يركبون الخيل ويقضون اجازاتهم، ويقع علي شاطئ الأطلسي، ومن غرفة الفندق اتصل بأخينا محمد الذي يعمل ويقيم في مدينة اوروكوفيس، والتي تبعد حوالي ساعة سياقة، فجاءنا عاتبا لعدم اخباره بقدومنا كي يستقبلنا، ولسكننا في فندق بدل بيته، لكن أخي أحمد بقي مصرا على بقائنا في الفندق حتى صباح اليوم التالي، والشوارع في ساحات الفندق ملأى بشجر جوز الهند، وعلى الرصيف "خوازيق" نحاسية لمن يريد أن يثقب ثمرة جوز الهند ويشرب سائلها. قبل وصول الأخ محمد الينا ذهبنا الى مطعم الفندق في البناية الرئيسة لتناول طعام العشاء، فوجدنا عند بوابة المطعم حارسا ضخما أسود البشرة، لا يجيد الانجليزية كغالبية سكان بورتوريكو الذين ينحدرون من أصول اسبانية، ومعرفتهم للانجليزية في غالبيتهم كمعرفة من أنهى المرحلة الاعدادية في بلادنا، منعنا من الدخول وقدم لنا ورقة بالانجليزية مكتوب فيها:" حفاظا على تراث عائلة روكفلر، يمنع دخول المطعم الا بلباس رسمي...بدلة سوداء...قميص ابيض وربطة عنق حمراء، اذا لا توجد معكم هذه الملابس بامكانكم استئجارها من الطابق الثاني... أو بامكانكم طلب الطعام من خدمة الغرف ..نأسف لازعاجكم"...غضب أخي أحمد ورفض العشاء...دخلت الى الغرفة... بجانب الهاتف كانت قائمة بأسماء المأكولات باللغتين الاسبانية والانجليزية، بينما كان أخي أحمد يجلس في برندة تطل على مياه المحيط، اتصلت برقم خدمة الغرف...ردت عليّ امرأة تسألني عمّا أريد طلبه، وبما أنني لا أعرف أسماء الطعام بالانجليزية، طلبت لها أن تختار لنا طعاما شهيا. وبعد دقائق حضرت فتاة حسناء بصحبتها شابان يحملان العشاء، واحد يحمل وعاء معدنيا لتسخين الطعام على الشموع، وآخر يسوق عربة عليها صنوف مختلفة من الطعام ...سلطات ومقبلات..وصحني لحمة، بينما هي تحمل صحنا زجاجيا فيه ثمرة الأناناس يزيد وزنها على العشرة كيلو غرامات، ومغروس في خارجها عيدان تنظيف الأسنان، لم أعرف ثمرة الأناناس لأنني لم أرَ هذا الحجم الضخم في بلادي، فحسبتها وردة للزينة، لكن أخي أحمد عرفني بها، الثمرة مقسمة الى عدة أقسام عرضية، وأعيدت الى مكانها، واللب فيها مقسم الى أقسام، يستطيع المرء أن يتناولها بعيدان الأسنان، وفي اليوم التالي وجدناها قد نزّت في الصحن أكثر من ثلاث ليترات عصير. سهرنا حتى منتصف الليل تقريبا ورفض الأخ أحمد أن نذهب مع أخينا محمد، فبقيت معه على أمل أن يأتينا لنذهب سوية في اليوم التالي. بعد أن غادرنا الأخ محمد خرجت أتجول في ساحات الفندق، وأول ما لفت انتباهي وجود عشرات"سرطعانات" البحر التي تنطلق من أمام بناية باتجاه المياه، كان يراقبها رجل عجوز يهوى اصطيادها ثم يتركها تعود الى المياه، حذرني ذلك العجوز من مغبة الدّوس عليها فابتعدت عنها....بعدها سمعت موسيقى صاخبة فاتجهت الى مكان انبعاث الصوت في البناية الرئيسية، وجدت شابا يلعب تنس الطاولة مع شابة، في حين تراقبهما شابة أخرى، وما أن رأتني حتى استأذنتي كي ألعب معها...لعبنا بضع دقائق ثم جلسنا على طاولة أمام صالة الرقص، طلبت هي زجاجة جعة، وطلبت أنا كأس عصير، شاهدت النجمة السداسية وشما على يدها ما بين الابهام والسبابة، فسألتها ان كانت يهودية فأجابت بنعم، وأضافت بأنها اسرائيلية أيضا سافرت الى أمريكا لتجمع مبلغا ماليا وتعود الى "ارض اسرائيل"، فأخبرتها بأنني فلسطيني من القدس المحتلة، وافترقنا دون كلمة وداع...وفي هذه الأثناء أطل علينا أخي أحمد الذي كان يبحث عني خائفا من أن لا أعرف العودة الى مكان سكننا...نمنا ليلتنا وفي الثامنة صباحا كأن أخونا محمد يدق الباب علينا...حملنا حقائبنا وغادرنا الفندق الى مطعم لتناول طعام الأفطار، تجولنا في سان خوان حتى الساعة الواحدة واتجهنا الى المطار لاستقبال أخينا جمال القادم من واشنطن، وأخونا جمال المولود في العام 1957 غادرنا في العام 1977 الى تشيكوسلوفاكيا، حيث درس هندسة الانتاج الزراعي، ثم سافر الى أمريكا بعدما تعثرت عودته الى أرض الوطن، وهناك قدم له الأخ احمد معاملة هجرة الى امريكا، وحصل على الجنسية الأمريكية، استقبلنا جمال وعدنا الى اوروكوفيس، حيث يملك الأخ محمد نوفوتيه لبيع الملابس الجاهزة، يساعده فيه ابنه المرحوم كمال الذي لحق به في العام 1982، وتوفي في كانون أول-ديسمبر-2008تاركا خلفه ابنان شابان هما محمد ونزار اللذين يعيشان مع جدهما أخي محمد في بورتوريكو، الأكبر محمد يدير محلا تجاريا، والأصغر نزار يدرس الطب هناك، وتزوج فتاة من بنات بلدتنا، ويستأجر بيتا في نفس المدينة، وأوروكوفيس مدينة صغيرة تشبه مدن الشرق الأوسط الصغيرة، وكذلك الحال بالنسبة لبقية مدن بورتوريكو باستثناء العاصمة سان خوان، فهي كبيرة نسبيا، ولكنها لا تزيد عن مدينة نابلس الفلسطينية، وبورتوريكو جزيرة في البحر الكاريبي، وهي جزيرة بركانية، جبالها شديدة الوعورة وسهلة الانهيار، وشوارعها نتيجة لجغرافيتها لا تزيد في اتساعها عن شوارع قرى بلادنا، وهي مغطاة بالغابات الكثيفة، حتى أن أجزاء من بعض الشوارع مغطاة بجذوع الأشجار الممتدة من الجانبين بما يشبه الأنفاق، ويعتاش أهلها على الزراعة في غالبيتهم، وأشهر مزروعاتهم هو الموز، وهو صنفان: صنف شبيه بموز بلادنا لكن قرونه أكبر، وصنف لا ينضج ويستعملونه للطبيخ، يقلونه مع البيض أو البطاطا، ويعتبرونه أكلة شعبية تقدمها مطاعم تلك البلاد مع السلطات...أمّا جوز الهند والأسكدنيا فهي شجار برية في بلد تكسوه الغابات، وثمرة الأسكدنيا كبيرة، وما يصل بلادنا هو بذورها. وجزيرة بورتوريكو تشتهر بكثرة ضفادعها، التي تنتشر في كل مكان بكثافة، وبأحجام وأصناف مختلفة، وهي تلتصق بنوافذ البيوت، وشوارعها تكاد تكون مرصوفة بالضفادع التي تدوسها عجلات السيارات، حتى أنهم يطلقون عليها جزيرة الضفادع. ومساحة بورتوريكو تسعة آلاف كيلو متر مربع، وهي جزيرة دائرية، اذا ما انطلق المرء من نقطة ما على الساحل في السادسة صباحا مثلا، فانه سيعود الى نقطة انطلاقه في السادسة مساء. وسكان بورتوريكو من أصول اسبانية، بشرتهم تشبه بشرتنا، وهم فلاحون طيبون، يقتنون الدجاج، وتشتهر عندهم مصارعة الديكة الدامية، ويتركون بيوتهم مفتوحة، واذا ما مرّ أحدهم بأيّ شخص فانه يحييه، واذا ما أراد شخص شراء الموز منهم وهم في المزارع فانهم يقدمون له قطف موز مجانا، ويرفضون استلام ثمنه باصرار وعناد، ومن يمرّ بهم وهم يأكلون فانهم يدعونه لمشاركتهم طعامهم، تجولنا أربعتنا-محمد، أحمد، جمال وأنا- طيلة اليوم الثالث وأوصلنا أحمد عصر ذلك اليوم الى المطار الذي غادرنا عائدا الى هيوستن، غادرنا غاضبا لأنني لم أعد معه، وفي المساء عدنا الى البيت حيث عمل أخونا محمد عشاء فاخرا دعا اليه عددا من أصدقائه العرب، وغالبيتهم فلسطينيون، ومدير بنك في المدينة، كان العشاء عبارة عن خاروفين محشوين بالأرز والصنوبر والحمص والعدس واللحم المفروم، وشواؤهما يستمر أربعا وعشرين ساعة، في مزرعة يملكها أردني أصيل من منطقة عجلون، متزوج من أمريكية، يملك بيتا جميلا على قمة جبل، وفي منحدر الجبل حفر حفرة كالقبر، فيها ثلاث عقدات من الباطون، وللعقدين العلويين باب حديدي، يوضع في كل واحد منهما خاروفا محشوا، والعقدة الأولى للنيران المكونة من جذوع الأشجار الضخمة، ويستمر الشواء على نار هادئة لمدة 24 ساعة، انها تشبه" الزرب" المعروف في بادية بلاد الشام، وهي من أشهى المأكولات ان لم تكن أشهاها على الاطلاق، ومن شدة اعجاب مدير البنك بتلك الأكلة استأذن بأن يحمل صحنا لزوجته، وسأل عن كيفية عملها، فصرفه أخي محمد عن الموضوع بقوله: هذه الأكلة معروفة في بلادنا، وقد أحضرها إخوتي معهم من البلاد" ولا أعلم إن انطلت الحيلة عليه أم لا، لكنه لم يعد يتحدث بالموضوع. نقيق الضفادع يسلب النعاس من عيون من لم يتعود على سماعه، وذات صباح استيقظت مبكرا، خرجت الى حديقة المنزل، ورأيت عصفورا جميلا يرشف رحيق زهرة وهو يرفرف في الجو، منقاره في وسط الزهرة وهو واقف في الجو، جناحاه يرفرفان وتغريده العذب يعلو، سعدت بذلك العصفور الجميل الذي عوضني عن ازعاج نقيق الضفادع. كنا نخرج يوميا من الصباح الى المساء، نتناول طعام الغداء سمكا شهيا في أحد المطاعم الفاخرة على شاطئ البحر، مطاعم مجهزة بشكل لافت، أمامها كواسر أمواج صخرية، من السهل على المرء أن يرى الأسماك الملونة وهي تتساقط مع أمواج البحر بين الصخور، لتعود بعد معاناة الى البحر ثانية وهكذا، وبعض هذه المطاعم يملك سفنا تبعد عن الشواطئ عدة كيلو مترات، وهي عبارة عن مطاعم عائمة لمن يريد تناول طعامه في عرض البحر، يحمله قارب من المطعم الى السفينة، ومن عادات تلك المطاعم، أنك تطلب نوع السمك الذي تريده، ويسألك النادل ان كنت تريده مقليا بالزيت، أو مشويا على الفحم، ويقدم لكل فرد سمكة كاملة، وفي المرة الأولى طلبنا سمكة مقلية، وسمكتين شواء، وكانت وزن احداها يزيد على الخمسة كيلو غرام، في حين كانت الأصغر تزيد على الكيلو غرام. عزات ودعميس: بعد مغادرة أخينا أحمد لبورتوريكو حضر عزات حسن بدران، وهو رجل طيب من مواليد عنبتا، وصديق لأخي محمد، وهو رجل كريم النفس طيّب الخلق، وموفق في تجارته، ومعه شقيقه صبري الذي يكبره عمرا، وأقسم أغلظ الأيمان أن نلبي دعوته لنا بتناول طعام الغداء في بيته في مدينة مجاورة، وكنت أعرف الرجل من قبل، فقد سبق وأن زارنا في بيتنا في جبل المكبر حاملا نقودا مرسلة من أخينا محمد، وزرته في بيته في عنبتا أكثر من مرة، وتعرفت على المرحوم والده، وعلى اخوانه، وزوجته سلمى امرأة فاضلة من عنبتا أيضا، وهي ابنة خاله، والدها كان رئيس الغرفة التجارية في طولكرم، فلبينا دعوته، ووجدناه قد دعا اليها أكثر من عشرين شخصا عربيا، وقدم مائدة تكفي لأكثر من مائة مدعو....وله أيادٍ بيضاء على أخي محمد، فقد ساعده عندما وصل الى بورتوريكو، ومنه اشترى محمد محله التجاري الأول. وعزات بدران له الفضل في بناء عشرات المساجد في بورتوريكو. وقد كانت مشكلة في كيفية التخلص من دعوات الحضور الذين تسابقوا ...كل منهم يريد منا تحديد موعد لعزومتنا في بيته، فتملصنا منهم على أمل تحديد الدعوة لاحقا، باستثناء "دعميس" رجل الأعمال الناجح جدا، وابن قرية كفر مالك القريبة من رام الله. ...فقد لحق بنا في اليوم التالي الى بيت أخي محمد وأصر على دعوته فلبيناها.. الأواني الفخارية: وذات يوم ذهبنا لتناول وجبة العشاء في مطعم فاخر في سان خوان، فقدموا لنا السلطات وما طلبناه من لحوم في أواني فخارية، وحتى الماء كان بأباريق فخارية، أما الكؤوس فكانت من زجاج ليرى المرء ما بداخلها، رحبت بنا النادلة بابتسامة عريضة، ولمّا سألتها عن سبب استعمال المطعم للأواني الفخارية، أجابتني بفخر واضح: انها تراثنا الاسباني، فأنت تعلم أننا ننحدر من أصول اسبانية. فقلت لها بأن الفخار تراث عربي نصنعه ونستعمله حتى الآن...فردت: لا تنسَ أن العرب حكموا اسبانيا...وأسموها الأندلس وقصر الحمراء من أعظم الشواهد التاريخية، وأضافت بأن العرب تزاوجوا مع الاسبان، وسألت: ألا ترى أننا نتشابه بلون البشرة وبعض العادات؟ شكرتها على خدمتها ولطفها وحزنت على أمتي التي كانت ماجدة وما عادت. قصر الحاكم الاسباني: ذات يوم كان أخي محمد مشغولا، فطلب من صديقه أبي مشهور، وهو فلسطيني طيب من عين يبرود قضاء رام الله أن يصطحبنا معه في نزهة يومية، فقادنا أبو مشهور الى المناطق الأثرية القديمة في سان خوان، حيث يوجد سور ضخم، مثبتة عليه مدافع قديمة، كانت تستعمل لصد الغزاة في القرون السابقة، وهناك بناية ضخمة تشبه سجون بلادنا التي تركها لنا الانجليز في كل مدينة من مدننا، وحولها ساحة تشبه ملعب كرة القدم يغص بالزائرين، سعر تذكرة دخولها اثنا عشر دولارا، فحسبت البناية متحفا، وعندما دخلنا الطابق الأول لم أشاهد شيئا لافتا، فخرجت وأنا أعجب من أناس يلمسون الجدران بدهشة، بينما واصل أبو مشهور وأخي جمال التجوال في البناية، في الخارج سألت امرأة عجوزا عن هذه البناية وماذا تمثل؟ فأجابتني بأنها بناية تراثية، فعمرها يزيد على مائة عام، وهي البناية الأقدم في بورتوريكو، وكانت مقرا للحاكم الاسباني، فقلبت شفتي السفلى عجبا، وقلت للمرأة قد لا تصدقين بأنني قادم من منطقة عمر مدنها وأبنيتها آلاف السنين...فقالت: طبعا لن أصدق...من أين أنت؟ وعن أيّ بلاد تتحدث؟ فأجبتها: من فلسطين. وعادت تسأل: أين تقع هذه البلاد؟ فرددت عليها بسؤال: ألم تسمعي بالقدس وبيت لحم؟ ألم تسمعي بالأرض المقدسة؟ فأجابت: هل تعني اسرائيل؟ ورددت: بل أعني فلسطين. الخراف غير مرغوبة لحومها: الأمريكيون في غالبيتهم يأكلون لحوم البقر والخنازير، أما الخراف فغير مرغوبة لحومها، بل إن غالبيتهم لا يأكلونها، ويضعونها في المزارع للزينة، وفي بورتوريكو يشتريها العرب والشرق أوسطيون بسعر رخيص جدا، اصطحبنا أخي محمد الى مزرعة، واشترى خاروفين بخمسة عشر دولارا، ومن شدة خصب تلك البلاد فان المرء لا يرى الأبقار من طول الأعشاب الا اذا رفعت رؤوسها، أما الخراف فان المرء يحتار من أين يأتي بها حارس المزرعة الذي يبيعها من وراء مالك المزرعة، أحضر الحارس الخاروفين عند مدخل المزرعة، فطلب منه أخي محمد أن يذبحها مقابل أن يعطيه بنطالا من محله في اليوم التالي، وهو يعطيه بنطالا انتهت موضته، وتكلفته عليه دولارين، ومعروف أن الأمريكيين مهوسون بالموضة، علق الرجل الخاروفين من قائمتيهما الخلفيتين على عارضة حديدية تشبه عارضة ملعب كرة القدم، وفي هكذا تعليق لا يستطيع الخاروف حراكا، هو يذبح وأخي محمد يردد: بسم الله...الله اكبر، سلخ الخاروفين..ألقى بالمعدة والأمعاء والرأس الى كلبه، في حين طلب منه اخي محمد أن يحفظ لنا المعلاق"الكبد+الرئة+القلب والطحال"...فسأل لماذا تريدونها؟ فأجابه أخي محمد: نريدها لقطِّنا في البيت. فقال: الرئة تنفع للكلاب لكنها تضر القطط... وألقى بالرئة للكلب، وأراد أن يلقي الطحال...لكن أخي محمد التقطه منه....شق كل خاروف الى نصفين، وحملناها وعدنا، وفي الطريق مرّ بنا أخونا محمد الى بيت امرأة كان قد تزوجها للحصول على الجنسية الأمريكية وما لبث أن طلقها، استقبلتنا المرأة دون أن تعرف صلة القربى بيننا، وهناك أشعل الكانون لنشوي عليه معلاقي الخاروفين وبعض اللحوم، لم تشارك المرأة في عملية الشواء، بل كان التقزز ظاهرا عليها، كانت تحادثه بالاسبانية التي لن نعرفها، لكنها تكلمت بلهجة حادة كما بدا لنا، فانفرط ضاحكا، وترجم لنا ما قالته له وهو،"اتق ربك بهؤلاء المهابيل...ولا تقتلهم، وهل تريد الخلاص منهم بتسميمهم بهذه اللحوم السامة"؟ فضحكنا سوية. محمد في الولايات المتحدة: عندما عاد أخي محمد من البرازيل عام 1972، كان دائم الشكوى من سبل العيش في البلاد تحت الاحتلال، وكان يمني النفس دائما بالسفر الى الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أنه وصل الى درجة التمني داعيا الله أن لا يميته الا في تلك البلاد، وأنجب بعد عودته ثلاثة أبناء هم:"ماري، حسين وسائد" وشرع ببناء بيت، وقبل اكتمال البيت حصل على تأشيرة دخول-فيزا- لزيارة الولايات المتحدة، فغادر البلاد فورا في اكتوبر 1977، كان ابنه سائد رضيعا يحبو، سافر الى هيوستن، حيث الأخ أحمد وابن العمّ محمد موسى، وأحمد تخرج من الجامعة حديثا، ولا يملك نقودا سوى 4500دولار كما قال لي لاحقا، ومحمد أراد أن يعمل بائع حقيبة كما فعل عند بداياته في البرازيل، فأخبراه باستحالة ذلك في مدينة ضخمة كهيوستن، وأعطاه أخونا أحمد الأربعة آلاف وخمسمائة دولار التي لا يملك غيرها، وعرض عليه ابن العمّ محمد وهو شقيق زوجة أخينا محمد عشرة آلاف دولار مقابل أن يعود الى زوجته وأبنائه في البلاد، لكنه رفض وغادرهم دون استئذان الى بورتوريكو حيث يتكلم شعبها الاسبانية، التي يعرفها من البرازيل، والشعب البرازيلي يتكلم البرتغالية التي هي قريبة جدا للاسبانية، وهناك عمل بائع حقيبة لمدة سنة، وبعدها افتتح محل نوفوتيه. عودة الى هيوستن: بقيت في بورتوريكو ثلاثة أسابيع متواصلة، وغادرتها قبل عودتى الى البلاد بيوم واحد، وهي من أجمل بلدان العالم، غادرتها محملا بثلاث حقائب سفر ملابس من محل أخي محمد، واحدة منها لابني البكر قيس الذي انهى عامه الأول من العمر،عدت الى هيوستن عن طريق مطار أطلنطا حيث افترقت عن أخي جمال الذي عاد الى عمله في واشنطن، فوجدت أخي احمد وابن عمّي محمد موسى في استقبالي، تناولنا طعام العشاء في مطعم فندق، وسهرنا في بيت أحمد، أراداني أن أمدد رحلتي، لكنني رفضت باصرار، ففي بداية شهر ايلول سأعود الى عملي مدرسا للغة العربية في المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس الشريف. وفي ساعات الصباح الأولى حضر ابن عمّي محمد موسى، وأقلني بسيارته الى المطار برفقة أخي أحمد، تناولنا طعام الافطار في فندق قريب من مطار هيوستن، وغادرتها عائدا الى بلادي. رحلتي الثانية الى أمريكا: في آواخر آذار 1990 غادرت القدس الى شيكاغو على عجل بعد أن تلقيت مكالمة هاتفية من أخي جمال، استقليت طائرة من مطار اللد الى مطار نيويورك، وهناك استقبلني أخي أحمد، فقد ترك احمد العمل في الصيدلة واشترى بقالة في هيوستن شريكا مع محمد موسى ابن عمي، وما لبثا أن باعا البقالة، واتجه أحمد لنيويورك لأن اقتصاد هيوستن المرتبط بالبترول يعاني كسادا، اشتراه في حيّBronx وغالبية سكانه من السود، ولا يزال أحمد الذي يملك عقلية تجارية بوصلتها لا تخطئ، يملك هذا المحل التجاري حتى أيامنا هذه، أمضيت حوالي 24 ساعة في نيويورك بصحبة أخي أحمد وأخي طه الذي يكبرني بعامين، وقد هاجر الى أمريكا في صيف عام 1987 بعد أن عمل له أخونا أحمد هجرة الى أمريكا، وافتتح له سوبرماركت قريبا من محله، وبقي طه عدة سنوات مع أحمد، وما لبث أن تركه وانتقل الى العمل في ميامي في ولاية فلوريدا بصحبة أبنائه اياد-37- عاما، نضال-35- وثائر-33- عاما، أمضيت صباح اليوم التالي بصحبة طه، حتى حان موعد سفري فأوصلني أحمد الى المطار حيث غادرت الى شيكاغو، وفي مطار أوهيرو في شيكاغو، وهو المطار الأكثر حركة في العالم، يستقبل كل 30 ثانية طائرة، وتغادره أخرى، لم أجد أحدا في استقبالي، فحاولت الاتصال بأخوتني ولم أجد ربع دولار كي استعمل الهاتف العمومي، ولم أجد من يصرف لي قطعة المائة دولار، فتبرعت سيدة سوداء ودفعت ربع الدولار وطلبت لي الرقم مشكورة، وردّ عليّ شقيقي داود، الذي أخبرني أن أخي جمال ينتظرني في المطار، وتبين لاحقا أن كل واحد منا كان في طابق، واهتدينا الى بعضنا البعض بعد حوالي نصف ساعة، وكان أخي جمال قد افتتح عام 1987 بقالة في جنوب شيكاغو وتحديدا في الشارع 79-وهي منطقة للسود تعج بمدمني الكحول والمخدرات- بمساعدة وشراكة من أخي محمد الموجود في بورتوريكو، والتحق به شقيقي داود المولود في أواخر كانون ثاني-يناير 1963 في شهر تموز-يوليو- 1988، وشقيقي داود هو الأقرب الى قلبي من جميع أخوتي، فقد عشت وإياه في بيت واحد، وأنا من استخرج له شهادة ميلاده عندما ولد، وهو شاب وسيم ذكيّ لمّاح، حتى أن علاقتي به كانت أبوية أكثر منها أخوية بسبب فارق العمر بيننا الذي يصل الى اربعة عشر عاما، ووجدتهما قد افتتحا ثلاث محلات أخرى في جنوب شيكاغو، واحد يعمل فيه ابن خالتنا حسين المصري الذي لا يزال يعيش في شيكاغو، والآخران يعمل فيهما موظفون عرب، وقد وقعت في احدهما جريمة قتل مدمن مخدرات ينحدر من أصول مكسيكية، وتم اعتقال موظفين عربيين من بلدتنا نفسها، واعتقال أخي جمال كونه مالك المحلات للتحقيق معه، وخرج بكفالة بعد مرور 48ساعة، في حين بقي الآخران 28يوما، وانتهت القضية ببراءة الجميع بعد حوالي سنتين، وبخسارة وصلت نصف المليون دولار، حيث بيعت المحلات الأربعة. وأخي جمال كان قد تزوج من ايمان بنت الأديب الراحل خليل السواحري، وكانت الأسرة تسكن في حيّ راق للبيض على الشارع رقم87، وفي بيت اشتراه جمال مكون من طابقين وتسوية. الخوف من الإيدز: في اليوم الثاني لوصولي شيكاغو جلست على كرسي أمام"الكاونتر" في المحل رقم1800على الشارع رقم 79 الذي يملكه أخوتي، وحوالي العاشرة صباحا دخلت طفلة سوداء جميلة في حجم ابنتي أمينة ابنة الثلاثة أعوام، دخلت مع رجل، وما أن رأتني حتى انطلقت باتجاهي باسمة، وضعت رأسها على ركبتي، تماما مثلما كانت تفعل ابنتي أمينة، مسدت على شعرها، وأعطيتها سكاكر بدون مقابل ثمنها حوالي ثلاثة دولارات، فشكرني الرجل وانصرف والطفلة تحاول العودة إليّ، وفي حوالي الثالثة بعد الظهر دخل ثلاثة رجال، أحدهم يحمل بندقية، والثاني مسدسا والثالث عصا بيسبول في يد، وسكينا ذا حدّين في اليد الأخرى، صوبوا اسلحتهم باتجاه رأسي وأحدهم يصرخ:اجلس على ركبتيك ووجهك للحائط وإلا ستموت، فاستجبت لتهديدهم وأنا أحسب أن العملية عملية تقشيط، وهي تحصل كثيرا في هكذا مناطق، ومن لم يستجب لطلباتهم فانهم يقتلونه فورا، وصرخ أحدهم: ماذا فعلت بفتاتي أيها الوغد، فحسبت الأمر قد التبس على الرجل وأن شخصا ما قد اغتصب أو اعتدى على عشيقته، فجرحني بالسكين في خدي الأيسر وهو يردد: لقد فضحتني مع صاحبتي، فقد أخبرتها ابنتها أن عربيا في المحل قد أعطاها الحلوى مجانا، لأنه لا يملك ما يشتري به شيئا للطفلة، فوبخته عشيقته، وجاء ليثأر مني تحت تأثير المخدرات والكحول، استغرقت العملية أقل من دقيقة قبل أن يهربوا، وحضرت الشرطة بعد ثلاث دقائق بعد أن داس أحد العاملين على جرس الانذار الموجود قريبا من قدمه. حضرت الشرطة وأقلتني الى مستشفى، وهناك وجد الأطباء أن لا حاجة لتقطيب الجرح، لأنه سطحي، لكنني وقعت في مشكلة اخرى، عندما أخذوا مني دما للفحص خوفا من عدوى الايدز، فمدمنو المخدرات هؤلاء قذرون، وسكاكينهم قذرة وقد تكون ملوثة بفيروس الإيدز....ضاقت الدنيا في وجهي، وتوترت أعصابي، ودارت في رأسي أفكار سوداوية كثيرة، فاذا انتقلت عدوى فيروس الايدز إليّ فماذا سيقول الناس عني؟ وهل سيصدقون قصتي الحقيقية؟ لم أنم ليلتها...فكرت بطفليّ"قيس وأمينة" وبزوجتي، وبدموع أمّي وأحبتي، فعشقت لحظتها الحياة من أجل طفليّ وزوجتي، وخوفا على دموع أمّي، لم أذق طعما لطعام أو شراب سوى الماء، وفي صباح اليوم التالي أخبرني المستشفى بأنني سليم معافى، فدبّت فيّ الحياة، وشعرت أنني ولدت من جديد. أحياء المخدرات: منطقة جنوب شيكاغو في غالبياتها يقطنها السود وقليل من المكسيك، وهم في غالبيتهم مدمنو مخدرات وكحول، ويفتتح العرب في هذه الأحياء محلات تجارية، لأن البيض لا يدخلونها، والسود لا يستطيعون فتح محلات، وبالتالي فانه لا منافس لهم، وهذا سبب أيضا لمقتل البعض منهم على أيدي العصابات، وهذه المنطقة تحكمها عصابتان هما:Fox وkingsويسقط ضحايا من الطرفين بشكل شبه يومي، وبعض هذه المناطق لا تدخلها الشرطة الا بطائرات الهليوكبتر لخطورتها، وتجارة المخدرات يقوم بها أطفال دون العاشرة، لأنه يمنع على الشرطة تفتيش الأطفال، أما البالغون فانهم يرتدون بنطالين عند حملهم للمخدرات، واذا ما طاردتهم الشرطة فانهم يهربون ويتخلصون من البنطال الخارجي، ويمنع على الشرطة ادخال أيديهم في جيوب المتهمين الا في مراكز الشرطة وبأمر قضائي، ويبدو أن السود يعيشون على هامش المجتمع الأمريكي، وهذا ما تريده لهم الحكومة، حيث أنهم في غالبيتهم يعيشون على الضمان الاجتماعي، ولا يمارسون أيّ عمل، والجريمة بينهم منتشرة، والأسلحة النارية تكاد تكون في حيازة الجميع. تمييز عنصري: شاهدت بيتا محروقا في أكثر من شارع، ولما استفسرت عن ذلك أخبرني من يعيشون هناك أن البيت يكون قد اشتراه أسود في شارع كله من البيض، فيحرقه سكان الشارع كي لا يتكاثر وجود السود في شارعهم، واذا لم يحرقوه فانهم يبيعون بيوتهم للسود بثمن رخيص نسبيا ويغادرون المنطقة. ذات يوم سألت محاميا أبيض اللون عن سبب كراهيتهم للسود فقال لي: الرجل الأسود كالبق، فاذا ما التصقت بجسدك حشرة البق، فلا تفغصها كي لا يتسخ جلدك بدمها، ادفعها بطرف اصبعك على الأرض، ودُسْها بحذائك. ومن عنصرية البيض ضد السود والملونين في أمريكا، أن أخي جمال عندما اشترى البيت في شارع 87، وجد على الجدار تخطيطا ببوية الدهان الأحمرmove away camel jackie"" -ارحل من هنا يا خيّال الجَمَل-. محاسن الصدف: وذات يوم كنت وأخي جمال نصطف على الدور في السيارة أمام مطعم"ماكدونالد، حيث يطلب المرء ما يريد بالميكرفون عند المدخل، ويستلم طعامه ويدفع حسابه من النافذة، وكان أمامنا سيدة سوداء حجزت شباك المطعم وتعالى الصراخ لأنه نقص عليها دولار ونصف من طلبيتها، فنزلت من السيارة ودفعتها عنها، ولما التفت اليها كانت المفاجأة العجيبة، انها نفس السيدة التي دفعت عني ربع الدولار للاتصال الهاتفي من المطار، وتعارفنا وتبادلنا الزيارات حيث أن زوجها مهندس يعمل في مطار أوهيرو، بينما هي تعمل ممرضة في مستشفى. في الـDown town: في اليوم الثاني لوصولي شيكاغو، وصل أخونا محمد قادما من بورتوريكو، وفي اليوم الثالث اصطحبنا أخونا جمال الى مركز المدينةDown town التي تقع على شاطئ بحيرة متشيغن، وهي بحيرة ضخمة تمخرها سفن عملاقة، ومن لا يعرف طوبوغرافية المنطقة يحسبها بحرا، وناطحات السحاب في شيكاغو تطاول السماء، والجسور تمر من بين الناطحات، هناك جسور للمواصلات من السيارات، وهناك جسور لقطارات البضائع والركاب، والقطارات في أمريكا تسير على الطاقة النووية، والبترول ومشتقاته يباع بسعر أرخص مما يباع في كثير من دول الشرق الأوسط، صعدنا الى بنايةSears المكونة من 134 طابقا، وتعتبر الآن البناية الأعلى في امريكا وخامس أعلى بناية في العالم، وكانت في مرحلة سابقة البناية الأعلى في العالم، وعندما يكون الجو غائما فإن الغيوم تكون تحت من يصل الى أعلى البناية، ومقابل ناطحات السحاب هناك مسبحان على شاطئ البحيرة.. واحد اعتاد السود ارتياده، والثاني للبيض، ويخترق مركز المدينة"نهر شيكاغو" وهو بحر تمخره قوارب سياحية لمن يريد أن يتجول في المركز، ويريد مشاهدة المدينة من عرض البحيرة. الحدائق العامة: في شيكاغو 140 حديقة عامة، تكاد تكون متشابهة، وتزيد مساحة الواحدة منها على الألف دونم، وفي كل واحدة منها بحيرة صغيرة، يعشش على جنباتها الإوز ويبيض ويتكاثر...لا أحد يلمسه أو يزعجه، والحدائق تكسوها أعشاب النجيل والأشجار والورود، وهي مقسمة بطريقة هندسية لافتة، وفيها ملاعب، ويلاحظ امتداد بعض الغابات في داخل المدينة بطريقة مدروسة، فأمريكا كانت تكسوها الغابات، ومن المألوف أن يشاهد المرء الأرانب البرية في مختلف أحياء المدينة، وتدخل حدائق المؤسسات والفنادق والبيوت، ولا يؤذيها أحد تحت طائلة القانون، وشاهدت في أكثر من موقع امتدادات للغابات فيها شوارع وملاعب، خصوصا ملاعب الغولف، والكرة الأمريكية، وفيها قطعان من الغزلان، لا تجفل من أيّ شيء، وتمر من أمام السيارات بخيلاء. التنظيم: الأبنية في الشوارع تسير على نفس النمط، وعلى نفس البعد عن الرصيف وعن الشارع، انها خطوط مستقيمة 100%، بما في ذلك الأبنية القديمة، ولما سألت عن ذلك، أخبرني أحد المهندسين العرب أن جورج واشنطن أول رئيس لأمريكا كان مهندس مساحة، وهو من وضع قوانين هندسة المدن، وشوارع شيكاغو واسعة، بعضها فيه خمس مسارات لكل اتجاه، وتتوسط الاتجاهين جزيرة، وفي الأحياء السكنية الشوارع تتسع لسيارتين في كل اتجاه، وبعده رصيف بعرض مترين، وطريق للمشاة، يليه متران من عشب النجيل، والورود، وبما أن الأمطار تتساقط على مدار السنة، فان العشب سريع النمو، وعلى كل صاحب بيت أن يقص الأعشاب أسبوعيا أمام بيته، ومن لايفعل فان البلدية تخالفه، واللافت أن أصحاب المحلات التجارية مسؤولون عن نظافة الأرصفة المحيطة بمحلاتهم، والا فانهم

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل