المحتوى الرئيسى

المستشار فؤاد راشد يكتب: مولانا مدير الأمن.. وحذاؤه!!

02/28 14:04

لفرط ذهولي أعدت رؤية وسماع المشهد عدة مرات, رأيته منفعلاً غير مصدق، ثم هدأت وعدت لأرى وأسمع.. ضابط هو مدير أمن البحيرة، يتحدث بلهجة متوترة متعالية متعجرفة، كأنه صنع من نور ونار، وليس مثل كل خلق الله، جاء للدنيا من ظهر أبيه ورحم أمه, بدا الرجل منفعلاً واثقًا مما يقول، فأكد المعنى أكثر من مرة، مقررًا أنه هو ورجال الشرطة أسياد المصريين، وأن الحديث عن مساءلتهم هراء ودعاية فارغة لذرِّ الرماد في العيون، أو مجرد شائعات، وأن أي مصري- من طبقة العبيد قطعًا لأنه لا أسياد إلا في مواجهة عبيد- تمتد يده بالسوء إلى سيده لا بد من بترها؛ لا لوقوع خطأ يوجب المساءلة وإنما لأن اليد التي امتدت هي يد عبد وضيع أثيم، وأن من امتدت إليه اليد هو السيد العالي الرفيع!. ولا أعرف أي مرض نفسي ينتاب بعضنا لمجرد أنه تحوَّل من مواطن إلى صاحب سلطة، وقد عاينت من ذلك، وعانيت الكثير عندما كنت مديرًا لإحدى النيابات, وأذكر واقعة مما لا حصر له من الوقائع، مع تسليمي بوجود من لا يُحصَون من رجال الشرطة الأفاضل، فقد دخل مكتبي أحد الناس بزيٍّ تقليدي مما يرتديه أهلنا الفلاحون، وقدم لي شكوى يتضرر فيها من سوء معاملة أحد الضباط له، وكان المأمور يجلس بمكتبي، واستشهد الرجل به مقررًا أنه لجأ إليه ولم ينتصف له من الضابط المشكو، وخرج الرجل، وراح المأمور يتكلم كلامًا عاديًّا وأنا أنصت إليه إلى أن ألقى علي مسامعي جملةً غريبةً صاعقةً؛ إذ تطرق إلى وصف الرجل بأنه (فلاح حقير)!!  ووجمت، وبدا الغضب الشديد على وجهي، ثم قلت له كيف تصف الرجل بالحقارة لمجرد أنه فلاح وأنت مثلي من أبناء الفلاحين، وتلعثم الضابط، وراح يبرِّر قوله الشائن، ولعل المضحك أن والد المأمور أيضًا كان فلاحًا، وإن كنت لا أعرف هل هو بدرجة (حقير) أم لا!. هذه الظاهرة المرضية الغريبة تنتشر خاصةً بين محدثي النعمة ممن تقلَّدوا مناصب تعطيهم سلطات هي في الأصل لخدمة خلق الله، والأصل أنهم جاءوا من بين الناس وليسوا مستوردين من خارج مصر، ولكن الأخلاق سرعان ما تتبدَّل وتهبط هبوطًا مزريًا، ولقد أخبرني صديق بأحد البنوك أن أحد هؤلاء كان يذهب إلى البنك ومن خلفه من يحمل علبة سجائره والولاَّعة في مشهد من مشاهد الكوميديا السوداء!. سبّ الباشا المدير كل أهل مصر عدا هو وطبقة (الأسياد) التي ينتمي إليها, ولأن الداخلية ومن على رأسها، بل ولأن الوزارة ومن على رأسها، ما زالوا مبرمجين على أدائهم القديم وإن أعطوه مسحةَ طلاء خارجي يؤدي دور المسكِّن والديكور فقط دون مساس بالجوهر؛ فقد جاء رد الفعل باهتًا مخزيًا مؤسفًا؛ إذ نقل الشتَّام السبَّاب الذي أهان نحو تسعين مليون إنسان بنقل سيادته؛ فلا هو أوقف عن العمل، ولا أحيل إلى الاحتياط ولا إلى محاكمة عسكرية ولامدنية, فقط اتخذ إجراءًا مسكنًا، ريثما تمر العاصفة ويعود الرجل معززًا مكرمًا إلى مكان أفضل من مكانه الأول، ولِمَ لا وعلامات الاستفهام تلاحق الكثيرين ممن يقودون العمل العام في مصر دون مساءلة. إنني أتقدم ببلاغ إلى النائب العام المصري، وأطلب على نحو جازم أن يُجري التحقيق الجنائي فيما نُسب إلى الضابط المذكور؛ باعتباري مصريًّا شملته الإهانة واتخاذ الإجراء القانوني لمحاسبته، وأحتفظ بحقي في الرجوع عليه بالتعويض المدني، كما أطلب أيضًا وعلى نحو جازم من وزير الداخلية إحالة الضابط المذكور للتحقيق الإداري واتخاذ الإجراء القانوني الواجب حياله، لا تفضلاً من الوزير، وإنما لأنه إن لم يفعل وعلى نحو جادٍّ يصبح شريكًا في إهانتنا ولن نكفَّ عن المطالبة بمحاسبته هو الآخر. وللضابط المذكور وطبقة (الأسياد) التي ينتمي إليها أقول أنتم خدام الشعب وهو من ينفق عليكم، وصاحب الفضل فيما تناله أيديكم من أموال وامتيازات، ومن يرَ لنفسه مقامًا فوق هذا المقام فليرحل ويُرِحْنَا من مرضه وغروره وعنجهيته الفارغة!.------* رئيس محكمة استئناف القاهرة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل