المحتوى الرئيسى

د. عصام العريان يكتب: مخاوف مشروعة وضمانات حقيقية

02/28 09:50

سقط رأس النظام وبعض أتباعه لكن النظام المصري ما زال يحاول جاهدًا البقاء لاعتبارات عديدة. هناك الجيش الذي تولى السلطة على غير قواعد دستورية بناء على الشرعية الثورية التي يتعامل معها على أنها لم تكتمل، وما زال يعمل وفق الدستور القائم قدر الإمكان، ولذلك عطَّله مؤقتًا ليستطيع تولي السلطة، وإجراء انتخابات نزيهة لبرلمان جديد ورئاسة جديدة، على وعد بالعودة إلى الثكنات بعد أن كرّّس للمؤسسة الحق في حماية إرادة الشعب لأول مرة في التاريخ المصري. وهناك أجهزة الدولة ومؤسساتها التي سخّرها النظام السابق لصالح شخص رئيس الدولة وعائلته وحاشيته، فمارست قمعًا لا نظير له، وفسادًا لم يعد يكفي القول بأنه يزكم الأنوف، بل تسبب في اختناق المصريين الذين فوجئوا بحجمه وانتشاره واتساعه وعمقه وتغلغله في أوساط عديدة، والشعب ينادي بتطهير تلك الأجهزة والمؤسسات التي هي ملك للشعب، ويريد استعادتها مع المليارات التي سرقها لصوص العصابة التي أمسكت بمقاليد الأمور خلال العقود الثلاثة الماضية. وهناك فلول الحزب الحاكم سابقًا وحواشيهم ورجال أمن الدولة والمباحث والأمن العام (خاصة القيادات) التي تورطت في الفساد، والأخطر من ذلك أنها تورطت في سفك دماء الثوار، واعتقال المئات وتعذيبهم ببشاعة؛ لإجهاض الثورة، واستمروا في ذلك ولا يزالون في محاولاتهم مستمرون، ويستخدمون في ذلك إثارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، وإثارة العمال والموظفين للمطالبة بحقوق مشروعة في جوهرها إلا أن توقيت المطالبة وكيفيتها يربك المرحلة الانتقالية، في غياب تنظيمات نقابية منتخبة بحرية تتولى عملية التفاوض لنيل الحقوق والمطالب، والمحاسبة لم تتم على الجرائم الحقيقية بينما بدأت بالحواشي ولم تصل بعد إلى النخاع. وهناك القوى السياسية، سواء تلك الحزبية التي عاشت في ظلِّ النظام السابق راضية بقدرها ونصيبها أو تلك الاحتجاجية التي كانت في قلب الثورة، أو الأغلبية التي كانت صامتة وتحركت أخيرًا بعنفوان الثورة، وتريد كل تلك القوى جميعًا التقاط الأنفاس؛ لإعادة ترتيب أوضاعها، وقد انت بصورة أو أخرى جزءًا من أوضاع قديمة تغيرت الآن. وهناك الإخوان المسلمون الذين صبروا طويلاً، وصابروا كثيرًا، ورابطوا أمام مطالب الشعب، ونجحوا في المشاركة الفعّالة، وتنظيم الصفوف وحماية الشعب، وضحوا بآلاف المعتقلين، ومئات المسجونين بعد محاكم عسكرية استثنائية، ومات منهم تحت التعذيب شهداء، ويمتلكون تنظيمًا جيدًا، وشعبية معقولة، وإرادة صلبة، وغاية واضحة محددة لنيل رضا الله ورضوانه، وكانوا على قدر المسئولية؛ حيث قدَّموا المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، كالحرية والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية على الفروع الجزئية والطقوس الشكلية، وأنكروا ذواتهم أثناء الثورة، ورغم كل ذلك أثار المتطرفون من العلمانيين من رعايا النظام السابق وبعض المخلصين المشفقين على مستقبل الوطن قدرًا من المخاوف بعد جمعة النصر التي خطب فيها الشيخ القرضاوي في المصريين جميعًا، بالرغم من نصيحة الإخوان له بعدم الحضور، ورغم عودته سريعًا إلى وطنه الثاني في قطر، فما زال هؤلاء يثيرون المخاوف ويشبهونه بالخميني، رغم التباين الكبير بين المذهبين السني والشيعي، وبين الرجلين، وبين البلدين، وبين السلوكين. ورغم إشادة الجميع بخطاب الشيخ ودوره في الثورة، فقد مارسوا ضدَّه حملة كراهية، وأدَّعو أنه منع الشاب وائل غنيم الذي يشاركه- أحد لإخوان في صفحة كلنا خالد سعيد- عبد الرحمن منصور، بينما الذي منعه كان شابًّا يساريًّا لسبب مختلف تمامًا، وهو أن شباب ائتلاف الثورة اعتبره من الثورة المضادة؛ بسبب دعوته لعدم الحضور إلى يوم جمعة النصر، ولأنه كان يعد مع آخرين لاحتفال آخر حاشد في الصالة المغطاة مع د. حسام بدراوي كما يتردد، بينما قال الشيخ إنه لا يعرف وائل شخصيًّا، وقد لا يطابق شخصه على صورته، وأنه لم يكن بين المنظمين، كما أن الإخوان لم يحتكروا التنظيم للصلاة، وقد سبق صلاة الجمعة قدّاس للأخوة المسيحيين. هل يعني ذلك أنه ليست هناك مخاوف أثناء المرحلة الانتقالية التي لن تنتهي بمجرد إجراء الانتخابات بل ستستمر إلى فترة أخرى لعلها تستمر 5 سنوات، وهي فترة البرلمان القادم، وستكون المهام الرئيسية فيها هي: 1- إرساء قواعد واضحة لحياة سياسية وحزبية جديدة. 2- بناء نظام ديمقراطي حقيقي يمتلك الشعب فيه السلطة، ويمارسها وفق الدستور والقانون. 3- استرداد ثروات الأمة المنهوبة خلال النظام السابق، وإعادة تدويرها لتنمية حقيقية. 4- الاتفاق الوطني العام على دور الجيش في الحياة العامة، وحماية إرادة الشعب، والدفاع عن الوطن. 5- الاتفاق الوطني العام على دور مصر العربي والإقليمي والإسلامي والإفريقي والدولي.في هذه المرحلة سنحتاج إلى إجراءات عديدة من أهمها: 1- تعديلات جوهرية على الدستور، خاصة توزيع السلطات، وتقليص صلاحيات الرئيس، أو إعداد دستور جديد بانتخاب جمعية تأسيسية يشرف عليها البرلمان، ويتم التصويت على مواده في البرلمان ثم الاستفتاء الشعبي عليه. 2- مراجعة شاملة لترسانة القوانين المكملة للدستور، والتي تنظِّم الحياة العامة بالذات، وهذا دور البرلمان والمشرعين الجدد الذين يجب انتخابهم وفق هذا الدور، وتعاونهم في لجان متخصصة من فقهاء القانون والدستور وكبار القضاة. 3- إعادة النظر في أحوال العاملين بالدولة من المدنيين، وجهاز الشرطة، والقضاة، والقوات المسلحة، ليتمكنوا من حياة كريمة. 4- بناء جهاز الشرطة من جديد لمهمة جديدة، وهي خدمة الشعب، وليس خدمة النظام. 5- إعادة النظر في نظام الإدارة المحلية، وإجراء حوار وطني شامل حول الانتقال إلى الحكم المحلي. اليوم تنتاب الكثيرين من المصريين مخاوف مشروعة حول هذه المرحلة الانتقالية. أهم تلك المخاوف في تقديري هي:أولاً: عدم القدرة على تحمل المسئولية.فالحرية لا تعني الفوضى، ولكنها تعني المسئولية.والمصريون اليوم أمام تحدٍّ خطير، وهي أن يتحولوا من رعايا إلى مواطنين. والنواب الجدد لن يكونوا موافقين على طول الخط، ولن يبصموا على مشروعات القوانين التي تأتي من الحكومة، بل يمكن أن تكون لهم الأسبقية في التشريع، كما في الدول المتقدمة، أو على الأقل شركاء للحكومة في اقتراح القوانين. والمجالس المحلية في حالة تحولها إلى حكم محلي ستكون لها سلطات كبيرة في الإدارة المحلية، وليست مجرد هياكل صورية يشملها فساد رهيب. والشعب سيحترم القانون ويقوم بدوره في الرقابة على الجميع. والإعلام سيكون مختلفًا جدًّا، إعلام حرٌّ مسئول. والأحزاب لن تكون مجرد معارضة صورية على طول الخط، بل ستكون أحزابًا حقيقيةً تستعد حال معارضتها لتتحول إلى الحكم إذا فازت بثقة الشعب، وبلك لن تصرخ كما في الماضي، بل تقدم البدائل الجادة إذا عارضت أو توافق عن بينة. الخوف من المسئولية يشمل الجميع، والسؤال هل ننجح كمصريين في تحمل المسئولية والقيام بالأمانة كما نجحنا في الثورة العظيمة التي غيّرت النظام، أو في طريقها لاكتمال تغييره.يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾(الأحزاب). الخوف هنا مبرر، فلم نتعود على ذلك ليس في تاريخنا الحديث، بل في معظم فترات تاريخنا على مدار العصور. نحن أمام تحدٍّ تاريخي، وأنا متفائل بالمستقبل؛ لأن الشباب المصري حاليًّا من كلِّ الأطياف أثبت أنه قادر على اجتياز الصعوبات، وتخطى العقبات، وصنع الأحلام، وهذا حلم للمستقبل. ثانيًا: الخوف من التدخل الأجنبي وعورة الوصاية الخارجية: يرتبط خوفنا من تحمل المسئولية والنجاح في الاختيار التاريخي بالخوف من التدخل الأجنبي في حال الفشل. هذه الثورة المصرية تحقق في الجوهر الاستقلال الحقيقي لمصر، بعد أن كان استقلالنا ناقصًا؛ لأنه لا يتحقق للأمة استقلال تامًّا إلا بأن تتحرر من أي هيمنة أجنبية، عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو روحية أو ثقافية. ولذلك وضع الإمام الشهيد حسن البنا تحقيق هذا الهدف في المرتبة الرابعة بعد إصلاح النفس، وتكوين البيت، وإرشاد المجتمع. لقد نجح الأوروبيون في إجهاض محاولة الاستقلال التي قادها محمد علي، وحاول فيها بناء مصر حديثة ذات استقلال عن الخلافة العثمانية، وفي عام 1940م تمَّ تحجيم تلك المحاولة بمعاهدة لندن، وما زلنا حتى يومنا هذا نعيش في ظلِّ تلك المعاهدة بصورة أو بأخرى. اليوم نحن أمام تحدٍّ حقيقي أن نستكمل استقلالنا في كلِّ الجوانب التي ذكرتها، ونحن أهل لذلك؛ لأن ثورتنا لم تستند إلا إلى إرادة الله وحده، وصنعناها بأيدينا دون مساعدة أحد، وفاجأتنا كما فاجأت الجميع بما فيهم أمريكا، وبثَّت الخوف في نفوس أعدائنا الذين يتسابقون اليوم للتدخل في أمورنا، فهل نسمح لهم من جديد بالتدخل في أمورنا وشئوننا، أم نتحمل المسئولية كرجال دولة بعد أن كنا ثوارًا يشيد بنا الجميع. بقية المخاوف المشروعة هي:1- بقاء الجيش في الحكم، وإطالة الفترة الانتقالية، وعدم نقل السلطة إلى الشعب أو نقلها صوريًّا أي بقاء عسكرة الحياة السياسية. 2- الثورة المضادة ومحاولة فلول الحزب الوطني إجهاض الثورة. 3- صناعة فرعون جديد بصلاحيات مطلقة أو شبه مطلقة، وعدم التحول إلى نظام رئاسي برلماني يتم فيه توزيع السلطات والفصل بينها. 4- سيطرة اتجاه واحد وحزب واحد على الحياة السياسية، وهنا بالذات الخوف من الإخوان المسلمين، ويرتبط بذلك الخوف غير المبرر من ما يُسمى بالدولة الدينية، وهي وهم لا يعرفه الإسلام خاصة أهل السنة. ولنا عودة إلى مناقشة تلك المخاوف إن شاء الله. ما هي الضمانات الحقيقية لتبديد تلك المخاوف جميعًا؟ الضمان الأصلي هو رعاية الله تعالى لتلك الثورة وهذا الشعب الصابر، والتي تجلَّت في عنوان ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾(الأنفال: من الآية 17). والضمان الثاني هو صحوة الشعب المصري التي علينا أن نمدها بالماء والغذاء والهواء حتى تستمر وتتحول إلى طاقة عمل لبناء مصر من جديد. والضمان الثالث هو الفرز الجاد للنخبة المصرية (سياسية وفكرية واقتصادية واجتماعية) حول مهام المرحلة المقبلة، والذي سيؤدي بالتالي إلى وضوح المواقف أمام الشعب المصري ليختار عن بينة. والضمان الرابع هو التحول الضخم الذي يجري في المنطقة كلها نحو الحريات العامة. ولن يستطيع أحد أن يعيد عجلة التاريخ إلى الوراء.  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل