المحتوى الرئيسى

من أين وكيف وبماذا نبدأ الإصلاح ..؟!بقلم : فضيـلة الشــيخ ياســين الأســطل

02/27 18:24

من أين وكيف وبماذا نبدأ الإصلاح ..؟!بقلم :فضيـلة الشــيخ ياســين الأســطل الرئيس العام ورئيس مجلس الإدارة بالمجلس العلمي للدعوة السلفية بفلسطين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله. { من أين وكيف وبماذا نبدأ الإصلاح .. ؟! } عباد الله ، يا أيها المسلمون :الإصلاح هامٌ وضروريٌّ للحياة البشرية في كل زمانٍ وفي كلِّ مكان ، كأهمية وضرورة الطعام والماء والهواء ، لا يمكنُ العيشُ دون ذلك ، وهو واجبٌ لأحوالنا كلها ، سواءً ما تعلق بالأفراد أو بالمجموع ، في الاجتماع ، وفي التربية ، وفي الإدارة ، وفي السياسة ، وفي التعليم ، وفي الاقتصاد ، وفي غير ذلك من أمور الحياة ، بل وفي المفاهيم والقيم التي تنبني عليها وبها المجتمعات ، ولكن من أين وكيف وبماذا نبدأ الإصلاح ؟! .. كثيراً ما ينبري المتصدون لهذا العمل الجليل وبحسن نواياهم للمناداة به .. يطالبون الناس من حولهم ، ولكنهم ينسون أنفسهم ، إذ أنه ليس أحدٌ منزهاً عن الخطأ إلا الله تعالى ثم أنبياؤه عليهم السلام ثم الأمة في مجموعها ، أما الجماعات والأفراد فهم معرضون للخطأ والصواب ، والإصلاح لا يمكن أن يتم إلا بالصَّلَاح ، فلنبدأ الإصلاح لصلاح أنفسنا قبل أن نطلبه من الآخرين ، إذ أنه لا يكونُ المصلح مصلحاً في الحقيقة إلا أن يكون صالحاً في نفسه ، والسؤال الحقيقي : كيف يُصْلِحُ من ليس بصالح ؟! .. ، قال الله تعالى في سورة البقرة : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) }. والمصلح حريص ٌعلى قبول الآخرين منه ، وقناعتهم بما يبديه ويدعو إليه ، لأن القبول وليد الاقتناع ولا يتم ذلك له إلا بالتواضع وعدم الاستعلاء على الناس ، بأن يساوي بين نفسه وبين غيره ليُقْبَلَ منه ، فقد أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في خطابه المشركين بقوله في سورة سبأ: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)}.قال الإمام إسماعيل بن عمر بن كثير في تفسيره (تفسير القرآن العظيم) : ( وقوله: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } : هذا من باب اللف والنشر، أي: واحد من الفريقين مبطل، والآخر محق، لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله؛ ولهذا قال:{ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} . قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم للمشركين: والله ما نحن وإياكم على أمر واحد، إن أحد الفريقين لمهتد.) اهـ . أيها الناس ، يا أولي الألباب : * الصلاح والإصلاح سببٌ للنجاة في الدنيا والآخرة .وبه يقوم العدلُ ، وينتفي الظلمُ بين الناس ، يقول تعالى في سورة هود : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)} ، قال الإمام السيوطي في كتابه الدر المنثور في التفسير بالمأثور : ( أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جرير قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن تفسير هذه الآية { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأهلها يُنْصِفُ بعضُهم بعضاً " . وأخرجه ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق عن جرير موقوفاً ) اهـ. * الصلاح والإصلاح رسالة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،وخاتمهم محمدٌ صلى الله عليه وسلم ، ومن بعدهم ورثتهم العلماء والزعماء الصادقون المخلصون ، الذين هم خدم الأمة ورعاة مصالحها الكبرى : فقد روى الإمام أحمد والبخاري من طريق عطاء بن يسار وهذا لفظ البخاري قال : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا هِلَالٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } ، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا ) اهـ . إخوة الإسلام والإيمان : والصلاح والإصلاح شأن الأنبياء عليهم السلام في أنفسهم ، ومع قومهم ، فهذا نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام يخاطبُ قومه كما حكى الله في سورة هود فيقول لهم : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) } . يقول الشيخ السعدي في تفسيره القيم ( تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) : ( ..{ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ } أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي ، شيء بحسب استطاعتي. ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: { وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ } أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي.{ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } أي: اعتمدت في أموري، ووثقت في كفايته، { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات ..) اهـ . إصلاح بصلاح النفس وخلوص النية خالصة لله تعالى ، لا يريد من الناس جزاء ولا شكورا ولا يريد لنفسه تقدمتاً تأخيراً ولا تهيئاً ولا رفعة بل يريد وجه الله سبحانه وتعالى. والصلاح والإصلاح هما علمٌ وعملٌ مرتبطٌ أحدهما بالأخر وتقوم بهما الأمة كلها ، ويشتملان على أمرين عظيمين وهما : 1- التوبة من الخطايا والذنوب . 2- الاعتراف والإقرار بالأخطاء لإصلاح العيوب . وقد أمرنا الله تعالى بالتوبة إليه جميعاً ، وفي سورة النور قوله :{ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ - إلى أن يقول - وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) } . وروى الأئمة أحمد والبخاري والترمذي في هذا المعنى عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم واللفظ للبخاري قال : ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا " ) . أيها الناس ، يا عباد الله : والمصلح لا ينعزل ولا ينفصل بل يكون بين الناس ، يخالطهم ويصبر على ما يلاقيه ، وظيفته الهداية للخير والدلالة عليه ، وسبيله العلم النافع والعمل الصالح ، يبدأ بنفسه وأهله قبل غيره ، فهو قائدٌ ولا تكون القيادة دون القدوة ، لأن الناس يتأثرون بالعمل أكثر من تأثرهم بالقول ، بل ويزنون قول الإنسان بعمله فإذا تطابق العمل والقول أخذوا وإلا تركوا ، ويخطئ من يظن من المصلحين في زعمه أنه يريد إقامة الحجة على الناس بل الله هو الذي له الحجة البالغة ، ليس في حاجةٍ لأحدٍ من الناس ليقيم حجته على خلقه ، الله ليس في حاجة لأحد من الناس ليقيم حجته على خلقه، بل إن المصلحين يسعون لتحصيل الهدايات بتوصيل الأمانات ، وبلوغ القلوب والمهج ، بألطف الإشارات وأرق العبارات ، وانظروا ما قاله نبي الله شعيب عليه السلام في قوله تعالى في سورة هود عليه السلام : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) } . ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد واللفظ لأحمد قال : (حَدَّثَنَا يَزِيدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَظُنُّهُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ " ) اهـ . إخوة الإسلام والإيمان يا أهل فلسطين : قد حانت ساعة المكاشفة ، ولم ولن تنفع المجازفة ، واعلموا أن الانقسام والتفرق هو أشد خطرا وأعظم ضررا وان اصلاح البيت من داخله لا بالخروج إلى خارجه بالتقاذف بالأقوال والسباب وغير ذلك بل إصلاح البيت من داخله بالشورى كما قال الله تعالى {وأمرهم شورى بينهم} وكما قال الله تعالى {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله }. عباد الله ، فلنلحق أنفسنا بترك القيل والقال والالتفات إلى ما هو مطلوب من جليل الأعمال ، والله لا يصلح عمل الفاسدين المفسدين ، وليس من يبني كمن يهدم ، فلنقبل على الناصحين المصلحين ، ولنتب إلى الله تعالى مجتمعين ، فالزمن دوار ، وقد أحدقت بنا الخطوب والأخطار ، فلنلزم غرز الجماعة ، ولنصلح على سبيل والسُّنة ؛ لا السَّنَن ، شتان بين السبيل والسنة والسَّنَن فالسبيل والسنة ما جاء عن السلف العلماء والفقهاء عن المسلمين في كتاب الله وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأما السنن فما نراه ونقرأه ونسمعه ونشاهده ولنصلح على سبيل السنة لا السَّنَن ولنعتبر بالحال من حولنا ، ولا حول لنا إلا بالله تعالى . ويصدق في هذا المعنى ما جاء من النظم : يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ ... هَلا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيم تَصِف الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ مِنَ الضِّنَا ... كَيْمَا يَصِحُ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمٌ مَا زِلْتَ تَلْقِحُ بِالرَّشَادَ عُقُولَنَا ... عِظْتَ وَأَنْتَ مِنَ الرَّشَادِ عَدِيمٌ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهِهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإَذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمٌ فَهُنَاكَ يُقْبَلُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى ... بِالرَّأْيِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمٌ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد ، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين الأئمة المهديين - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي – وعن آله المرضيين ،وسائر الصحابة أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بمنك وكرمك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل