المحتوى الرئيسى

ما يقلق في الثورات العربية بقلم أحمد ابراهيم الحاج

02/27 18:24

ما يقلق في الثورات العربية ................................. ما يشهده العالم العربي اليوم من ثورات على أنظمة الحكم تبدو في ظواهرها مبشرة بخير، فهذه الثورات مُبررة في أسبابها وفي دوافعها، وهي ظاهرة صحية تدعو الى استعادة الأمل والتفاؤل في هذه الأمة، ولكنها في الوقت نفسه تنطوي على محاذير ونذر ومخاطر يجب التنبه اليها، ورفع درجة الحذر الى أشدها، والخوف كل الخوف أن تكون تكراراً لما حصل في العراق ولكن بالقوى الغربية الناعمة مدعومة بإعلام عربي موجه ومتحالفٍ مع الغرب وذلك بدلاً من استخدام القوى الخشنة التي غيرت الأوضاع في العراق بالقوة المفرطة السافرة والمستهرة بالعقل العربي. ومما يثير القلق تجاه هذه الثورات العربية هو الإصرار الأمريكي في مجلس الأمن الذي كان بالأمس يناقش الأوضاع في ليبيا على ضرورة استخدام كافة الوسائل في سبيل الحفاظ على أرواح المدنيين، وهذا تعبير مطاطي يندرج تحته استعمال القوى الخشنة لحسم الصراع على السلطة بعد أن تصل أطراف الصراع الداخلي في ليبيا الى مرحلة الإرهاق والتعب والتآكل. فقد أدركت أمريكا أنه بإمكانها تجيير ثورة شباب ليبيا لصالحها كما اعتادت على مدى تاريخها في التدخل بالصراعات بعد استنزاف قوى الصراع لبعضها البعض تماماً كما حصل في الحرب العالمية الثانية، فبعد أن أرهق الحلفاء والمحور نفسيهما بالصراع تدخلت أمريكا لحسم الصراع لصالح الإمبراطوريات الغنية، وجيرت نتائج الحرب ومخاضات الصراعات لصالحها، وورثت الإمبراطوريات الغنية وأخضعت الإمبراطوريات الأخرى لوثائق استسلام ما زالت قائمة الى يومنا هذا. وخرج أطراف الصراع الأصلاء جميعهم من المولد بلا حمص. وكذلك ما يثير القلق هو وجود معارضة عربية غير منظمة وليس لديها مشروع وطني يجمع عليه كافة أطياف الشعب، فبعث الغرب بشخصيات من هذه المعارضة يقيمون في أمريكا وبريطانيا ودول الغرب الأخرى لكي يصبوا الزيت على النار من خلال الإعلام العربي الذي يستضيفهم بإقامة دائمة طيلة الصراع، وليثيروا الفتنة بالبلاد لإنهاك الشباب الثائر ونظام الحكم المتشبث بالسلطة. ولكي يدخلوا البلاد على ظهر دبابة غربية ليقفزوا الى السلطة بدعم غربي وبرعاية غربية. ومن ثم تعود البلاد الى الدوران في حلقة مفرغة من معاني الثورة الحقيقية. وترجع البلاد الى مستوىً أقل من الصفر بكثير كما حصل في العراق. وبدوره أصبح الغرب ينشر فضائح الزعامات العربية والكشف عن ثروات الحكام وزوجاتهم وأبنائهم وزوجات أبنائهم وأحفادهم ويلفق لهم التهم ما ظهر منها وما بطن وما صدق منها وما كان عارياً عن الصحة. ويكشف مؤامرات الحكام على شعوبهم. وتنشط المخابرات المركزية الأمريكية في بث تقارير عبر وسائل الإعلام العربية عن ثروات الحكام بأرقام خيالية لتصعيد هذه الثورات ضد الحكام وتبدأ بترتيب الوضع السياسي لما بعد هؤلاء الحكام الذين كانوا بالأمس القريب الحلفاء الأوفياء للغرب ولأمريكا بالذات. وكانت المقدمات لذلك تسريبات ويكليكس وتسريبات قناة الجزيرة عن الفضائح العربية للحكام العرب. وتتلقف شعوبنا هذه التقارير وتصدقها، فيطالب الشعب باجتثاث النظام السابق وإلغائه مع رجالاته وجماهيره من حلفائه من المجتمع كما حصل في اجتثاث حزب البعث في العراق الذي كان منزرعاً ومتجذراً بالعراق يعرف كل خفاياها وظواهرها. وبهذا يرتبك النظام الجديد في تشغيل الدولة التي كانت قائمة بأسرارها وعقودها وبرامجها على النظام السابق الذي كان يحكم البلاد ويعشعش فيها وفي أغوارها لفترة طويلة من الزمن، في حين كان الشعب يصفق ويهلل له. مما يؤدي الى ترسيخ الفتنة والفرقة والكراهية بين الإخوة وبالتالي يفضي الى تفكيك الدولة وتفسخ النسيج الشعبي والمجتمعي للوطن الواحد. فتضعف الفريسة في مقاومتها للوحش فيسهل افتراسها وقضمها والإستئثار بخيراتها وكنوزها. إن ما يحدث من تسارع كبير في الثورات العربية يشبه الإنتقال المفاجيء بمادة من درجة التجمد فوراً الى درجة الغليان، وإن هذا الإنتقال السريع ينطوي على مخاطر عالية يكون ضررها أكبر من نفعها بكثير، وهذا ما لم ينتبه اليه الحكام المتشبثون بالسلطة والشباب الثائر بنوايا طيبة وبأسباب مبررة. لا بد من الإنتقال التدريجي ولا بد من التروي ورفع درجة الوعي بالأخطار التي تحدق بالوطن من جراء الصراعات الداخلية وبسبب الإنهاك للقوى الشعبية وقوى الوطن الوطنية من الجيش والأمن التي تقود الأمة الى التشظي والتفتيت والنكوص. يجب المحافظة على الإنجازات الوطنية في عهد الحكام السابقين والبناء عليها. ولا بد من التحاور بكلمة سواء بين السلطة والشعب الثائر للوصول بالأمة الى شاطيء الأمان بوضع هذه الثورات في إطارها الصحيح والناجع لتعود على الأمة بالخير. لم تقم الديمقراطيات المعاصرة اليوم بين ليلة وضحاها، إنما جاءت بعد مخاضات عسيرة وطويلة امتدت لمئات السنين. الأمة بحاجة الى ترسيخ المفاهيم الديمقراطية بمناهج التربية والتعليم والفعاليات الوطنية من نقابات وأحزاب وجمعيات ومؤسسات وطنية، على اسس اقتصادية تسهل حياة المواطنين وتضمن لهم حياة كريمة وعدالة اجتماعية. ما زالت الأمة تعاني من العصبيات القبلية المتوارثة، ومن الأيدلوجيات المفرغة من المحتويات الحقيقية لتلك الأيدلوجيات، ومن الشعارات الحزبية البراقة ترفعها شعاراً من أجل الوصول الى هرم السلطة أو الشهرة. لذلك لا بد من التحول التدريجي المتزامن مع خطط تنمية موازية في كل المجالات. إن وضع الأمة اليوم وهي على هذا الحال يتطلب من قواها الإحتكام الى العقل والمنطق وترشيد دماء أبنائها. يجب على الحكام الذين طالتهم نيران هذه الثورات والذين لم تصلهم بعد، أن يفهموا رسائل الشعوب وأن يتفهموا مطالبهم وأن يسلموا السلطة بسلام وتفاهم، فالوطن أكبر من الجميع. إن ما يمارسه الحكام اليوم من عناد للمطالب الشعبية سوف يؤدي الى هلاكهم أو الى انتحارهم السياسي وتسويد الصفحات القليلة البيضاء في تاريخهم. فيتحول هذا التاريخ بكاملة الى السواد المعتم القاتم. لماذا هذا الإصرار على التشبث بالسلطة الزائلة يوماً ما وهم على أبواب الآخرة؟ ولماذا يتركون وراءهم سيرة ملطخة بدماء شعوبهم؟ ويسببون لأبنائهم من بعدهم الهلاك أو الخزي والعار وفقدان حقهم في ممارسة العمل الوطني في أوطانهم كغيرهم من المواطنين؟. ولماذا هذا الإصرار من الشعوب على الإنتقام الى آخر قطرة من دماء حكامهم بعد أن حملوهم على أكتافهم وصوروا لهم بأنهم ملوكاً الى الأبد بوسائل اعلام منافقة لهم بأيدي أبناء هذه الشعوب؟ إرحموا عزيز قومٍ ذل، وليكن الصفح متبادلاً بين السلطة والشعب. ولتكن الصفحات الجديدة في تاريخ هذه الأمة بيضاء. اقتدوا أيها الحكام بالعظماء في التاريخ العربي والإسلامي والتاريخ العالمي. فمثلاً شارل ديغول قاد الثورة الفرنسية وبعد نجاحها ترشح للإنتخابات وفاز بنسبة حوالي 55%. ولكنه عندما خلا بنفسه يحلل نتائج الإنتخابات اختار الإعتذار للشعب وقال أنه بهذه النسبة لم ينل حظوة الشعب وقرر الإعتذار عن قيادة البلاد وتركها للأجيال التي تعيش عصراً غير عصره. وعاد الى مسقط رأسه ليقضي حياته مواطناً عادياً يخدم الوطن من موقعه الجديد. فأنهى مسيرته الوطنية بكل احترام وما زال الشعب الفرنسي يكن له الوفاء ، وكل شعوب العالم يكنون له التقدير والإحترام. بقلم أحمد ابراهيم الحاج 27/2/2011م

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل