المحتوى الرئيسى

حصانة دولية للثورات العربية!بقلم:جواد البشيتي

02/27 17:52

حصانة دولية للثورات العربية! جواد البشيتي خطوة كبيرة (وتاريخية على ما نأمل) تلك التي خطاها مجلس الأمن الدولي في الطريق الدولية إلى حماية كل شعب ثائر على حاكمه المستبد من الجرائم التي يمكن أنْ يرتكبها في حقِّه، إذ أصدر، بالإجماع، وبموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، قراره الرقم 1970 ضد دكتاتور ليبيا معمر القذافي وأبنائه وأعوانه. أنظمة الحكم العربية الدكتاتورية الفردية العائلية الاستبدادية الأُوتوقراطية، والتي لا عدوَّ لدوداً لها إلاَّ شعوبها إذا ما سعت في أنْ تصبح حُرَّة، وفي أنْ تغادر، وإلى الأبد، زرائب السلاطين التي تُعْلَف فيها، تمتَّعت زمناً طويلاً بحصانة دولية يَسْتَذْرِع القائلون بها، والمنافحون عنها، بمبادئ قانونية دولية من قبيل "السيادة القومية للدول"، و"عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول"؛ ولقد فهم الدكتاتور العربي تلك الحصانة التي تتمتَّع به دولته على أنَّها رُخْصَة دولية له لِفِعْل كل ما يحلو له ضدَّ شعبه، مُصَوِّراً كل تدخُّل دولي (ولو كان إنسانياً صرفاً) ضدَّ الجرائم التي يرتكبها في حقِّ شعبه على أنَّه تطاول أجنبي على السيادة القومية لدولته التي فيها من معاني "الإقطاعية" أكثر كثيراً ممَّا فيها من معاني "الدولة (الحديثة)". في القرار الدولي (الرقم 1970) خاطب مجلس الأمن الدولي الدكتاتور الليبي (ومن خلاله خاطب كل حاكم عربي يمكن أن تسوِّل له نفسه السير على نهجه) قائلاً إنَّ لشعبك (أي للمدنيين العُزَّل من أبناء شعبك) حقَّاً مشروعاً، ومعترفاً به دولياً، في أن ينتفض ضدَّك، ويثور ويخرج عليك، في مظاهرات ومسيرات شعبية، من غير أنْ يطلب منكَ إذناً أو رخصةً؛ وكيف له أنْ يطلب منك ذلك وهو عاقد العزم على إطاحتك، وإطاحة نظام حكمك معك، من خلال هذا التمرُّد عليك، وعلى قوانينك ودستورك؟! إنَّ مجلس الأمن لم يقل في قراره إنَّ الشعب الليبي قد ارتكب "جريمة" خَرْق القانون والدستور إذ نزل إلى الشوارع، واحتشد في الميادين، توصُّلاً إلى إطاحة الدكتاتور القذافي ونظام حكمه؛ لكنَّه قال ضمناً للشعوب، وللعربية منها على وجه الخصوص، إنَّ الانتفاضة الشعبية ضدَّ الحاكم المستبد، والتي يَنْظُر إليها هذا الحاكم على أنَّها انتهاك وخرق للقانون والدستور والأمن والنظام العام، هي عمل مشروع دولياً. وخاطبه قائلاً لو قَمَعْتَ جموع المنتفضين ضدَّك من المدنيين العُزَّل (أي الذين لا يحملون أسلحة نارية) بالهراوات وقنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه الساخنة أو القذرة..، ولو قَتَلْتَ بضعة أفراد، وأصَبْتَ بجراح بضع عشرات من المتظاهرين، لأمكن أنْ نغضَّ الطرف عنك؛ أمَّا أنْ تُسْرِع في استعمال الأسلحة النارية (عبر رجال الأمن والشرطة والجنود، وعبر عصابات "البلطجية" والمجرمين، والمنظَّمات الأمنية المسلَّحة الخاصة بك، والمرتزقة) وتَقْتُل وتصيب بجراح العشرات والمئات والآلاف من المتظاهرين، وتتوسَّع في أعمال القمع والإرهاب مُسْتَخْدِماً الدبابات والمدرعات والطائرات الحربية..، فهذا ما لا يمكن السكوت عنه أبداً. لقد انتهت حصانتك الدولية، وانتهت أيضاً السيادة القومية لدولتك، إذ ارتكبت ما ارتكبت من جرائم في حقِّ المدنيين العُزَّل المنتفضين ضدَّك؛ وأنتَ الآن ممنوع من السفر، أي من مغادرة ليبيا، ولا يحقُّ لأيِّ دولة عضو في الأمم المتحدة أنْ تستضيفك؛ وأنتَ الآن ممنوع من التصرُّف بأموالك الموجودة في خارج ليبيا (والتي استجمعتها وراكمتها بالسرقة والفساد..) فإنَّ كل أرصدتك المالية في الخارج، وكل عقاراتك وأموالك الثابتة، أصبحت مجمَّدة بقرار دولي؛ ولسوف تعود مستقبلاً إلى خزينة الدولة الليبية الجديدة. حتى أبناؤك والمقرَّبون منك سيتعرَّضون إلى العقوبات الدولية نفسها، أو إلى عقوبات دولية تشبهها. وخاطبه قائلاً إنَّكَ (ومعك كثيرون) الآن، وبحسب كثير من الأدلة والشهود، متَّهَم، أو يمكن أن تكون متَّهَماً، بارتكاب جرائم كثيرة، ومن النوع الذي تختص به المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي؛ ولقد كلَّف مجلس الأمن الدولي تلك المحكمة بالتحقيق في تلك الجرائم؛ ولسوف تُساق إلى تلك المحكمة إذا ما ظللت على قيد الحياة، وأُلقي القبض عليك؛ وإنَّ المستحيل بعينه هو أن تُبرَّأ ساحتك. القذافي الآن هو عِبْرة لكل دكتاتور عربي تُسوِّل، أو يمكن أن تُسوِّل، له نفسه أنْ يُقلِّده ويحاكيه في أساليبه وطرائقه ووسائله في قمع وإرهاب ومعاقبة ومحاربة شعبه الذي خرج عليه، وانتفض ضدَّه؛ والقذافي، بما هو عليه الآن من أحوال، هو (على ما أفْتَرِض وأتوقَّع وآمل) الذعر الذي يملأ (ويجب أنْ يملأ) قلوب أشباهه من الحكَّام العرب (وغير العرب). لقد فَقَدَ سفَّاح (ومجنون) ليبيا كل شيء تقريباً، وأعزَّ ما يملك؛ فهو فَقَدَ السلطة، وفَقَدَ الثروة، وفَقَدَ الحرِّية والملاذ والملجأ، وفَقَد عائلته؛ وليس من الحكمة في شيء أنْ أقول إنَّه فَقَدَ شرفه، فهو فاقِد له منذ زمن طويل. ومع فَقْدِه لكل تلك الأشياء العزيزة على قلبه، لا أتوقَّع له "حلاًّ"، أو "مَخْرَجاً"، إلاَّ "الانتحار". وهذا إنَّما يعني أنَّ "رسالة" مجلس الأمن ليست موجَّهة إليه؛ وإنَّما إلى أعوانه ومساعديه ومرؤوسيه مِمَّن ما زال في مقدورهم النجاة، أو الحدِّ من خسائرهم. وعلى هؤلاء الآن أنْ يتوقَّفوا عن ارتكاب الجرائم في حقِّ المدنيين العُزَّل، وأنْ يتخلُّوا عن الدكتاتور قبل أنْ يتخلى هو عنهم، وأنْ لا يتسبَّبوا بإعاقة وعرقلة دخول إمدادات الإغاثة، ولجان التحقيق الدولية. أمَّا إذا تمادى القذافي وزمرته في ارتكاب الجرائم في حقِّ الشعب الليبي فإنَّ بعضاً من الإجراءات الدولية القاسية يمكن أنْ تُتَّخَذ بموجب الفصل السابع، ومنها منع الطائرات الحربية الليبية (بوسائل عسكرية أو بوسائل تكنولوجية) من الإقلاع والتحليق والهبوط؛ ومنها (ربَّما) توجيه ضربات عسكرية من بُعْد (من الجو أو من البحر) لمراكز ومواقع ومنشآت ومعدات.. مهمة بالنسبة إلى نظام الحكم الليبي. لقد زُوِّدت الثورات الشعبية الديمقراطية العربية الآن (والثورتان المصرية والتونسية على وجه الخصوص) بقوَّة دولية رادعة تردع كل دكتاتور عن التوحُّش في أساليب وطرائق ووسائل مواجهتها، وعن الإفراط في استخدام القوَّة العسكرية ضدَّها؛ فإنَّ القذافي هو المصير الذي يَنْتَظِر كل حاكم عربي يُفكِّر في قمع شعبه المنتفض ضده بـ "الطريقة القذافية"، وأشباهها؛ ولكم أنْ تتصوَّروا الآن حجم التغيُّر الذي طرأ على ميزان القوى بين الحُكَّام وشعوبهم، ولمصلحة الشعوب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل