المحتوى الرئيسى

محمد سعيد محفوظ يكتب: ثورة تايهة يا ولاد الحلال!

02/27 04:31

مضى أكثر من أسبوعين على الإطاحة بحسني مبارك.. واكتسبت الثورة تأييداً إعلامياً في مصر يتفاوت حماسه وتختلف أغراضه وأسبابه الحقيقية من صحيفة لأخرى.. غاب الرئيس الذي حكم مصر ثلاثة عقود لأول مرة عن صدارة المشهد، واختفى ابنه وحاشيته وأقطاب حزبه.. وتولى النائب العام التحقيق في عدد كبير من بلاغات الفساد ضد مسؤولين سابقين..تبدو الصورة أشبه بثورة حقيقية.. لكن هل هي ثورة بالفعل؟أنا آسف.. مضطر لتوجيه هذا السؤال القاسي، الذي يجرحني ويؤلمني أنا شخصياً، بحجم الدموع التي سالت من عينيّ حزناً على الشهداء، وفرحاً بانقشاع سحابة مبارك السوداء، التي لم أر بسببها شمس الحرية منذ طفولتي.. لكنني بصراحة استيقظت هذا الصباح، ونظرت إلى بلادي، فلم أجد الثورة...رئيس الحكومة الذي انتقاه واصطفاه رئيس فاقد لشرعيته، ما زال على رأس السلطة التنفيذية في البلاد، ووزير الخارجية الذي سبّ الثورة وطمأن دول العالم بأن نظامه قادر على سحقها ما زال باقياً في منصبه، ويعقد اجتماعاته في ظل صورة الرئيس المخلوع، ووزير الداخلية الذي ينكر جرائم سلفه ويبررها، ويصر على أن وراء قتل الثوار والاعتداء عليهم عناصر أجنبية، ما زال حاضراً في وسائل الإعلام، ويستخدم نفس لغة النظام البائد وأدواته.. ومديرو الأمن الذين يلقنون جنودهم دروساً في ضرب المواطنين بالجزمة، والإيمان بأن ضباط الشرطة هم أسياد الشعب، ما زالوا يمرحون ويزاولون سلطانهم الأعمى..مباحث أمن الدولة ما زالت مصرة على البقاء.. وسيف قانون الطوارئ ما زال مسلطاً على رقابنا، والمصالح والمؤسسات الكبرى ما زالت تدار بإمرة نفس الزمرة الفاسدة التي سرقت ونهبت وظلمت المصريين.. التليفزيون المصري يبث نفس السموم، ووجوهه القبيحة ما زالت تطل علينا كل يوم، وقيادته آلت إلى لواء في الجيش ليقمع ثورة موظفيه الشرفاء.. ورؤساء تحرير الصحف الرسمية ما زالوا يخفون وثائق فسادهم، ويعبثون بوعي الشارع المصري، ويحاولون غسل دماغه، وتنويمه مغناطيسياً.. والقنوات الخاصة ما زالت تحسب حساباتها قبل تويجه النقد، وتتلقى التعليمات من الحكومة بقطع وإلغاء البرامج إذا تجاوزت الخطوط الحمراء..رؤوس الفساد الكبار ما زالوا بمأمن من الحساب والمساءلة، ويجدون الوقت لفرم مستندات جرائمهم، وتحويل أرصدتهم إلى الخارج، ويساعد الإعلام المأجور على التعتيم عليهم، وإخفائهم عن الأعين.. فتارة يروج أخباراً عن تدهور صحة الرئيس (السابق) لاستجداء المشاعر البلهاء تجاهه، وتارة يحجب المقالات التي تنادي بمحاكمته ومصادرة أمواله (وما أكثر مقالاتي الممنوعة في هذا الصدد)، وتارة يروج لمساءلة أذناب الفساد الصغيرة وكأنها نهاية المطاف، وكأن غاية الثورة قد تحققت، وكأن مبارك كان شريفاً عفيفاً، وكأن عصابته حكمت بما يرضي الله..الحزب الوطني ما زال حياً، ويخطط لخوض الانتخابات المقبلة، ويعترف بأنه ينوي تغيير اسمه وشعاره لخداع الناخبين.. ووثائقه السرية ما زالت مخفية في سابع أرض، وما زالت قياداته تتمتع بالحراسة، وتواصل تهريب ثرواتها، وتتواصل مع الرئيس المخلوع في معقله بشرم الشيخ، وتحاول تحريك عناصر المشهد من الكواليس...الدستور يتم ترقيعه، والحكومة يتم ترقيعها، وأصبح لديّ شعور بأن الثورة ذاتها يتم ترقيعها.. فالمشهد لا يختلف جوهرياً عما كان في الرابع والعشرين من يناير الماضي.. نفس الممارسات السابقة يجري تطبيقها الآن، ولكن بطرق ملتوية ومن تحت الطاولة، بعد أن كان الفجر (بضم الفاء) عيني عينك خلال السنوات السابقة، وبعد أن كان النظام يملي شروطه، ويجلس على عرشه مدلياً ساقيه في ثقة..الفاسدون سرقوا أموالنا طيلة الثلاثين عاماً الماضية بفن وحرفية، وها هم يسرقون منا الثورة بنفس المهارة والتحكم.. يحرموننا من تقرير مصيرنا، ويجيشون علينا الرأي العام لزحزحتنا عن الشارع، وإعادتنا إلى الحجور، وحشرنا في ماكينة الإنتاج، كي تمتلئ الخزائن بالأرباح، وتتلقفها أيدي السارقين من جديد..ثورتنا تايهة يا ولاد الحلال.. ثورتنا تتعرض لعملية إجهاض غير شرعي، وجنينها المنتظر يُسحب من أحشائها لوأده.. يريدون أن يكسروا قلب الثوار، ويهزموا إرادتهم، ويدفعوهم للخلف.. ويضحكوا عليهم بإطلاق أسماء الشهداء على بعض الشوارع، أو بإقامة نصب تذكاري للثورة.. يريدون أن يحولوا الثورة إلى احتفال فلكلوري نجح في إمتاع المتفرجين، وعلى أعضاء الفرقة أن يغادروا إلى منازلهم بعد أن انتهى الشو، وفرغ كل عضو من نمرته..نحترم الجيش، لكن نحترم ثورتنا أكثر.. نصدق الجيش، لكن نصدق أعيننا أكثر.. نحب الجيش، لكن نحب بلادنا أكثر.. تفريق المتظاهرين من ميدان التحرير ومن أمام مجلس الوزراء على يد سلاحف نينجا ملثمين، تابعين للشرطة العسكرية، لا تمحوه قبلة مسؤول في الجيش على رأس شاب، أو وعد بعدم تكرار هذا السلوك..أولاً: تحقيق في الواقعة..ثانياً: إطلاق حرية الشعب في الدفاع عن ثورته..ثالثاً: الاستجابة للمطالب دون مواربة..رابعاً: تطبيق الثورة في كل أرجاء مصر، شبر شبر، بيت بيت، دار دار، على رأي المطرب الشعبي معمر القذافي..بتحقيق هذه الأسس تعود الثورة لأصحابها، ويصبح الطريق معبّداً لمصر جديدة بحق وحقيق.. وليس مصر مبارك إلى الأبد، كما يريدها المهزومون والفاسدون على السواء..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل