المحتوى الرئيسى

استرداد مليارات المسؤولين الفاسدين يراود أحلام المصريين

02/27 10:51

القاهرة - رفعت الثورة المصرية، التي اندلعت يوم 25 يناير الماضي، مطالب سياسية، منها حل البرلمان، وتعليق العمل بقانون الطوارئ، وتيسير شوط الترشح لرئاسة الجمهورية، لكن الأيام التي تلت قرار الرئيس حسني مبارك بالتخلي عن السلطة في البلاد في 11 فبراير الحالي، كشفت عن حجم هائل من قضايا الفساد، ووضعت بعد أيام قليلة 5 وزراء ومسؤولين كبار في الحزب الحاكم بقفص الاتهام فساد علق عليه أحد قيادات الجيش بقوله: هالنا حجم الفساد.وبعد أيام الفوضى التي تسبب فيها انسحاب الشرطة من البلاد عادت القاهرة لسيرتها الأولى، زحام ومقاه مع تغيير جوهري، توارت كرة القدم، مفسحة الطريق أمام حديث الاقتصاد وشؤون الحياة اليومية، وقد أعادت الثورة المصرية للأذهان مفهوم التأميم الذي اعتمدته الثورة المصرية في 23 يوليو عام 1952، بعد الكشف عن قضايا فساد طالت أحمد نظيف، رئيس الحكومة السابق، ولم تتوقف عنده، بل تجاوزته للرئيس مبارك وأسرته.فعلى أحد المقاهي بحي فيصل، أحد أكبر أحياء القاهرة كثافة، لم يكن معهودا من قبل أن يتبادل الشباب آراءهم في الأمور السياسية، ولكن الأمور تغيرت. أحمد غريب شاب مصري يبلغ من العمر 28 عاما، تأخذه الحماسة وهو يخبر أصدقاءه بما قرأ عن قضايا الفساد الذي تكتشفه السلطات كل يوم، ولم يكن التجاوب من أصدقائه فقط على نفس طاولته، بل امتد إلى من حوله، ليتبادلوا الآراء حول الفساد الذي كانوا يعرفونه، لكن لم يكن أي منهم يتصور أنه بهذا الحجم.. علق البعض بقوله: نسمع عن مليارات ربما تكفي لسداد ديون مصر.ويتعرض بعض مسؤولين حكوميون، بينهم وزراء سابقون بالحكومة، لمساءلات قانونية، واتهامات بالاستيلاء على المال العام وتسهيل بيع أراضي الدولة، وانتهاج سياسة الاحتكار للسلع الاستراتيجية، مع توقعات بزيادة أعداد المسؤولين المتورطين في قضايا فساد بعد آلاف البلاغات المقدمة إلى النيابة للتحقيق فيها.وتناولت تقارير إعلامية ثروة الرئيس ورجاله، وقدرت بعض هذه التقارير حجم ثروة مبارك بـ70 مليار دولار، بينما ذهبت تقارير أخرى إلى أن ثروة مبارك لم تتجاوز الـ5 مليارات دولار. وحظي أحمد عز، رجل الأعمال الذي كان أحد أقوى رجال النظام السابق، مستغلا علاقته بنجل الرئيس السابق، جمال، باهتمام الجميع في مصر، وقدرت ثروته بنحو 60 مليار جنيه جمعها في 15 عاما فقط.يقول أحمد غريب إن تلك الأحداث تذكرنا بما حدث بعد ثورة 23 يوليو (تموز) عام 1952، حيث كانت فئة محدودة فقط من المصريين تمتلك كل مصر، والأجانب يستفيدون بخيرات البلاد دون أولاد هذا البلد، وبعد ذلك نكتشف الآن أن البلاد عادت إلى الوراء 59 عاما، أي كما كانت في عهد الملكية.يقول غريب: مبادئ الثورة لم يبقِ عليها الحكام المصريون، وأصبح أغلب المصريين أطباء ومحامين ومهندسين، من دون وظائف، يعيشون أغلبهم كما كان يعيش الفلاحون في عصر الإقطاعيين، ولم يفلت منهم إلا من هاجر إلى البلاد الأوروبية أو سافر عدة سنوات إلى دول الخليج، أتوقع أن تعيد ثورة 25 يناير أهداف ثورة 23 يوليو مرة أخرى.ويصيح غريب في أحد رواد القهوة ردا على ما قاله من أن أحوال البلاد كانت بخير خلال الثلاثين عاما الماضية، قائلا: «كيف تقول ذلك، كنت متفوقا في كلية الحقوق، ولم أحصل على وظيفة في النيابة، فهل ترى أن هذا عدلا».غياب العدالة وانتشار الفساد والمحسوبية في مصر كانا أكثر ما يؤرق المصريين، مما أدى إلى تحديد الثروات في أيدي مجموعة محدودة من المصريين المقربين من النظام الحاكم في البلاد.ويعلق الدكتور محمد البرادعي، المرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة، الذي يحظى بدعم الثوار على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «هل يعقل أن هذا الكم الهائل من الفساد اكتشف فقط يوم 11 فبراير 2011؟!»، ويضيف في رسالة أخرى يشكك فيها في جدية التحقيق الذي تجريه الهيئات القضائية: «بعد تجميد أصول الرئيس السابق وأسرته؛ هل بدأ التحقيق معهم؟ وماذا ننتظر؟! التطهير يبدأ من القمة».وبدأت فكرة تأميم ممتلكات المسؤولين في النظام السابق تراود أذهان الكثير من المصريين الآن، فهم يقولون إن الاتهامات الموجهة الآن إلى مسؤولين ومنتفعين من النظام السابق؛ ما هي أداة لتأميم ممتلكاتهم لردها إلى الدولة مرة أخرى؟ وتبنى تلك الرؤية بعض رجال الأعمال أيضا، وقالوا إن كثرة الاتهامات الحالية قد تضر بمناخ الاستثمار في مصر.إلا أن بسنت فهمي، الخبيرة الاقتصادية ومستشارة بنك البركة المصرفي، قالت إن ما يحدث الآن بعيد كثيرا عن فكرة التأميم؛ فما تقوم به السلطات المصرية الآن هو محاسبة الفاسدين، ورد ثروات مصر التي حصل عليها أفراد بناء على محسوبيتهم، أو بفضل صلة قرابة مع بعض كبار المسؤولين في الدولة.وأضافت أن ما يحدث الآن يدل على أن تلك الرؤية قاصرة، والدليل على ذلك هو رؤية الغرب لتلك الأحداث على أنها محاربة للفساد، فالكثير من الدول تريد أن يكون لها السبق في الاستثمار في مصر بعد الإعلان عن محاربة الفساد، فرئيس وزراء بريطانيا زار مصر وبصحبته 59 رجل أعمال، وكذلك وزير التجارة الألماني، إلى جانب إبداء المؤسسات الأجنبية، سواء البنك الدولي أو الاتحاد الأوروبي استعاداهم للوقوف بجانب مصر، وترى بسنت أن كل تلك الزيارات من قبل المستثمرين الأجانب إلى مصر توضح لنا الصورة النهائية لما تقوم به السلطات القضائية حاليا، وهو محاربة الفساد، وليس تأميم أو الحصول على ممتلكات الأفراد من دون وجه حق، كما حدث في وقت سابق.وتقول بسنت، التي عملت في مؤسسات أجنبية عالمية خارج مصر، إنها تلقت برقيات تهنئها بما سمته «تطهير مصر» من قبل الشركات العالمية الأجنبية خارج مصر، وتقول عندما كنا نروج في وقت سابق للاستثمار في مصر، كان أول سؤال من قبل المستثمرين عن تكلفة الفساد، ومدى ملاءمة القوانين للاستثمار، وهل يتم تطبيق القوانين، أو يتم الالتفاف حولها، وترى أن تلك الأسباب كانت تحد من قدوم المستثمرين الجادين إلى مصر.وقالت إن التنوع الاقتصادي والموقع الجغرافي لمصر لم يتم استغلالهما حتى الآن، فإذا وضعت قوانين جيدة، وانتهى الفساد، فسنجد استثمارات كبيرة لا حد لها في مصر.وتشبه فهمي ما تمر به مصر الآن بما حدث في إيطاليا منذ خمس سنوات تقريبا، وقتها اكتشفت إيطاليا كما من الفساد كبيرا جدا، وتم تقديم ثلاثة آلاف مسؤول عنه إلى المحاكمة، وكان تلك لحظة فارقة في تاريخ إيطاليا، التي تحسنت أحوال البلاد بعدها بشكل كبير عقب تلك الأحداث، وزادت الاستثمارات بها بشكل غير متوقع.وتقدر دراسة سابقة لمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية تكلفة الفساد في مصر بنحو 80 مليار جنيه سنويا، إلا أن الخبراء قالوا إن تلك التكلفة تعتبر محدودة بالنظر إلى ما تم اكتشافه مؤخرا.وترى بسنت فهمي أن مصر تحتاج إلى حزمة من القوانين جديدة ونظم رقابة صارمة، لمحاربة أي نوع من أنواع الفساد، وتقييد عمليات التربح السريع التي تضر بالاقتصاد، مثل عمليات المضاربة في البورصة، والمضاربة في أراضي الدولة، هذا إلى جانب تطبيق القوانين القائمة الآن بشكل صارم، وأكدت أن القوانين التي تحتاجها مصر في الفترة الحالية يعرفها جميع الاقتصاديين، وعرضوها في السابق على النظام إلا أنه لم يتم الاستجابة لها.وترى فهمي أن من الأشياء المهمة للقضاء على الفساد أيضا تضارب المصالح الموجودة بالهيئات الرقابية، تقول: «كيف يمكن للبنك المركزي المصري أن يضم في عضويته رؤساء بعض البنوك، وتقع تحت سلطاته السماح بفتح فروع لبنوك أخرى».يقول الدكتور مصطفى زكي، خبير الاقتصاد الدولي، إن الربط بين الأهداف الاقتصادية بين ثورة 25 يناير و23 يوليو أمر خاطئ، فعلى الرغم من أن العدالة الاجتماعية هي التي تجتمع حولها أغلب الثورات التي حدثت في العالم، فإن تطبيقها يختلف، فكان هدف ثورة 23 يوليو بناء نظام اشتراكي، وكان هذا الاتجاه السائد في العالم وقتها، إلا أن ثورة 25 يناير الهدف منها تحقيق عدالة اجتماعية من خلال رأسمال قوي، يهدف إلى التنمية، وليس النمو غير المرتبط بالأبعاد الاجتماعية، وهذا ما كان يتبناه النظام السابق.وقال إن إرساء نظام سياسي واقتصادي في مصر قوي سيؤهلها إلى اجتذاب رؤوس أموال كبيرة، خاصة بعد أن أظهرت الثورة الوجه الحضاري للإنسان المصري في أنحاء العالم كافة.المصدر : جريدة الشرق الاوسط

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل