المحتوى الرئيسى

حالة حوارخـمـيـــــــس

02/27 00:46

تعودت احدي المؤسسات العلمية الاستراتيجية في البلاد دعوتي‮ ‬لأكون محاضرا تحت عناوين‮: ‬‮(‬الدعاية والحرب النفسية وتصميم الرسائل السياسية‮) ‬وبالذات في دورات للدارسين العرب الذين يفدون إلي تلك المؤسسة علي نحو متواتر‮.‬وفي مطلع الألفية الثالثة،‮ ‬وصلتني دعوة من ذلك النوع،‮ ‬ولكنها استرعت انتباهي إلي نقطة الحد الأقصي،‮ ‬اذ تحدد فيها زمن الدورة بيوم واحد،‮ ‬كما تحدد عدد الدارسين بشخص واحد‮.‬والحقيقة أنني‮ - ‬دائما‮ - ‬مقبل علي عملي المهني أو العلمي أحاول تحقيق أكبر الأثر فيه عبر الاحتشاد المعرفي،‮ ‬وتنويع الاقترابات واكتشاف المزاج السائد عند المتلقين‮ (‬الدارسين‮ -‬المشاهدين‮- ‬القراء‮) ‬أو‮- ‬علي الأقل‮- ‬تحديد المتوسط الحسابي السائد للأمزجة المتنوعة عند الجمهور الذي أخاطبه‮.‬أما حكاية دارس واحد ليوم واحد،‮ ‬فكانت بالنسبة لي أمرا عجيبا،‮ ‬وأصدقكم القول،‮ ‬فإنني للمرة الأولي‮ (‬وسط الارتباط بمحاضراتي في كليات ومعاهد الإعلام كأستاذ زائر،‮ ‬أو في بعض المعاهد النوعية المتخصصة‮) ‬وجدت دافعي الأول ليس اتقان واحكام موضوع المحاضرة ومن ثم نجاحها،‮ ‬ولكن هاجسي الوحيد كان هو‮  ‬فضول التعرف إلي ذلك الشخص الوحيد الذي سأتحدث معه وإليه يوما كاملا من بواكير الصباح في الثامنة،‮ ‬إلي ما قبل المغارب في الرابعة‮.‬علي أية حال حين دخلت قاعة المحاضرات،‮ ‬ووجدته جالسا علي كرسيه في مواجهة منصة المحاضرة،‮ ‬استهولت الفراغ‮ ‬وتهيبت التجربة،‮ ‬وتلك القاعة التي تخلو إلا من ذلك الدارس،‮ ‬ومنضدة صغيرة خلفه،‮ ‬رصت عليها منظومات من زجاجات المياه المعدنية،‮ ‬وكولومان للماء الساخن،‮ ‬وعبوات صغيرة من الشاي والبن والنعناع واللبن والسكر،‮ ‬وطبق من البسكويت‮.‬وأحسست‮ -‬لهنيهة زمن‮- ‬انني رأيت ذلك الشاب الماثل أمامي من قبل،‮ ‬وأن ملامحه تبدو مألوفة إلي درجة‮ ‬غير طبيعية،‮ ‬ووسط محاولتي الخاطفة لتذكر صاحب تلك الملامح،‮ ‬التي بت متأكدا انني‮ -‬بالفعل‮- ‬أعرفه،‮ ‬وانه ليس مجرد واحد من الأربعين الذين خلق الله الشبه بينهم‮! ‬قفز إلي ذهني‮ -‬علي نحو مباغت صاعق‮- ‬ان ذلك الشاب يشبه العقيد معمر القذافي في شبابه إلي درجة التطابق،‮ ‬ولكن بمقدار أكبر من النحافة وببشرة أكثر سمرة،‮ ‬فبادرته‮  ‬بالتساؤل‮: »‬من أي بلد أنت؟‮«  ‬فابتسم مجيبا بصوت خفيض وشديد التهذيب‮: »‬من الجماهيرية‮«‬،‮  ‬تشجعت باجابته مشارفا قدرا أكبر من الوثوق في صحة تخميني،‮ ‬وعاودت سؤاله مخالفا أعراف العلاقة بين محاضر يري الدارس أمامه لأول مرة،‮ ‬وفي مؤسسة نوعية متخصصة‮: »‬هل أنت من قبيلة العقيد القذافي أو من أحد أقاربه؟‮!«‬،‮ ‬فقال‮: »‬أنا الرائد خميس‮  ‬معمر القذافي من سلاح المدرعات الليبي‮«!!‬وغبطت نفسي علي فراستي وأديت واجبي بالشرح والمحاضرة‮.‬تذكرت وقائع ذلك اليوم،‮ ‬ووجه ذلك الدارس حتي تواترت الأنباء تتري من ليبيا في الأيام الماضية،‮ ‬لتحكي عن ثورة شعب طال تطلعه إلي الحرية والكرامة والكبرياء،‮ ‬واستلب منه النظام الليبي التسلطي الدراكولي جملة حقوقه وتفصيلها تحت عناوين وتنظيرات مفرطة في ركاكتها وخرافتها عن‮ (‬الكتاب الأخضر‮) ‬الذي وضع بعض الإعلاميين الرسميين المصريين كتبا لتحليله والتغني بعمقه،‮ ‬و(اللجان الشعبية‮) ‬وان‮ (‬الديمقراطية أو التمثيل تدجيل‮)‬،‮ ‬وأن الكلمة أي‮ »‬ديموكرسي‮« ‬تعني دمومة الكراسي،‮ ‬وغيرها من الخزعبلات التي يعد طرحها علي شعب،‮ ‬ولا أقول اجباره عليها اهانة في ذاته ولذاته‮.‬اذ وسط الأنباء التي رشحت من ليبيا‮ -‬رغم قتامة المنع والحصار وقطع الاتصالات‮- ‬كانت المعلومات التي أشارت إلي اسم خميس معمر القذافي،‮ ‬والدور بالغ‮ ‬التوحش الذي قام به في محاولته قمع أهالي بني‮ ‬غازي،‮ ‬واخماد جذوة ثورتهم،‮ ‬أو ازاء ضباطه وجنوده والصف الذين تمردوا علي الأمر العسكري،‮ ‬ورفضوا اطلاق النار علي الجماهير من اخوتهم وذويهم وأبناء قبائلهم‮.‬نعم‮..‬الرجل الذي تحدثت إليه ليوم كامل،‮ ‬ذو الصوت الخفيض والأدب الجم،‮ ‬هو ذلك المتوحش الذي وصلتنا أخبار بتنفيذه تعليمات أبيه المتعاقبة التي أصدرها في لوثة التمسك حتي اللحظة الأخيرة بالحكم ومقاليد السلطة وصولجانها،‮ ‬صارخا‮: »‬إلي الأمام‮.. ‬إلي الأمام‮.. ‬ثورة‮.. ‬ثورة‮« ‬ثم ضاربا بقبضة يده علي منصة خطابية في الساحة الخضراء بطرابلس‮.‬خميس‮.. ‬الشاب‮- ‬الذي قضي سنوات يدرس العلم العسكري في المؤسسات المصرية،‮ ‬ويستكمل معارف ضرورية حول ذلك العلم‮- ‬هو الذي وجه مواسير وفوهات مدافع الدبابات إلي صدور الأحرار في بني‮ ‬غازي،‮ ‬وكان أحد رموز واحدة من أكثر الحملات دموية في التاريخ الإنساني‮.‬عدت إلي مذكراتي التي دونت في بعض صفحاتها سطورا عن محاضرتي لذلك الرجل،‮ ‬ووجدت فيها تسجيلا مفصلا لانطباع داخلني وصار هو المهيمن علي ذكرياتي عن الشاب‮ (‬وقتها‮) ‬وعن حديثه الشحيح،‮ ‬اذ كان صموتا وجوانيا حتي مع محاولتي‮ -‬كعادتي‮- ‬استدراج طلبتي إلي الحوار باعتباره أفضل سبل التعلم‮.‬كانت محاضرتي عن‮ (‬الدعاية السياسية وتصميم الرسائل‮)  ‬تحتم أن أعرض لنماذج مختلفة من الأنظمة السياسية وأجهزة الدعاية فيها زمن الحرب وزمن السلم‮.. ‬وكانت تلك هي النقطة الوحيدة التي استوقفني فيها خميس،‮ ‬وحاجاني‮ -‬طويلا‮- ‬حول نماذج نظم طرحتها عن‮ (‬الدول الديمقراطية‮) ‬و(دول العالم الحر‮).‬اذ بدا الرجل الصغير مقاوما‮ -‬تماما‮- ‬لفكرة قبول ذلك النوع من النظم بصرف النظر عن أساليبها في الدعاية،‮ ‬أو تسويق أساليب الحياة فيها،‮ ‬أو تصميم الرسائل وفقا لما يسمي‮ (‬المزيج الاقناعي‮) ‬بغية إحداث أكبر الأثر في متلقيها‮.‬امتنع خميس عن الحوار في موضوع المحاضرة‮ (‬الدعاية وتصميم الرسائل الاتصالية‮)‬،‮ ‬وصب‮  ‬جل اهتمامه علي الحديث المستنكر إلي درجة تشارف الاحتقار،‮ ‬والغاضب إلي درجة تلامس الاحتقان عن تلك‮ (‬النظم‮) ‬وتلك‮ (‬الديمقراطية‮).‬وبطول بال وصبر كبيرين أوصلت الرجل‮ -‬عبر الحوار‮- ‬إلي منطق ان رأيه في تلك النظم لا يمنع دراسته لأساليبها في الدعاية،‮ ‬وتصميم الرسائل،‮ ‬ولكنه‮ -‬مع ذلك‮- ‬حاول معرفة وجهة نظري أنا في النظم الديمقراطية الحرة‮!‬وعلي الرغم من‮  ‬أدبه الشديد،‮ ‬فقد بدا لي تساؤله خرقا للتقاليد العلمية،‮ ‬ومحاولة للتفتيش شبه الأمني في دماغ‮ ‬محاضر ينبغي عليه التزام أكبر قدر من الحياد العلمي فيما يطرحه ويشرحه من معلومات‮.‬نهايته‮.. ‬فرغت من تلك المهمة المدهشة،‮ ‬وظل اسم خميس يحضر إلي مخيلتي كلما قرأت في شريط الأخبار شيئا عن العقيد القذافي أو ليبيا‮.. ‬حتي جاءت الثورة الشعبية النبيلة في ليبيا،‮ ‬وأفصحت الحوادث عن الدور المروع الذي لعبه خميس في اراقة دماء الشعب الليبي‮.‬أي نوع من التربية الشخصية والسياسية تلقاها ذلك الشاب علي نحو جعله يتأذي من توصيفي للنظم الحرة ودفعه إلي ارتكاب تلك الجرائم المخيفة جدا‮.. ‬جدا؟‮!‬أي نوع من الآباء ذلك الذي علم أبناءه ان إرادة الشعب ينبغي وأدها في صدور أفرادها،‮ ‬وأن المعارضة والاحتجاج يقوم به المدنسون والأنجاس ولا يتم إلا تحت تأثير الأقراص المخدرة،‮ ‬وأن الثورة في طرابلس وبني‮ ‬غازي والبيضا وفزان وتاجوراء وغيرها هي مجرد‮ (‬تقليد‮) ‬لثورة ‮٥٢ ‬يناير المصرية التي قادها الشباب ولا تمثل فطرة الليبيين الحقيقية‮.‬ألم تك ثورة القذافي‮ -‬نفسه‮- ‬عام ‮٠٧٩١ ‬تقليدا‮ - ‬هي الأخري‮- ‬لثورة الاستقلال الوطني المصرية عام ‮٢٥٩١‬؟‮!‬نحن إلهام لغيرنا في‮ ‬الحالينولكننا‮ ‬غير مسئولين‮ -‬بالقطع‮- ‬عن العناصر التي أوحت للقذافي بذلك النوع من الفكر التسلطي الفريد،‮ ‬والمزاج المعقد جدا الذي راكم التطورات التي راقبناها في شخصيته عاما وراء آخر حتي تحول إلي وحش أرضع أبناءه الوحشية،‮ ‬في حراسة آلة دعاية تعبوية جيشت الناس وراء أساطيرها وخرافاتها لعهود وعقود‮ (‬وهي‮ ‬غير ما حاولت‮ -‬أنا‮- ‬تعليمه لخميس وقاومه‮  ‬جافلا ومعترضا‮).‬هي قصة دراماتيكية لاشك أردت تسجيلها في لحظة تطور الحدث وتخليقه لأنها تنبه إلي عبرة وعظة التاريخ التي تميل إلي نصرة الحرية،‮ ‬وتخاصم الاستبداد بكل تجلياته،‮ ‬وبجميع معتنقيه من المستبدين صغارا وكبارا‮!‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل