المحتوى الرئيسى

> كوريا الجنوبية تلغي أسلوب «العصا لمن عصي»

02/26 22:25

حتي وقت قريب جدًا كانت كوريا الجنوبية إحدي الدول الآسيوية القليلة التي تطبق العقاب البدني في مدارسها ومعاهدها ما قبل الجامعية. فاليابان مثلا منعت رسميا العقاب الجسدي في جميع مدارسها ابتداء من عام 1947، وإن كانت المعلومات تفيد باستمرار تطبيقه في بعض المدارس كنتيجة لاعتقاد ما لا يقل عن 60% من المعلمين اليابانيين بضرورته من أجل تخريج أجيال مطيعة وملتزمة ومهذبة وغير ناشدة. والصين منعته نظريا منذ انتصار ثورتها الشيوعية في عام 1949، علي الرغم من وجود مصادر تؤكد باستمراريته في مدارس الأقاليم النائية. وهذا ينطبق أيضًا علي تايوان التي منعت حكومتها العقاب البدني في مختلف المدارس ابتداء من عام 2006. والفلبين منعته في جميع مدارسها العامة والخاصة تحت طائلة معاقبة المعلمين المتورطين فيه. أما في ماليزيا، فإننا نجد بعض الاختلاف. فمدارس هذه الدولة المسلمة تطبق العقاب البدني، كوسيلة من وسائل التهذيب، ضد طلبة العلم الذكور الذين غالبا ما يتلقون الجلد بعصا من الخيزران فوق ظهورهم، فيما تتلقي الطالبات عقوبة الضرب علي باطن كفوفهن بالوسيلة ذاتها، علما بأن قانون معاقبة الطالبات جسديا جاء متأخرًا ومن بعد جدل طويل في الأوساط التربوية والدينية. وتبدو حالة سنغافورة، بطبيعة الحال، مختلفة تماما. حيث شرعت حكومتها منذ استقلال البلاد في الخمسينيات عملية العقاب البدني الصارم ضد الطلبة الذكور في مختلف المراحل الدراسية ما قبل الجامعية، بل أكدت علي تطبيقه أمام مرأي من جميع طلبة المدرسة وبيد مدير المدرسة، بمعني عدم تطبيق العقوبة داخل صف الطالب المعني علي يد المعلم، لكنها من جهة ثانية فرضت ست ضربات كحد أقصي للعقوبة، علي أن يستعمل فيها عصا من الخيزران الصلب الموجع، وأن يكون الضرب علي باطن القدمين. وإذا ما عدنا إلي حالة كوريا الجنوبية التي كانت مدارسها إلي وقت قريب تطبق العقوبات البدنية بصرامة وقسوة ضد الطلبة والطالبات علي حد سواء، ويستخدم معلموها ومعلماتها في ذلك أدوات مختلفة مثل الخيزران الصلب، وعصي البلياردو ومضارب رياضة الهوكي، والصفع علي الوجه، تحت دواعي فرض الطاعة العمياء، والسلوك المهذب، ومنع الثرثرة في الصفوف، وأداء الواجبات المدرسية بإتقان وحرص، وإعداد خريجين مؤهلين تأهيلا مناسبا لخوض مجالات العمل أو التعليم العالي أو بناء الأسرة السعيدة، فإن القرار الذي صدر مؤخرًا بحظر العملية برمتها أثار جدلا واسعا في المجتمع ما بين مؤيد للخطوة ومعارض لها، علما بأن قرارا مماثلا اتخذ في عام 1998 لكنه لم يكتب له النجاح بسبب توالي شكاوي المدرسين من عدم قدرتهم علي السيطرة علي صفوف مكتظة بالطلبة «تضم الصفوف في كوريا الجنوبية 35.3 تلميذ معدل عام». المعارضون استنكروا القرار، قائلين إن هناك ضرورة ملحة للإبقاء علي العقاب البدني لمواجهة ما اعتبروه حالة متزايدة من اللانضباط واللاالتزام في أوساط الدارسين، خصوصا وأن انفتاح البلاد السياسي وما جري فيها من إصلاحات ديمقراطية في العقدين الأخيرين، من بعد عقود طويلة من الممارسات القمعية للحكومات العسكرية التي توارثت السلطة ما بين ستينيات وثمانينيات القرن العشرين، وما أتت به العولمة من وسائل لهو وسلوكيات دخيلة علي العادات والتقاليد المحلية، أغرت الكثيرين من الدارسين علي التمرد وعدم احترام المعلم أو عدم إطاعته لجهة متطلبات بدء اليوم الدراسي الذي عادة ما تبدأ في كوريا بطابور الصباح فالتمارين الرياضية الصعبة والمتعبة «مثل الركض لمسافات طويلة، والسير حول الملعب بوضعية القرفصاء، والانبطاح علي الأرض مع محاولة الارتفاع عنها عدة مرات بالاستناد علي أطراف اليدين والقدمين». ومما قاله هؤلاء إن وسائل العقاب الأخري المطبقة في الدول الأوروبية مثل استدعاء أولياء الأمور، أو أسلوب الخصم من درجات أعمال السنة، أو تحميل الدارسين واجبات منزلية إضافية، أو إرسالهم إلي صفوف خاصة «للتفكير»، أو التشهير بهم، أو حرمانهم من الفسحة المدرسية، لم تعد مجدية، وأثبتت التجربة فشلها في كوريا، فيما أثبت الضرب بعصا يبلغ سمكها سنتيمترا واحدا، وطولها نصف متر، نجاحات مدهشة في ردع الطلبة المشاغبين وذوي السلوكيات الناشذة، خصوصا حينما تجري العملية علانية وعلي مرأي من أفراد المجتمع. والغريب في الأمر هو ظهور نسبة كبيرة تتجاوز الـ50% من الطلبة ضمن من أيدوا استمرار العقاب البدني، قائلين إن هذا النوع من العقاب «قد يشعرنا ببعض الإهانة، لكنه في الوقت نفسه ينبهنا إلي تقصيرنا في حق أنفسنا ومجتمعنا ووطننا»، ومضيفين أن «النهضة التي تعيشها كوريا الجنوبية اليوم لم تكن لتتحقق لولا الجدية والالتزام والطاعة ونبذ التسيب والكسل والفوضي والتمرد علي التقاليد المتوارثة، وكلها أمور تولدت بفضل الخوف من العقاب البدني». والنسبة المذكورة متقاربة إلي حد ما مع ما أفصحت عنه دراسة ميدانية أجريت في عام 2003. في تلك الدراسة أفاد نحو 70% ممن استطلعت آراؤهم من طلبة وطالبات المدارس الإعدادية والثانوية أن تطبيق العقوبات البدنية له مبرراتها المفهومة والمتسقة مع التقاليد الكورية القديمة، لكنهم شددوا علي ضرورة تطبيقها في الحالات القصوي فقط. أما المؤيدون لخطوة الحكومة الكورية فقد استندوا في تأييدهم إلي النظريات التقليدية المعروفة والقائلة بأن العقاب الجسدي له تأثير سلبي علي مدارك الطالب ومواهبه وقدراته، وبما يقتل فيه روح الإبداع، ويحول دون تنمية شخصيته وإطلاق مواهبه، بل ينمي في داخله الإحساس بالخوف، والشعور بالمهانة، والرغبة في التمرد أو الانتقام بأساليب عنيفة، فضلا عن دفعه دفعا نحو كراهية التحصيل العلمي، أو التسرب من المدرسة قبل نيل مؤهلات يستطيع بها شق طريقه في الحياة، مضيفين ـ كرد علي من يحبذون استمرار العقوبات البدنية ـ أن المعلم الذي يعتقد أنه بالضرب يستطيع القضاء علي سلوكيات الطلبة المعوجة، إنما هو كالطبيب الذي يفرح بمسكنات المرض بينما حالة مريضه تتدهور. ونختتم بمعلومة ربما كانت خافية علي البعض هي أن فرنسا كانت السباقة عالميا إلي سن تشريعات في عام 1886 تحرم بموجبها علي المعلمين تطبيق العقوبات البدنية ضد طلبتهم، بل كانت الأولي أيضًا لجهة تقديم مقترحات بديلة مثل التوبيخ اللفظي، والخصم من الدرجات، وإجبار الطالب علي الوقوف طويلا في الفصل. باحث ومحاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية من البحرين

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل