المحتوى الرئيسى

د. زكريا بيومي يكتب: إلى بقايا النظام حاولوا البناء بدلاً من مساعي تصفية الحساب

02/26 20:22

الضعفاء المفلسون وحدهم هم الذين يسعون لإثبات الذات على حساب هدم غيرهم دون أن يحاولوا القيام بأي دور بنَّاء لحياتهم أو لبلادهم، واختلاف آراء الناس أمر طبيعي لكن المشترك بينهم هو الذي ينبغي أن يدفعهم للعمل الجماعي البنّاء بدلاً من التحجر عند مواطن الاختلاف، فيتناحروا وتذهب ريحهم ويهونوا على غيرهم. ومن شواهد ذلك ما عرضته شاشة القناة الفضائية المصرية في برنامج دين ودنيا يوم الخميس 24 فبراير؛ حيث تحدث الشيخ سالم عبد الجليل وكيل وزارة الأوقاف، الذي وقف موقفًا حكوميًّا من ثورة 25 يناير، ثم حاول أن يغيره بعد نجاحها، كما غيَّر ثوبه من الجبة إلى البدلة عساها تكون إيحاء بذلك التغير، وحاول بإيماءات واضحة للعيان أن يثير المخاوف من جماعة الإخوان المسلمين، وبدأ بتفسير سطحي غريب للدولة المدنية الإسلامية بأنه بدأ بتغيير النبي عليه الصلاة والسلام لاسم يثرب إلى المدينة، فسارع الدكتور نبيل السمالوطي بالتأكيد علي البيعتين، وترحيب أهل المدينة باختيار الحاكم وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إصداره للصحيفة التي كانت بمثابة عقد اجتماعي فريد في التاريخ لتحديد أبعاد المواطنة والمساواة في الحدود والواجبات. ثم عاود الشيخ عبد الجليل ليثير ما يعتبره خطرًا داهمًا يتمثل في اعتلاء كوادر من جماعة الإخوان للمنابر بدلاً من الدعاة المعينين مِن قِبَل وزارته، وأن ذلك سيبعد الناس عن منهج الوسطية الذي يربي دعاة الأوقاف عليه، وأنه لا بد من التدخل للحفاظ على هذا الوليد الذي يربونه، وغير ذلك من مصطلحات وعبارات عمومية تخلو من معناها. ولا أدري كغيري هل الشيخ سالم لا يعلم أن أغلب من يسمون بالدعاة في وزارته، والذين عُينوا بأساليب عشوائية، قد لا يعون معنى الوسطية أو غيرها، وغير مؤهلين بالمرة للوقوف على منبر وقف عليه نبينا وأصحابه الأفاضل، وأنهم يقرءون ما يملى عليهم من خطب الدولة أو من كتب مطبوعة منذ أيام السلاطين، وغير مؤهلين لإدراك الواقع المعاصر بتفاعلاته وتياراته اللهم إلا بعض المصطلحات العمومية التي يحتمون في قولها بحصانة المنبر، وأنه لو رفعت هذه الحصانة وعاد دور المسجد الحقيقي في النقاش والحوار ما بقي واحد منهم داخل مسجد إلا ما عصم ربك، وأن استمرارهم على ما هم عليه سيقلل من حضور أغلب المسلمين للصلاة في المساجد، وهو ما تخطط له الأنظمة المعادية لمنهج الله. وتصادف في نفس اليوم استضافة إحدى قنوات الحياة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي بعد طول غياب عن الإعلام والشعر، وأن كرهه للتيار الإسلامي قد دفع القناة المملوكة لرئيس حزب الوفد لاستضافته للمساهمة في تيار إثارة المخاوف من الدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، وتوضيح أبعاد خطرها على مستقبل العمل السياسي لمجرد أن الجماعة قد شاركت بدور فاعل في ثورة الشباب كفصيل سياسي من شعب مصر، فهم يرون أن ذلك الدور يسد الطريق أمام الأحزاب الورقية للسطو على الحدث، وممارسة كل أنواع الانتهازية السياسية؛ حتى يفسح الجميع الطريق لهم حتى الشباب طليعة الثورة أنفسهم. لقد ضاقت هذه الأحزاب بعدم الانتباه لها أو إعارتها أي اهتمام بعد محاولات كثيرة من لفت الانتباه في مؤتمرات صحفية جمعت كل المهمشين دون مجيب، واستجداء طلب الحوار مع النظام الجديد، ولم يبق أمامها سوى التنبيه لخطورة جماعة الإخوان وهو نفس منهج النظام القديم الذي قامت الثورة ضده، فالمدقق الذي يعيد النظر في الماضي القريب يرى كيف كان النظام البائد ومن حوله مجموعة الأحزاب التي يزين بها لوحته الهزلية يثير المخاوف من التيار الإسلامي الذي ملأته جماعة الإخوان وحدها، واليوم يحاولون نفس المحاولة أمام المجلس العسكري والقوى الليبرالية الغربية. على أنه مما يزيد حيرتهم هو أن المجلس العسكري الذي ينتمي لكل شرائح المجتمع المصري قد أقرَّ بأن الفصيل الإسلامي الذي تمثله جماعة الإخوان هو ركن أساسي من أركان القوى السياسية الفاعلة والمعبرة عن تيار من شعب مصر، وأنه يستحيل مواصلة تهميشها أو عدم الاعتراف بوجودها كلاعب أساسي في الحياة السياسية. كما أن القوى الغربية لم تعد تخفى عليها وسائل الضعفاء، فأعرب قادتهم على أنه يصعب عدم الاعتراف بواقع التيار الذي تمثله الجماعة في العمل السياسي، وأنه لا خوف من أي دور لها، بل وحتى الكثير من المفكرين المسيحيين المصريين الذين أعربوا عن عدم وجود أية هواجس حيال تيار الجماعة، ولم يبق الهاجس حيال الجماعة إلا من خلال أساليب قديمة ومفلسه لأتباع الأحزاب السطحية الورقية التي لا تجد وسيلة لوجودها على الساحة إلا من خلال مهاجمة غيرها، وليس من خلال دور فاعل لها؛ لأنها ليست في برامجها أو أصل تواجدها مؤهلة له. وأصبح من الضروري أن يعيد أتباع الإسلام الحكومي النظر في أدبياتهم التي أدمنوا من خلالها منهج التبعية للأنظمة السياسية، وأن يستعيد الأزهر دوره الرائد بالاستقلال الكامل كجامعة علمية وعالمية تستوعب كلَّ التيارات. ولا بد للأحزاب أن تعيد النظر في تكوينها وبرامجها، وأن تكون معبرة عن شرائح اجتماعية بدلاً من مواصلة الاستعلاء، وإثبات الوجود برأس المال وحده، وما يتبعه من وسائل الإثارة والتهييج فلن يجدي ذلك نفعًا، وأن تكون ملتزمة بالنهج الليبرالي الذي تدعيه في ترك غيرها ليعمل بحرية. ولنتعلم جميعًا من شيخ شيوخ هذا العصر يوسف القرضاوي الذي ضاق البعض بحماسه وإمامته للثوار مصورينه على أنه الخميني، وغير ذلك من عبارات الذعر، فقال في نونيته الشهيرة التي قالها في سجنه: تا الله ما الدعوات تهزم بالأذى أبدًا وفي التاريخ بـــر يمينيضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكينلن تستطيع حصار فكري ساعة أو نزع إيماني ونــور يقينيالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي حافظي ومـــعينيسأظل معتصمًا بحبل عقيدتي وأموت مبتـسمًا ليـــحيا دينيأنا والله لست عضوًا في الجماعة لكني بحكم عملي كمؤرخ محايد أحاول متابعة الحياة السياسة في بلادي، وأجدني أمام كلمة حق لا بد أن أسجلها في صفحة التاريخ المصري المعاصر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل