المحتوى الرئيسى

أزمة اليسار الفلسطيني بقلم محمد نمر مفارجة

02/26 19:48

أزمة اليسار الفلسطيني بقلم محمد نمر مفارجة بمناسبة ذكرى انطلاقة الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين في 22 شباط 1969 ، الفصيل اليساري الذي كان له دور مميز في الثورة الفلسطينية و م.ت.ف. كفصيل مقاتل و ذا رؤيا سياسية و اجتماعية طبقية بتبني فكر الطبقة العاملة و نضاله في صفوفها و صفوف الفئات الكادحة الاخرى . و عانى كما باقي فصائل اليسار و الحركة الوطنية عموما منذ نحو عشرين عاما بعد توقيع اتفاق اوسلو ، يأتي هذا المقال . يمر اليسار الفلسطيني كما باقي الحركات السياسية الوطنية بأزمة كبرى ، رغم زخم التجربة و امتدادها لعشرات السنين الماضية ، لعبت فيه الحركة الوطنية بجميع الوانها القومية و الاشتراكية و الشيوعية ادوارا مهمة في مسيرة التحرر الوطني للخلاص من الاحتلال و تحقيق حل عادل للقضية الفلسطينية . لماذا الأزمة؟ البعض يعتقد ان اسباب الأزمة تعود لامور ايديولوجية لا تتماشى مع ثقافة الجمهور و الشعب الفلسطيني . و البعض الآخر يعتقد ان ذلك يعود لاسباب داخلية خاصة باحزابها ، و يعود لارادات سياسية و تنظيمية تتمثل في ادعاءات بالجمود الفكري و السياسي و التنظيمي و تشرذم هذه الاحزاب و عدم التجديد و اشاعة الديموقراطية و غير ذلك . و آخرين يعتقدون ان ذلك يعود لجفاف مصادر الدعم و المساندة من القوى الدولية الحليفة لحركات التحرر الوطني في العالم و منها حركة التحرر الوطني الفلسطينية . و في رأيي ان هذه الامور رغم اهميتها ليست بالاسباب الحقيقية . و لكن ما هي الاسباب الحقيقة ؟ يمكن تلخيص ابرز الاسباب لأزمة اليسار الفلسطيني و مجمل حركة التحرر الوطني الفلسطيني بالقاء نظرة على الواقع الفلسطيني في الاراضي المحتلة . الواقع السياسي : تردي الاوضاع السياسية جراء انتكاسات و هزائم كبيرة و عديدة لحقت بحركة التحرر الوطني العربية التي شهدت نهوضا كبيرا في الخمسينات و الستينات و ادت الى تحرر معظم الدول العربية من الاستعمار ، و احداث تغييرات سياسية و اجتماعية و اقتصادية و ثقافية لصالح الجماهير العربية . حدثت هذه الهزائم بفعل قوى جبارة معادية تمثلت بالقوى الاستعمارية و اسرائيل و الانظمة العربية الموالية لها . و كانت هزيمة حزيران عام 1967 بداية النهاية لحركة التحرر العربية ، تبعها سلسلة من الهزائم مثل خروج م.ت.ف. من الاردن و لبنان ، و حرب الخليج و احتلال العراق و كان اشدها اتفاق اوسلو و انشاء السلطة الفلسطينية مقابل الحفاظ على الامن و الاستقرار في المنطقة . حيث تأثرت حركات اليسار كونها جزء اساسي من حركة التحرر الوطني . الواقع الاجتماعي : بعد حرب عام 1948 طرد معظم الشعب الفلسطيني من ارضه التي اقيمت عليها اسرائيل و اصبح لاجئا و مع التوزع الجغرافي في دول عديدة فقد الشعب الفلسطيني بعضا من روح و ارادة الوحدة و التلاحم التي اخذت في التحقق بعد حرب عام 1967 و انطلاق الثورة الفلسطينية . و في الاراضي المحتلة حدثت تحولات اجتماعية كبيرة تمثلت في تحول نسبة كبيرة من الشعب الفلسطيني من لاجئي المخيمات و ابناء الريف الى عمال في المشاريع الاسرائيلية بعد ان فتحت اسرائيل المجال لهم للعمل في مشاريعها و اضحى هؤلاء العمال يخضعون لاضطهاد مزدوج قومي و طبقي من من قبل العدو الاسرائيلي . و بعد اوسلو و انشاء السلطة الفلسطينية ، حدثت تغييرات اجتماعية جديدة ، حيث جرى التضييق على عمل العمال في اسرائيل و تقلصت اعدادهم بشكل كبير ، و كذلك الحال بالنسبة للعمال العاملين في المشاريع العربية و لاصحاب الحرف و المهن العرب الذين تدهورت اوضاعهم بشكل كبير ، معظم هؤلاء تحولوا للعمل في اجهزة و دوائر السلطة ، كما ان قسما منهم تحول للعمل لدى ما يسمى المنظمات الاهلية . و بذلك تحول قسم رئيسي من القوى العاملة الى شرائح بيروقراطية و طفيلية تعمل في السلطة و المنظمات الاهلية ، و تمثل حوالي نصف القوى العاملة في الاراضي المحتلة بينما ربع هذه القوى يعيش حالة بطالة عن العمل و يبقى نحو ربع القوى العاملة هو القسم الحي المنتج و يشمل العمال و الفلاحين و التجار و الحرفيين و اصحاب الصناعة . و من المعروف ان السلطة و المنظمات الاهلية تعتمد على تمويل ما يسمى الدول المانحة و التي تقدم مساعداتها مقابل الحفاظ على الامن و الاستقرار في المنطقة . الواقع الأقتصادي : بعد حرب عام 1967 تشكلت قوى اقتصادية جديدة تمثلت في نشوء صناعات متوسطة و صغيرة معظمها كان ملحقا بالاقتصاد الاسرائيلي ، و تجارة ارتبطت معظمها بالاقتصاد الاسرائيلي و بعضها بالتصدير الى الاردن التي كانت تحتفظ بعلاقات ادارية و سياسية مع الاراضي المحتلة . كما حدثت تغييرات في قطاع الزراعة تمثلت في اهمال واسع للاراضي و الزراعة من جانب و تطبيق اساليب زراعية حديثة مرتبطة بسياسة و اقتصاد اسرائيل . و بعد انشاء السلطة تضررت هذه القطاعات كثيرا ، حيث اغلق الكثير من الصناعات و الورش و الحرف و تقلص دور التجارة و كذلك الزراعة ، ليخلف ذلك تجارة و عمل لبعض النشاطات الاحتكارية المرتبطة بالاستيراد من الخارج و الخدمات التي تمولها الدول المانحة . الواقع الثقافي : جرت تغييرات كثيرة بعد حرب عام 1967 حيث قوي الحس السياسي و اقبل الجمهور على الانتساب للاحزاب و الحركات السياسية و شارك بقوة في مسيرة الثورة ، و من جانب آخر تراجعت مفاهيم اصيلة مثل تقديس الارض و العمل في الزراعة و بعض المظاهر السلبية المرتبطة بالثقافة الاستهلاكية . و بعد اوسلو سادت مظاهر ثقافية سلبية كثيرة و اهمها الاحباط السياسي و النفور من الاحزاب و المنظمات السياسية الوطنية ، تبعها صعود للحركات السياسية ذات الايديولوجيا الدينية التي تمكنت من استقطاب قسم كبير من مناصري الاحزاب و المنظمات الوطنية من نخب و جمهور بفضل الامكانات المادية و السياسية التي توفرت لها . و كذلك تفاقمت المظاهر السلبية المرتبطة بالثقافة الاستهلاكية و العمل البيروقراطي و الطفيلي الذي يموله الاجانب حلفاء العدو الاسرائيلي مثل الفساد و الانحراف الاخلاقي و السياسي . حضور اليسار : من المعروف ان احزاب اليسار و منظماته هي التعبير السياسي للطبقات و الفئات المضطهدة و الخاضعة للاستغلال من عمال و فلاحين و غيرهم ، و هي تضم النخب التي تعتبر قيادة هذه الطبقات و الفئات و هي تنحاز ايديولوجيا و سياسيا الى جانب هذه الطبقات و الفئات . و لا يقصد بذلك الفقراء غير العاملين و غير المنتجين الذين يعتمدون على مساعدات انسانية تقدم لهم . عند النظر في واقع هذه الطبقات و الفئات نجد انها تشكل جزءا من ربع القوى العاملة (الجزء الحي و المنتج)، هذا من حيث الحجم و من حيث الميزات هي تفتقر للتجمع و الوحدة و التنظيم . كل ذلك يضع صعوبات موضوعية امام احزاب اليسار للنشاط و النمو و الحضور الحقيقي على الساحة السياسية . كذلك الواقع السياسي الصعب و عدم الوصول الى اي تقدم في تحصيل الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني و اقتصار ميدان العمل السياسي في المفاوضات مع عدو و خصم يمتلك القوة و تسانده قوى جبارة من العالم الاستعماري و الانظمة العربية الموالية . بالاضافة الى تدهور و ضعف الاقتصاد الوطني الذي اصبح رهينة بايدي ما يسمى بالدول المانحة و شروطها . كذلك التدهور الثقافي السائد و سيادة مظاهر الاحباط و النفور من الاحزاب السياسية و مظاهر الفساد و الانحرافات الامنية و السياسية و الاخلاقية . و ليس غريبا النتائج الهزيلة لاحزاب اليسار فيما يسمى الانتخابات التشريعية و الهيئات المحلية . مستقبل اليسار : يمكن القول ان مستقبل اليسار مرتبط بالواقع السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي الذي جرى استعراضه ، و هو مستقبل بعيد عن التفاؤل في ظل هذا الواقع . كذلك مستقبل هذا اليسار مرتبط بمستقبل الشعب الفلسطيني و قضيته الوطنية و التي جرى اختزالها في حدود ضيقة من المفاوضات الى المساعدات الانسانية ، و الحفاظ على الامن و الاستقرار في المنطقة و المقصود هنا امن و استقرار مصالح اسرائيل و حلفائها .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل