المحتوى الرئيسى

د. محمود غزلان يكتب: الأستاذ هيكل وفزاعة الإخوان المسلمين

02/26 19:07

الأستاذ هيكل.. صحفي عالمي، ومثقف كبير، ومحلل سياسي جيد، يمكنك الاختلاف معه، ولكنك لا تستطيع أن تجحد هذه الصفات فيه، يحالفه التوفيق كثيرًا إذا ابتعد عن موضوعين اثنين: الحقبة الناصرية وما جرته على الأمة العربية في مأساة 1967، والتي نعيش في ظلالها حتى اليوم، وموضوع الإخوان المسلمين؛ لأنه يتناول الموضوعين بالعاطفة لا بالعقل. فالأول يتعامل معه بعاطفة الحب؛ لأنه كان مشاركًا فيه، ومن ثم ينبري للدفاع والتبرير، والثاني بعاطفة البغض، وبالتالي يلجأ دائمًا إلى الغمز واللمز إن لم يكن الهجوم والتحريض. لذلك رأيناه على شاشة التليفزيون المصري في حديثه مع الإعلامي الشهير، الأستاذ محمود سعد، عن ثورة الشعب المصري، والتي بدأت في 25 يناير الماضي؛ يتعرض للإخوان المسلمين بأخبار غير صحيحة وتحليلات غير موفَّقة، لا يمكن أن تُفهم إلا على أنها إحياء لفكرة الفزَّاعة في الداخل والخارج التي استخدمها النظام البائد طوال سنيِّ حكمه لتكريس استبداده وظلمه وفساده. من ذلك أنه أشار إلى ما حدث في ميدان التحرير يوم جمعة النصر 18 فبراير، أثناء المظاهرة الضخمة، التي قاربت الثلاثة ملايين مصري ومصرية، فذكر أن هناك من القوى التي كانت تحاول توجيه الأمور لصالحها، وكانت هناك منصة تحاول أن تسيطر على الأمور، وحينما طلب منه الأستاذ محمود سعد أن يتكلم بصراحة، قال إنها جماعة الإخوان المسلمين، والتي كانت تحاول الاختفاء، وأن نائبًا سابقًا في البرلمان من الإخوان كان يدير المنصة، ثم تحدث عن الدكتور القرضاوي بإشفاق؛ حيث قال إنه رجل كبير ومريض، وأنه حاول أن يتحدث بعقل وحكمة مع المتظاهرين، وأنه- هيكل- كان يتمنَّى ألا يُعرِّضه أحد لهذا الموقف، في إشارة إلى الإخوان المسلمين. ثم أضاف: هناك من يحاول أن يجعلنا نشعر أن الخميني قد جاء بعد سفر طالت مدته، وأردف بأن هناك من حاول في ميدان التحرير أن يردِّد هتافات خاصة ولصالحه، ولكن عناصر أخرى تحوَّلت لترديد هتافات لصالح المجتمع بأكمله. ولا أدري إن كان هناك من نقل إليه هذه الأخبار غير الصحيحة، أم أنه تصورها تصورًا، فيقينًا لم يذهب سيادته إلى الميدان. أما بالنسبة لمحاولة جماعة الإخوان الاختفاء- كما يزعم- فالجماعة قرَّرت السماح لأفرادها بالمشاركة منذ اليوم الأول، ثم تحول السماح إلى تكليف مستمر، مع الالتزام بالمبادئ والأخلاقيات والآداب الإسلامية؛ باعتبارهم جزءًا لا يتجزَّأ من الشعب المصري، والمناداة بالمطالب الشعبية العامة والشعارات الوطنية فقط، ولا أريد أن أتكلم عن البلاء الحسن الذي أبلاه رجالنا ونساؤنا، ولا عن دورهم الحاسم- بفضل الله- في ملاحم الدفاع عن الثورة وعن الشباب؛ لأننا تربَّينا على قيم الإخلاص لله، وإنكار الذات وطلب الأجر من المولى عز وجل، دون تطلُّع من الناس إلى جزاء ولا شكور، فشهداؤنا من شهداء شعبنا، وجرحانا من جرحاهم، وأسرانا من أسراهم، فإذا كنا لا نتكلم عن دورنا فليس معنى ذلك أننا نتخفَّى، وقد بدأ بعض المنصفين من غيرنا الحديث عنه، كما أن هناك أيضًا حسابات تقتضيها المصلحة الوطنية العامة، نحن نقدمها على المصلحة الخاصة. أما محاولات الظهور والسيطرة وإثبات الذات، فهي أمور نترفَّع عنها، وإن حرص عليها غيرنا، أما النائب السابق، الدكتور محمد البلتاجي، فقد أقام في الميدان الثمانية عشر يومًا، أيام الثورة، وشارك في كل فعاليتها، وبُحَّ صوته من هتافاتها، واختُطف ولده وعذِّب؛ بسبب هذه المشاركة، فهل نستكثر عليه أن شارك في تنظيم جمعة النصر. إنه مع غيره بمشاركتهم في هذه الثورة؛ إنما وضعوا رءوسهم على أكفهم في سبيل الله، ثم تحرير الشعب والوطن، فهل يليق بمن جلسوا في الغرف المكيفة خلف شاشات التليفزيون في مأمن أن يوجهوا سهام اتهاماتهم إلى هؤلاء المناضلين؟! والمثير للدهشة والاستغراب بل الاستنكار هو ما قاله عن الدكتور القرضاوي؛ فهل الرجل المصري المريض الطاعن في السن، الآتي من أطراف بلاد العرب ليخطب الجمعة في ميدان التحرير يستحق الشكر والثناء أم الشفقة والنكير، والرجل قال بصريح العبارة: إنه جاء مهنئًا وداعيًا للخير فحسب، وليس له أي مأرب، ولا يسعى لأي منصب، وأنه كان مؤيدًا للثورة، ولذلك سمعناه من بدايتها في قناة (الجزيرة) يحرِّض المصريين على الصبر والاستمرار والتضحية والفداء، ويدعو الرئيس المخلوع لأن يرحل مختارًا قبل أن يرحل مكرهًا، معرضًا نفسه لمخاطر وأضرار في حال عدم نجاح الثورة. أما أنه حاول أن يتحدث بعقل وحكمة مع المتظاهرين فهي عبارة تنبئ عما يكنُّه هيكل للقرضاوي، فالمعروف أن الرجل يتكلم بعقل وحكمة على الدوام، وأنه يمثل وسطية الإسلام، وأنه محل ثقة علماء المسلمين؛ الأمر الذي دعاهم لانتخابه رئيسًا لاتحادهم مرات عديدة، ولقد شهد كل من سمع خطبته في ميدان التحرير أنه كان رائعًا، حتى إنه في خطبة الجمعة لم يكن ينادي الناس بـ"يا أيها المسلمون"، وإنما بـ"يا أيها المصريون"، وتكلم للشعب مهنئًا ومثبِّتًا وناصحًا وللجيش مادحًا ومشيدًا، ودعا أصحاب المطالب الفئوية للصبر على مطالبهم والعودة للعمل والإنتاج لبناء الوطن ودعم الثورة، ووجَّه حديثه للمسلمين والمسيحيين حاضًّا على الأخوَّة والوحدة والترابط ونبذ الفرقة والتعصب والتخاصم لبناء الوطن والتقدم بالأمة. والمصيبة الكبرى في كلام الأستاذ هيكل أنه زعم أن هناك من يحاول أن يجعلنا نشعر أن الخميني قد جاء بعد سفر طالت مدته، فهي إشارة مبطَّنة إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهي محاولة سيئة لإحياء فكرة الفزَّاعة في الداخل والخارج بعد أن لفظها الجميع وسخر منها عقلاء الداخل والخارج، بعدما أراد الرئيس المخلوع استخدامها لاستمالة الغرب إليه في آخر حديث له مع محطة إعلام أمريكية. فالقرضاوي لم يدَّعِ أنه زعيم ثورة، والخميني كان قائد ثورة إيران وزعيمها، والقرضاوي ما جاء ليتسلم الحكم، وإنما ليخطب الجمعة ويعود أدراجه، والخميني جاء إلى إيران ليتسلم منصب مرشد الثورة ويقيم فيها. ولو استمعنا إلى أحاديث القرضاوي في الفضائيات عن الثورة الليبية لوجدناه أشد حماسًا وأكثر انفعالاً وتأثرًا وأقوى تحريضًا لليبيين على الصمود والصبر والاستمرار والتضحية؛ من أجل خلع الطاغية السفاح، فهل يريد القرضاوي أن يكون خميني الثورة الليبية أيضًا؟ أجيبوا يا أولي الألباب؟ أما أن الإخوان هم الذين جاءوا به إلى ميدان التحرير فغير صحيح، والرجل كان عازمًا على المجيء للخطابة في الميدان في الجمعة التي سبقتها، قبل أن يعلن الرئيس المخلوع تنحيه، ولكنَّ مستشاري الدكتور القرضاوي هم الذين نصحوه بالتأجيل. أما بالنسبة للزعم بأن الإخوان ردَّدوا هتافات خاصة حتى أسكتتهم الجماهير بهتافات لمصلحة المجتمع كله، فهو ادِّعاءٌ غير صحيح بالمرة، فلقد كانت التعليمات للإخوان بألا يرفعوا هتافاتهم الخاصة قط، وإنما يتماهون في الشعب وهتافاته. والغريب أنه بمجرد ما أدلى الأستاذ هيكل بهذا الكلام في التلفزيون المصري حتى انطلق تلاميذه من أدعياء الثقافة والصحافة بترديد الكلام والتركيز على قصة الخميني، واستحضار الفزَّاعة، وادِّعاء الخوف والرعب من الإخوان المسلمين، ونظام حكمهم، رغم تكرار الإخوان للقول بأنهم لن يترشَّحوا للرئاسة، وأنهم ليسوا طلاب سلطة ولا يتطلَّعون لأغلبية في البرلمان، ولكنهم يبغون الحرية والإصلاح للشعب كله، وكنا قد اعتقدنا ورجونا أن تكون الثورة الشعبية المصرية العظيمة قد غسلت النفوس من أحقادها، وطهرت القلوب من ضغائنها، وما زلنا نرجو ونأمل في تغليب العقل على العواطف والمصلحة العامة على الخاصة، واحترام مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة؛ حتى لا نقول: ويل للجميع من ثقافة بغير ضمير!.-------------* عضو مكتب الإرشاد. 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل