المحتوى الرئيسى

ذهبوا وسيذهبوا "من حيث لا يحتسبون" بقلم: فراس ياغي

02/26 13:50

بقلم: فراس ياغي يمكننا اليوم الحديث إستباقا وتفاؤلا عن الاستقلال الحقيقي الذي قد بدأ يرى النور في الدول العربية..فعهد "بو العزيزي"، وسيدي بو زيد، وميدان التحرير ومحكمة بنغازي، وما يجري من حراك مستمر في ميادين وساحات اليمن والبحرين والجزائر والاردن والمغرب وصولا للوسط الشبابي في فلسطين المحتلة، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، بأن عصراً قديماً قد ولىّ، وعهداً جديداً قد بدأ.."سايكس بيكو" حتماً في طريقها للاندثار، والحدود المصطنعة التي فُرضت علينا في الوطن العربي بشقيه الآسيوي والافريقي أيضا في طريقها للتماهي..ف"بلاد العُربِ أوطاني من الشامِ لبغدانِ..ومن نجدٍ الى يمنٍ، إلى مِصرَ فتطوانِ..فلا حدٌّ يُباعدنا ولا دينٌ يُفرّقنا، لسان الضَّادِ يجمعنا بغسَّانٍ وعدنانِ". البلدان العربية حصلت على إستقلالها من الاستعمار بطريقتين، إما بثورة أدت لطرده وتكونت خلاله ما يسمى بالدولة الوطنية الثورية التي وضعت نفسها كجزء من حركات التحرر والكتلة الاشتراكية في تلك الفترة، وكردة فعل ضد الاستعمار أكثر من كونها قناعات وأيديولوجيات بمفهوم التقدم والاشتراكية، والجزء الآخر من الدول وبالذات الممالك والامارات حصلت على الاستقلال بإتفاق بين مجموعة من هذه العائلات والاستعمار أدت لسيطرتها على تلك الدول ولا تزال..وحتى ما عُرف باسم ثورات ضدّ بعضاً من العائلات المالكة كما حدث في "العراق" و"مصر" مثلا، لم تكن سوى حركات قام بها ضباط من الجيش لديهم توجهات وطنية وثورية..ولكن ما ميز مُجمل كل هذه الدول وكل هذه الحركات، أنها لم تكن تعي مفهوم التحول الديمقراطي في تكويناتها الداخلية كشرائح أو أحزاب، فعكست ذلك بشكل كامل على سيطرتها على الدولة، وأصبحت العائلة المسيطرة والحزب الحاكم مسميات لنفس التوجه وطريقة الحكم، فالتوريث أصبح ممكنا حتى في عهد الجمهورية، وإستطاع العرب وحدهم تحويل الجمهورية لملكية وبديمقراطية على مقاس هؤلاء الحكام. منذ زوال الاستعمار المباشر وتحوله لاستعمار غير مباشر عبر الاقتصاد والشركات والحماية الامنية باسم المصالح الحيوية، لم تظهر الدولة في الدول العربية، بمفهومها الحقيقي المؤسسي المبني على عقد إجتماعي "دستور"، وفصل بين السلطات وسيادة شعبية، وإستعيض عنها بعصابة تحكم بطريقة عائلية إما بشكل مباشر أو عبر حزب حاكم، وبتحالف مع ما يسمى "لصوص الاعمال" وبتشكيل جيش وجهاز أمني متضخم وبإمتيازات كبيرة لقياداته، مهمته قمع الشعب وحماية هذه العصابات..وكنتيجة لكل ذلك، فقد عملت هذه النخب "العصابة" على نشر قيمة الفساد والرشوة والانحطاط الخلقي في داخل المجتمع ولدى أفراد الجهاز الامني بتشكيلاته المختلفه، فلا دخول للحدود بشكل محترم دون رشوة المُسيطر عليه، ومعبر "رفح" يشهد على إنتشار ذلك لدرجة أن السعر حدد ب "الدولار" مقابل الدخول لمصر، بل أصبح بعضا من الضباط في الامن يطالبون بتعينهم على معبر "رفح"، بل بدأ يأخذ منحنى مفهوم "المقاولات"، فصحاب الرتبه الاعلى يحصل على مبلغ مقطوع "آلآف الدولارات" مقابل تعين الضابط الاقل رتبه، كل شيء تحول لمشروع "بزنس" على طريقتهم الفاسدة. العصابات الحاكمة وبدعم غربي واضح وعلى رأسه الولايات المتحدة، بدأت عملية إفساد هائلة للمجتمع ككل، وخلقت شريحه إجتماعية مستفيده من الامتيازات في الحكم ومن الفساد المستشري في كل الدوائر، وإمتدت هذه الشريحه لتشمل كافة المجالات، الاقتصادية والاعلامية والامنية وحتى بعضا من النخب الثقافية التي فضلت جيبها على عقلها، بل وصلت الامور لخلق مؤسسات "مجتمع مدني" مهمتها تخويف الغرب من "الاسلام السياسي"، وأن الديمقراطية لا تصلح للشرق القبلي والطائفي، وهو مصطلح سيؤدي لفوز هؤلاء الاسلاميين في الانتخابات، وكانت الانتخابات الفلسطينية مثال صارخ لدى هذه المؤسسات "الدكاكين"، في حين أن واقع الامر يتمثل بجملة واحدة، "الشعب كره الفساد والفاسدين والمُفسدين ولم يجد أمامه سوى الاسلاميين". ليست الديمقراطية هي السبب في إمكانية ظهور نخب في السلطة معادية للغرب، ولا ليبرالية الولايات المتحدة الامريكية، فلا موقف جذري مناهض للغرب منتشر بين الشعوب العربية، إنما هناك غضب وعداء دائم لسياساتهم في دعم الدكتاتوريات العربية، وتفضيلهم الدائم لدعم إسرائيل في إحتلالها للاراضي الفلسطينية على صنع سلام حقيقي، خاصة زيف شعاراتهم لمفهوم الدولتين لشعبين، ونظرتهم للشرق والعرب بالذات من عيون إسرائيلية أمنية بعيدة كل البعد حتى عن توجهات أصدقاءهم المعتدلين الداعمين للسلام الشامل والممكن. التغييرات الدراماتيكية التي تعم الشرق لا رجعة عنها، وهي جذرية التوجه نحو الديمقراطية والتعددية، وشاملة المفهوم بالدعوة للمأسسة بدعواتها لدستور عصري يُشكل وينظم العلاقة بين نظام الحكم وسلطاته المختلفه، ويعطي للشعب حقه الطبيعي كونه صاحب السيادة الفعلية والحقيقية، فلا صوت يعلو فوق صوت الشعب، ولا دولة بدون عقد إجتماعي يصون الحريات والحقوق ويحدد الواجبات، فالدولة ليست عزبة ومزرعة هذا الزعيم وتلك العائلة، والثروة الوطنية للشعب ككل لا لشريحه محددة سيطرت عليها بالفساد والدعم الغربي، أنظروا ماذا يفعل من يُسمي نفسه قائد الشعب والثورة، "مجنون باب العزيزية" يقود عصابه في ليبيا ويتهم الشعب بالهلوسه، يُحضر مرتزقه ضد شعبه، ويُلبس كتائبه العسكرية ملابس مدنية لتتظاهر تأييدا له، هو ليس الوحيد في ذلك على كلٍ، فحتى غيره من الزعماء "اللا- مجانين"، يفعلون ذلك بِعلمهم أو بتدبير من حاشيتهم، لتقديم إثباتات لاسيادهم من الغرب على جماهيرتهم، هم بذلك يكذبون على أنفسهم ليصدقوا لاحقا ما يتوهمونه ويبررون قمعهم وبقاءهم. الحزب الحاكم، او الزعيم الحاكم، او العائلة الحاكمة، او حتى "قائد الثورة" كمفهوم وهمي، ليسوا بدائل عن الشعب ولا يشكلون سوى عصابات وشرائح إغتصبت السلطة بدعم إستعماري، وإستطاعت عبر عقود من الزمن تشكيل شرائح إجتماعية مستفيده منها وملتفه حولها، أدت لتشكيل طوق عازل بين الحاكم وبين جماهير الشعب الحقيقية وفئاته المختلفه، وبالذات النخب الطامحة للتحرر والحرية والديمقراطية، ونموذج الدولة المصرية وما حدث فيها، نموذج واضح لكل الانظمة العربية المختلفه، فلا "مدينتي" ولا الجهاز الامني الفاسد والقمعي والمتضخم فيها، ولا الاعلام ونخبه، ولا حتى فنانيه وبلطجيته، ولا كل الدعم الغربي الشامل، إستطاعت حمايته من غضب الملايين. وكفلسطيني، أود أن أهمس صادقا وعلنا، للقيادة الفلسطينية التاريخية والمناضلة وليس للمصَنَعين والمُصطَنَعين، الخصخصة و "روابي" والامن، والانفاق والانقسام، ووضع طوق عازل من النخب المنافقة والمستفيدة، لن تجلب لكم سوى ما جلبته تلك النخب ل "بن علي" ول "بن مبارك"، وما تجلبه الآن ل " بن قذافي"، فلا تصدقوهم، وإتخذوا قرارات لصالح بقائكم ليس كقيادة وإنما كوطنيين فلسطينيين.. والحمد لله..الحمد لله، على ظهور تكنولوجيا الاتصال والفضائيات، فقد مكنتنا لنعرف جيدا، أن كل الزعماء العرب، المثقفين منهم وأصحاب الشهادات، والأُميّين منهم أصحاب الثروات، والقيادات الثورية اصحاب المحاضرات، كلهم يتمتعون بميزة واحدة، جاءوا من حيث لا يعرفون ، وقعدوا من حيث لا يعلمون، وذهبوا وسيذهبوا من حيث لا يحتسبون..والله أكبر على الظالمين. Firas94@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل