المحتوى الرئيسى

بشرى البستاني .. العراق وطن استثنائي ولذلك كان حبي له إستثنائياً

02/26 13:16

بشرى البستاني .. العراق وطن استثنائي ولذلك كان حبي له إستثنائياً ... هي مثل نخلة شامخة حين ترقى برفعتها ، تولد حولها فسائل شبيهة بها لتشد من أزرها في رحلة الخلود المضنية ، هذه السيدة المزخرفة بالحنين والأمنيات كانت وما تزال نخلة عراقية باسقة بامتياز لذا اعتلت بشموخها منائر الإبداع لتواكب الق السحاب المتشظي فوق أديم الحياة المجدبة ، وأضحت تساير عجلة الأيام بلهفة نهر جارف لا ينفك عن مطاولة مجراه مهما تحدبت صخوره وتحجرت ، من أجل أن يكافح ويصل ، وليبلغ مرامه في أقاصي بحار العالم ، بهذه الهمة وصل نتاجها مترجما إلى الولايات المتحدة الأمريكية مرتين ، مرة في أنطولوجيا أمريكية شعرية بعنوان : نساء أحرقت الحرب أكبادهن ، وثانية في كتاب خاص عن شعرها صدر عن دار ملن برس الأمريكية وثالثة مترجمة إلى الفرنسية ، ولكل من لم يجرب السياحة في عوالم بشرى البستاني نقول : هي الأصابع الملونة تشتق أسماءها من دلالاتها المضيئة وسط التيه وعري الحاضر ، هي التي نضحت من روحها وقلمها شغاف البساتين العراقية ساعة القحط والعسرة والجفاف ، لتسفر عن عمر مترع بالنضرة وسلال مكتنزة بالثمار اليانعة ، كل هذه الاشراقات ، تحدثت بها رفوف البستاني المعتقة نيابة عنها ، وهي لا تزال عامرة بنتاجات عقود من الزمن ، وسهاد مديد يثمر التحف منذ صباها الأول ... بشرى البستاني لم تكتفِ بهذا القدر من الكرم والبهاء الطاعن في الندرة ، بل انحنت بتواضع هضبة مسالمة وتعدت خطوط الاستواء ، وصافحتنا على عجل لنتوحد عند نافذتها في حكاية طويلة ، من الإبداع والأكاديمية والإعلام و .... .... * ماذا تمثل لك الأكاديمية في واحة الشعر ؟ إن نداءكِ الرخيم للطالب أو الطالبة ب ابني أو بنتي ، يضفي على المناقشات الأكاديمية ، سواء كانت رسالة ماجستير أو أطروحة دكتوراه بريقا خاصا .. حتى أن الكثير ممن يحضرون تلك المناقشات .. يتمنون أن تكوني مناقشة لهم ، كي لا يفقدوا لذة نقاشك .. ما الذي يدفعك لذلك ؟ وما هي غايتك ؟ - أما الحديث عن الأكاديمية والشعر ، وهل صحيح أنها تأخذ منه أكثر مما تعطيه فقد تعرضتُ له أكثر من مرة ، صحيح أن الأكاديمية عالم واسع من العلم وضرورة التواصل والمتابعة والبحث المنهجي وتقييم بحوث التدريسيين والعمل على تطوير أداء طلبة الدراستين الأولية والعليا وهذا يحتاج لوقت وجهد كبيرين، إلا أنها دون شك لا تنفك ترفد الشعر بما يزيده وعيا وجمالا ، فالشعر ليس موهبة حسب ، انه عناق الموهبة والمعرفة مؤتلفين ، وهو الفن والعلم في حالة من التواشج والانسجام . أما عن المناقشات العلمية ، فالطالب أمانة مقدسة في عنق أستاذه ، والمناقشة امتحان علني على الملأ ، وساعاتها من أصعب الساعات وقعا على النفس ، ولحظاتها تبقى عالقة في الذهن مدى الحياة فإذا لم يجد الطالب مؤازرة إنسانية من أساتذته زادت صعوبة الأمر عليه ، وربما أثر ذلك على النتيجة سلبا من ناحية علمية ، فالخوف والقلق يؤثران على الجانب النفسي فالعلمي ، وأنا أكره الخوف والقلق لأنهما يجرحان روح الإنسان ويؤذيان كرامته ، كما أني أنظر لطالبي على أنه ثروة المستقبل وبهاء الوطن ، أحبه وأرفض كل ما يؤذيه ، وأول واجباتي احترامه ، وأن أنادي طالبتي وطالبي بهذا النداء الذي أقصده يعني أنه في تلك اللحظة أقرب أفراد عائلتي وأني له أم حميمة حانية ، فيزول القلق والتوتر ويجري الحوار في جو من الأمن والألفة .. * وأنا أتأمل في قصائدك .. ولا سيما بعض القصائد الرثائية ، أجد بينها وبين القارئ أكثر من وشيجة ، ووجدت الكاتب بسام إدريس يشتهي أن ترثيه بعد موته .. ترى ما الذي دفع به إلى مثل هذه الأمنية ؟ وماذا تحوي تلك القصائد ؟ - قصائدي وخواطري في الرثاء تصدر عن شعور عميق بالفقدان ، إنه الموت الذي أعجز الإنسان وتركه مهددا بالغياب دوما ، وهو الذي أبكى الرسل والأنبياء والفلاسفة وجعل جلجامش يهيم ملتاعا بغياب الصديق الحبيب انكيدو باحثا عن عشبة الخلود ليوقف هذا الزحف الأبدي نحو الحفر ، تلك العشبة التي فقدها حين وجدها هي الأخرى ليبقى الفن هو عزاء الإنسان الوحيد الذي يحمل أثره بعد رحيله ، فالزمن حين يهرب دون منجز يجسده إنما يكون ذلك هو الموت الحقيقي ، وحين يتجسد بمنجز أدبي أو فني أو علمي فان ذلك هو ما يتبقى ، فالقصائد والآثار الفنية هي التي ستحمل أثرنا للآتين ، ولذلك تجد الصدق الذي يكتنفه حزن عميق ماهوي في النفس الإنسانية هو الذي تتسم به هذه الكتابة وهي تعبر عن حالة وجودية شديدة اللوعة ، فالحزن ما هوي في النفس الإنسانية بينما يظل الفرح حالة عابرة ، ذلك على ما أعتقد هو الذي شد أخي الصديق المبدع بسام الجلبي أمدّ الله بعمره لهذا الرثاء ، فضلا عما يتسم به هذا المبدع من حساسية مرهفة وروح شديدة الشفافية وثقافة راقية . * انبلج قلمك في سبعينات القرن الماضي في الوقت الذي كان يصعب على المرأة دخول ساحة الورق واللعب بمحبرة القلم .. وخاصة في مدينة الموصل ، لما يوجد فيها من حواجز وموانع تحول دون إقامة منزل إبداعي خاص بالذات ، إلا انك رغم ذلك تخطيت تلك الحواجز والجدران بكل براعة .. كيف كان ذلك؟ وعلى ماذا كنت تستندين ؟ وهل نهلت نسغ شعركِ من الحاضر أم من الماضي ؟ أحيانا تلعب الظروف دورها الحاسم لتدفعك نحو المهمات الصعبة التي رسمتها لك فقد كان والدي رحمه الله رجلا شديد التدين متعصبا مع المرأة لكنه كان شديد الفرح بتفوقي الدراسي ، وحين أرسلني إلى الجامعة ببغداد وأنا لم أبلغ السابعة عشرة من العمر ساد استغراب في العائلة لكن بنات العائلة كلهن دخلن الجامعة بعدي لأني كنت عند حسن ظنهم حسب تعبيرهم ، هذا الوالد مع والدتي رحمهما الله لعبا دورا مهما صامتا في تغذية قدراتي الأدبية ، فشراء الكتب الأدبية صار واحدا من مهمات والدي أما أمي فقد أعفتني من أي عمل منزلي وصار همها متابعة منجزي القرائي ، وهكذا صارت الكتابة في مثل هذا الجو متاحة ولقيت من التشجيع المدرسي ما آزر تشجيع البيت ، فكنت رئيسة تحرير النشرات والمجلات التي تصدرها المدرسة وكذلك في الجامعة ، فقد كنت منذ السنة الجامعية الثانية مديرة تحرير مجلة الطلبة وحتى تخرجي ، وكان عنوانها ( المُربّي ) والمشرف من التدريسيين عليها الأستاذ الدكتور علي عباس علوان ، صحيح كانت حواجز المدينة صارمة وقاسية لكني كنت قادرة منذ صغري على الركون لحريتي الداخلية التي ظلت تزودني بالطاقة على تجاوز الحدود والقيود والعقبات ، لقد كنت وما أزال أعيش في بيتي الحياة التي أريد ، ولذلك ظل البيت لدي هو كما قال باشلار " موطن الألفة والأمن والحماية من التفتت الإنساني الذي قد يتعرض له الكائن بعيدا عن حماية البيت وتماسكه " ، أما خط التشجيع الثالث فقد كان من رجال مدينتي الأدباء والمثقفين حيث استقبلوا كتاباتي وأنا دون الخامسة عشرة بالتشجيع والنشر والمؤازرة وأذكر منهم الشاعر الرائد المرحوم عبد الحليم اللاوند والأديب الإعلامي الرائد أحمد سامي الجلبي رئيس تحرير صحيفة فتى العراق رحمه الله ، لكني في كل ذلك وعلى أهمية كل ما ذكرت من عوامل داعمة إلا أني كنت أستند على تصميم داخلي يؤكد لي أن الكتابة بالنسبة لي ليست تعبيرا عن وجود بل هي الوجود عينه ، وأن طريقها صعب ومحفوف بالمكابدة وحين اخترت هذا الطريق وأنا امرأة فقد اخترته بوعي وشعور تام بالمسؤولية ، أما من أين نهل شعري ، فقد نهل من الماضي الذي اعمل دوما على استيعابه قراءة ودرسا ومن الحاضر الذي أعيشه بعذاباته وتسلط الطغاة فيه ، ومن كل الوقائع والأزمنة والأمكنة والمعارف والثقافات التي تكتنف تجربتي العملية . * أنت تصطفين مع تاء الأنوثة وترومين نصرتها في الكثير من طروحاتك .. برأيك ما الذي حققه الإسلام للمرأة من حرية ومساواة ؟ أم انه قد ظلمها كما نسمع اليوم من نداءات وصرخات في دول التقدم ؟ - للأسف عمل أهل الذرائع على أدلجة الإسلام تحقيقا لمصالحهم حتى ضاعت ملامحه المنفتحة والخيرة والبعيدة عن التعصب ، فالإسلام هو الإيمان السمح وليس التدين المتطرف ، وكتاب الإسلام قرآن صالح للبشرية كلها شرط أن نحسن قراءته وفهم مراميه انطلاقا من متطلبات العصر ، وهنا تأتي ضرورة القراءة التأويلية المواكبة للظروف الحالية والتي لا تتقاطع مع مبادئ الإسلام السمحة منطلقين من المساواة الإنسانية في قوله تعالى " إن الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض " ، ومن يَعُد لأصول الإسلام في تعامله مع المرأة يجده قد أجلها إجلالا كبيرا ، منحها حرية التصرف بأموالها ولا حق للرجل في إجبارها على شئ ، احترم عقلها وطرائق تفكيرها حين كان الرسول الكريم يستشيرها في أمور الأمة المهمة كيوم الحديبية حين أخذ الرسول برأي أم سلمة ( رض )، وتأكد له رجاحة ذلك الرأي أعطاها حق الصلاة في الجامع والخروج للجهاد وحق التعلم ورواية الحديث وائتمنها على حفظ الألواح التي كتبت عليها سور القران الكريم ،أمر الزوج أن يوفر لها خادمة تعينها في أمور بيتها ، أمره بتوفير مرضعة لأبنائها حين تؤثر الرضاعة عليها ، والتأمل بهذه الأمور يقود لنتائج في غاية الأهمية تحث المرأة على التفكر وعدم التقوقع بين جدران البيت كما يدعو ظلاميو العصر اليوم ، لكن كل ذلك بدل أن يتطور مع الحياة انفتاحا وتقدما صار ينكفئ ويتراجع لأمزجة الفقهاء الذين اتصلوا بالسلطة وراعوا مصالح الحكام حتى ضاعت ملامح الإسلام الحقيقي ليبقى التطرف والاختناق والعنف الدخيل على دين المحبة والسلام . * نلاحظ من خلال الغوص في منجزك .. انك تقفين على صخرة متينة من الحداثة الفكرية ، والتجدد المعرفي ، وتزفين بوح ذلك من خلال ما تكتبين في كل المجالات .. فهل أنت مع ما حدث من نقلات حداثوية في المجتمع ؟ أم انك تنتهجين ذلك كلون خاص بك ؟ وماذا ترين في الحديث والقديم ؟ - ومتى حدثت النقلات الحداثية في مجتمعنا العربي ، ومن قال إن مجتمعنا حداثي أو محدث أو متحضر؟؟ لو كان مجتمعنا حداثيا أو محدَّثا أو متحضرا لما جرى في العراق ما جرى بعد الاحتلال من نكسات وردات ومجازر ، إن مجتمعنا للأسف في كل الوطن العربي لم ينل من الحداثة إلا ما جادت عليه الحضارة الغربية من مفرداتها الفوقية ، نحن نتلفت فنجد كل ما حولنا منجزا غربيا لا علاقة لنا إلا باستهلاكه ولا بذلنا جهدا معاصرا بابتكاره أو تطويره ، الحداثة جاءت بشكل خاص عبر طفرة نوعية في شعر التفعيلة وفي الفن التشكيلي العراقي فالعربي حتى صارت الحداثة اختيارا لشرائح معينة من الناس ، وليس حالة جذرية شاملة حولت المجتمع من وضع متخلف لوضع مضئ ومتحضر ، حتى يمكن وصفها أحيانا بأنها حداثة متعالية تلتف على نفسها دون التفات إلى المرجع الاجتماعي ولا المفاهيم السياسية والاقتصادية ، ودون اهتمام بالتقنيات الحديثة وضرورة تثويرها للمجتمع ، أما أنا فمع الحضارة والحداثة والمعرفة والفن ، ومع كل القيم الجمالية التي تسمو بذائقة الإنسان وترفعه إلى العلى علما وفنا وسلوكا ، وأبذل جهدا كبيرا من أجل شدِّ طلبتي لهذا الجانب الحضاري المضئ وأدخل معهم في حوارات جادة في سبيل ذلك ، فالأكاديمية إن لم تكن حركية في عملية التغيير وفاعلة في ميادين المجتمع نحو الإشراق والجمال ستتحول إلى مؤسسة ناقلة لمدونات علمية لا غير . * في بحثك المقدم لجامعة الموصل _ لكلية العلوم السياسية للعام 2008 ، والذي تحدث عن حقوق المواطنة .. ذكرت فيه أن المرأة لا يمكن لها من أن تتحرر إلا من خلال قضيتين متعلقتين بذات المرأة .. هما العلم والعمل ، ما الذي ترينه سيتحقق من هاتين القضيتين ؟ ولماذا حصرت الأمر بذلك دون الجوانب الأخرى ؟ - نعم ، المرأة لا تتحرر إلا إذا امتلكت هي إرادة التغيير والتحرر ، فلا الجمعيات ولا القوانين السياسية على أهميتها بقادرة على تحرير المرأة إن هي لم تمتلك إرادة التحرير، واختارت العلم والعمل طريقا للمشاركة مع الرجل في صنع القرار وبناء الحياة ، فالعلم يبني شخصيتها ويفتح بصيرتها لترى الحياة المشرقة من منظور حيوي فاعل وناضج ، والعمل يحررها اقتصاديا من التبعية لأي وصاية لتكون إنسانة حرة واعية مشاركة في بناء الحياة مشاركة ايجابية ومنتجة بحيث ترفض مواصلة وضعها المقفل في الإدراج خارجة إلى الحياة بأمل وعنفوان ، ذلك أن قضية المرأة اليوم لم تعد مقتصرة على حقوق وواجبات حسب بل هي اكبر واشمل من ذلك كونها تتعلق بجوهر الأسس المعرفية في الحياة وتعمل على تجديد النظرة للفكر ومنظومة السلوك الإنساني وحركة التاريخ رافضة جور الوضع الراهن بكل ما نتج عنه إقصاء وتهميش. * في مركز النور نشرت موضوعا حمل عنوان" قراءة في عذاب نصوص الشباب العراقي" .. وفيه عرجت على احد النصوص التي كانت تحمل لون النص المفتوح .. هل يمكن أن نعتبر ذلك تأييدا للنص المفتوح ؟ وكيف يمكن أن نميز هوية الأدب اليوم في ظل هذه المحيطات المتعددة المحتويات ؟ - أنا مع كل نص يحمل في طياته وعيا بما يكتب ويشتمل على نبض موهبة تسندها المعرفة ، وإذا كانت الساحة الأدبية اليوم تزخر بالمصطلحات والمسميات فان ما سيتبقى منها هو الأصيل فقط ، هو ذلك النص الذي يؤسس للمعنى ويفهم دور الأشكال في ترصين الفن وتطويره ، أما عن قضية تمييز الأدب فلسنا نحن الذين نميز، بل الموهبة والمعارف الداعمة لها هي التي تقف معيارا للتمييز وكذلك الوعي والإلمام بالمعارف التي لن يتشكل نص حقيقي بدونها . ويأتي القارئ الواعي بالمقابل ليستلم كل ذلك بوعي ومعرفية مدركة مميزا بين نص حقيقي وآخر مفتعل . * بعد الاحتلال وما جرى من أحداث لا مجال لخوض مضمارها .. كيف ترين قضية المواطنّة اليوم ؟ وأين هم العراقيون منها ؟ - مصطلح المواطنة عندنا للأسف شديد اللبس والغموض حتى الآن ولم يستطع أن يأخذ أبعاده السياسية والمجتمعية وأن يكون ميدان انتماء واختيار بحيث يصير الوطن هو حقل انتمائنا الأول لا نستبدله بطائفة ولا مذهب ولا عرق . وهذا الأمر يجب أن يبدأ من الدستور إلى المناهج التعليمية إلى الإعلام ومفردات التربية والتنمية بدءا من الأسرة والروضة إلى اعلي المراحل الدراسية ، وغياب هذا الوعي بالمواطنة الحقة التي تنسج مكونات المجتمع نسجا مؤتلفا وحميما هو الذي خلق هذه الحالة المدمرة التي يعيشها العراق اليوم بواقع متخلف وشديد التدهور و الظلامية حيث صارت الطوائف والمذاهب والمحاصصة بديلا عن الوطن والوطنية ، إذ كيف يُسمح للطائفية والمحاصصة بتمزيق وطن متحضر عمره آلاف السنين من المدنية والوهج الحضاري، وكيف يتم نهب ثرواته وتحطيم بنيته التحتية وعزله عن حركة التاريخ لأسباب طائفية مفتعلة لا علاقة لها بواقع العراق الذي اشتبك شعبه بالزواج والألفة ومختلف العلاقات العملية والمعيشية من آلاف السنين ، ولا بد من الإشارة هنا الى أن أمريكا وإسرائيل ودولة الجوار الحاقدة هم مفتعلو هذه الأزمات التي تكاد تودي بمستقبل وطن وشعب كامل . ان المواطنة هي القدرة المتحضرة على تجاوز الطوائف والعصبيات الضيقة ولا يمكن لهذه المواطنة ان تزدهر بحق إلا في فضاء اجتماعي حر و منفتح وديمقراطي عقلاني علمي لانها تعبير عن رقي أخلاقي وثقافي وقيمي . * تحسين بالاغتراب وتئنين منه .. وتشعرين ببعد المسافة بين الواقع وما تطمحين إليه ، ما سر ذلك ؟ وهل أنت راضية عن واقعك ؟ وما السبب ؟ - وأي عراقي واع اليوم يمكن أن يرضى عن واقعه ..؟ بل وأي عربي يمكن أن يعيش الحد الأدنى من الرضى عن واقع شديد البؤس ، شديد المعاناة شديد الأراك استأثر به الحكام النرجسيون سرقة وانتهاكا ، العراق والوطن العربي بؤرة ثروات وكنوز ومواقع ستراتيجية لكنها للأسف لم تكن بأيدٍ أمينة ، فقد كان المؤمل أن تكون بلادنا اليوم طليعة الدنيا ، من هذا البون الشاسع بين الواقع والحلم يتشكل الاغتراب الذي يمزق روح الإنسان ويشعل في نفسه الوحشة وعذاب التمزق ويدحض القدرة على التواصل ، لكن الأمل يظل قائما في صميم المكابدة كون الحضارات الأصيلة ومنها حضارتنا العربية تتسم بالقدرة على التجدد كونها من الحضارات الخصبة التي ما إن تكبو حتى تنهض وتواصل فعلها الخلاق . * للأفكار الإنسانية والوطنية والاجتماعية نسائم متعددة في قصائدك .. وتعلقين عليها الكثير من الألواح التعبيرية .. ما الذي تسعين لإيصاله من تلكم الأفكار لقرائكِ من خلال ذلك ؟ - أريد أن أقول أن مهمة الآداب والفنون جميعا هي إسعاد الإنسان والتعبير عما يجول في أعماقه من بوح ومشاعر ، وتعرية واقعه البائس بغية تغييره والكشف عن الأذى الذي يلحقه به أعداؤه من الطغاة والقتلة وسدنة الظلام ، ورفع مستواه الحضاري والجمالي والقيمي والرؤيوي ، بحيث يكون إنسانا متأملا فاعلا بالحياة ، واعيا بحركتها ، متفهما لعوامل الإيجاب والسلب فيها ، محبا لها منتجا فيها ومطورا لكل مجالاتها الحيوية، فالفكر والخيال هما اللذان ينتجان الرؤى والأفكار الخلاقة التي تنهض بمستوى البشرية وترسم خير مستقبلها ، وتخطط لبناء غدها ، وهما أساس التطور الذي حققته الحضارة المعاصرة لولا أن هذه الحضارة ارتكزت في معطياتها الأساسية على المادة وما نتج عن ذلك من تكالب ذرائعي ومصلحية مظلمة رمت بإنسان العصر إلى التيه والشتات . * في ديوان (مكابدات الشجر) الذي صدر قبل الاحتلال بسنة ... قد كانت لك رؤيا كونية تطفح على المدى من خلال تفوهك بقصائد حملت قضايا قد وقعت بعينها على العراق .. هل نتلمس من ذلك أن الشاعر إذا صدق ممكن أن يكون عرافا ؟ أم انك كنت تستندين إلى مسلمات قادتك لما كتبتِ ؟ وهل لك أن تعنوني لنا تلك الرسالة ؟ وماذا أردت أن تقولي في قصيدة مكابدات ليلى في العراق تحديدا ؟ - هذا الأمر معروف في شعري ومتواتر، لقد كتبت قصيدة أحزان بلقيس عام 2002 ونشرتها في صفحة الثورة الثقافية ، وأعادت جريدة الأديب نشرها في 15 /1 / 2006 وفيها النص الآتي : وكل صباح تنثُّ الصواريخ موتا جديدْ .. والصواريخ تتبعني تتربّصُ في كتبي وتشاغلُ أُمنيتي وتُداهمُ غرفةَ نومي عليَّ الصواريخُ ...آه ْ .. في 16 /1 / 2006 اقتلعت مفخخةٌ مفجعة الحيَّ الذي أسكنه في مدينة الموصل وتطايرت مكتبتي وتهاوت غرفة نومي وأنا في سريري واستشهد العشرات وجُرح المئات ونجوت من الموت بأمر الله ، وفي اليوم الثاني جاءني طالبي الدكتور بشار نديم بقصيدة أحزان بلقيس منشورة في صفحة الأديب مشيرا للنص ومتسائلا ما هذا التنبؤ الصريح..؟ وفي قصيدة الاعتراف بديوان ( أنا والأسوار ) التي كتبتها عام 1970 ترد جملة : وتنهار جسور بغداد ، تنهار ، وظلت الدكتورة بتول شقيقتي تردد بخوف : والله سيطال النسف جسور بغداد وسترون ، إلى أن نسف جسر الصرافية وبعده المعلق ، وأحداث كثيرة أخرى كتب عنها الزميل الأكاديمي الدكتور عبد الكاظم العبودي في الجزائر دراسة ونشرها هناك ، وأنا لا أستطيع تفسير ذلك إلا بالصدق وشفافية الحدس وشدة الحساسية وربما باستنطاق ما يدور في الواقع وتوقع ما ستؤول إليه الأحداث . أما قصيدة مكابدات ليلى في العراق فكانت رسالة لكل الأنظمة العربية التي ساهمت في تقديم العراق العربي بكل شموخه وتاريخه الحضاري الباذخ ومواقفه العربية الأصلية سلمته للمحتلين الحاقدين على العروبة والإسلام من أمريكا والصهيونية إلى إيران وغيرهم من خونة الشعب الكردي والعراقي . * الشاعر عبد الوهاب إسماعيل يقول عنك : أجمل ما فيك انك شاعرة حقيقية .. فما هي شروط الشاعر الحقيقي ؟ وما هي صفاته ؟ وكيف يمكن أن يكون شخصه أمام النقاد ليقولوا عنه شاعر حقيقي ؟ - شروط الشاعر الحقيقي هي الموهبة والمعرفة والوعي وسعة الرؤيا والتمكن من استيعاب التراث وثقافة العصر ومتطلباتهما ، والقدرة على فهم الحداثة على أنها الناتج الأصيل من تفاعل البؤر المتألقة في التراث مع المعاصرة المفعمة بكل ما هو عارم ومدهش ، وليس النقاد من يكرس شعرية الشاعر الحق ، بل نصوصه الشعرية هي التي تكرسه مبدعا ، ويأتي القارئ الجاد ليؤكد ذلك الحكم أو يحاوره . * ملخص كتاباتك عن الرجل والمرأة تتبلور في أن كل منهما مكمل للأخر .. هل يمكن أن نقول إن هذا التكافل هو الحل الأمثل لإقامة مجتمعات تشيع بينها العدالة والمساواة وتناغم الألفة والمحبة بين أبناء مجتمعها ؟ أم إن هذا مجرد حروف تسطر على ورق ؟ - إن ثنائية الرجل والمرأة من الثنائيات الأساسية في الحياة ، وهي ثنائية متكاملة ومؤتلفة وليست ثنائية تضاد ، ومن وقف في طريق تقدم المرأة عبر التاريخ ليس هو الرجل وإنما منظومات القيم المتخلفة التي نشأ عليها ، ولذلك فعلى المرأة والرجل التكاتف من أجل مقاومة التخلف الذي يتربص بمجتمعاتنا وأوطاننا ، إن التناغم بين المرأة والرجل هو العامل الرئيس في خلق حياة تسودها عوامل الإيجاب والانسجام والفعل الخلاق والمنتج ، وليس وراء الصراعات غير الضعف والانكفاء وشيوع حالات السلب ، إن ما جاء به النقد النسوي الغربي لا يحمل في طياته كلها خيرا للمرأة والأسرة ، ذلك أنه حمل في تطرفه الكثير من السلبيات التي أدت إلى تفكك الأسرة وتدهور العلاقات الإنسانية وتدهور أحوال الطفولة وفقدان الشعور بالأمن النفسي ، فضلا عن أن تلك النظريات المتطرفة أفرزتها مجتمعات تختلف كليا عن مجتمعاتنا ، ولذلك فهي لا تصلح حلا لمشاكلنا ، أو معالجة للسلبيات التي تحيط بظروفنا . * لماذا اعتمدت على مفهوم ( الجندر ) كمدخل لإنصاف المرأة ؟ دون المفاهيم الأخرى ؟ ما الدافع وراء ذلك ؟ - علم الجندر هو الذي أنقذ قضية المرأة من أحادية الطرح والتناول وأعادها إلى شموليتها في الحياة ، فقضية المرأة ليست قضية مسألة حقوق وواجبات بل هي قضية مرتبطة بطرائق النظر الى العالم وحركة التاريخ وجوهر الحياة والى الأسس المعرفية الشمولية ، ومن هنا كان على الجندر تقديم فرضيات جديدة تلامس الفكر والسلوك الإنساني ومنظومات القيم المحركة لمجمل الميادين ، وعليه فإن هذه القضية ليست بمعزل عن مجمل قضايا المجتمع الأخرى ، إنما هي النبض الحميم الذي يحرك مجمل قضايا الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، فالجندر يهتم بالبحث في أمور المرأة والرجل والطفولة والأسرة والمجتمع ، ويهدف إلى إعادة المرأة لمزاولة دورها في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية مُحللا أسباب نقص الغذاء والخدمات بغياب المرأة / نصف المجتمع الإنساني عن ميدان المشاركة بالتنمية ، وقد خصصت لجان خاصة في الأمم المتحدة لمتابعة تنفيذ برامج الجندر التي تعمل على إعادة الحق للمجتمع في إعادة نصفه إلى ميدان الحياة ، وإعادة الحق للمرأة في تقييم عملها المنزلي الذي ظل واجبا عليها دون حق لها ، والعمل على تمكينها من القيادة والمشاركة بصنع القرار من خلال تطويرها بزيادة معارفها وتوفير وقت ومكان خاص لها للقراءة والتأمل والتثقف وحضور الفعاليات التي تربطها بالحياة العامة . * تقولين عن العولمة والتدفق الحر للمعلومات .. رغم قسم من ايجابيتها إلا أنها تحتضن السلبيات في طياتها .. هل لك أن تعطينا بعض تلك المؤشرات ؟ وكيف تحافظين على أوراق أشجارك من رياح العولمة ؟ وأنا أراك تحلقين في فضاءات النت ولك موقعك الخاص على الشبكة العنكبوتية ، وتنشرين بين أزقتها الكثير من حروفك ؟ - كان المفروض أن تفيد البشرية من ايجابيات العولمة في التواصل والألفة والمحبة وتبادل المعلومات والفنون والآداب واستثمار العلم لصالح الإنسانية في كل مكان ، والاهتمام بسرعة تناوله على هذه الشبكة العجيبة ، لكن الذي حدث هو توظيف العولمة لخلق عالم يفقد تعدديته من خلال سلبه ثراءه وخصوبته المتأتية من الاختلاف عن غيره من الشعوب ، هذا الاختلاف المؤدي إلى التحاور والحوارية والتنوع والعمل على سحق الأمم والضعيفة وتمزيقها ونهب خيراتها وإشاعة الفوضى في بلدانها من اجل هيمنة الثقافة الواحدة عليها ومن اجل أمركتها وتطويع إرادتها بالقضاء على تراثها وخصوصياتها ، وتشويه صورها من خلال عرض تلك الصور بطرائق مخلة بالحقيقة كأنْ يُشار للأمة العربية بالصحراء القاحلة وبالجمال وللعربي بإنسان مريض شاحب يعيش على برك ومستنقعات موبوءة وغير ذلك من تزييف الوقائع والحقائق . * هزمت لذة الجسد بلذة الروح بنفس صوفي في الكثير من تراتيل قصائدك .. فهل انك تخططين لقصيدتك قبل كتابتها ؟ وهل ترينها تصل إلى قرائك كما رسمتها ؟ وما مدى ثقتك بحرفك على مسرح الورق ؟ - كل شعر حقيقي هو تصوف ، لأن التصوف ليس هو التعاليم الصوفية الآتية من الشيوخ بل هو عمق الإحساس بالأشياء حد التوحد بها والتماهي معها والذوبان بنسغها وسماع نداءاتها الخفية وأصواتها الباطنية ، والقصيدة ليست كالرواية التي تحتاج إلى رسم وتخطيط مباشرين ، لان القصيدة تمتاح من خزين تجربة الشاعرة والشاعر المتراكمة عبر عشرات التجارب المتنوعة ، والقصيدة لا يستطيع الشاعر أن يدعوها فتلبي ، إنما هي التي تدعو الشاعر ليكتب إثر إشارة ما من الخارج أو من داخل الذات ، فالقصيدة صرخة في الظلام ، وهي رد على نداء مجهول أكثر الأحيان ، وهي أحيانا لا تأتي وإن هيأنا لها أجواء الاستدعاء والولادة كقراءة الشعر والتأمل إلا أن القصيدة الحقيقية لا تأتي إلا بإرادتها ومزاجها وإن كانت العوامل المساعدة مجدية ، فالقصيدة تصل القارئ الجاد كما يريد لها المبدع الجاد ، وثقتي بحروفي توازي الجهد المبذول بها ومن أجلها . * وظفت مكونات الطبيعة بصورة خلابة .. وعبرت عن مكونات الوجود برونق حي .. مثمرة بنص يحاول أن لا يتناوشه النقاد .. وتعملين على تحصينه منهم .. فهل تخشين النقد ؟ أم انك تحاولينِ لفت أنظار النقاد إليك ؟ ومن هو الناقد ؟ وهل يزعجك إهمال النقاد لنصوص دون أخرى مما تلونين من حروف ؟ - واهمٌ من يعتقد من الفنانين أنه قادر على تجاوز الطبيعة في منجزه ، ذلك أن الطبيعة هي أمنا الثانية ، بين أحضانها نترعرع ، ومن خيرها نأكل وفي ظل شمسها وأنهارها وبحارها ندرس مبادئ الجمال الأولى ، فلا عجب أن تتواجد فيما نكتب وننجز، أما بالنسبة للنقد ، فأولا _لا توجد حركة نقد تطبيقي منظم ومسؤول في الوطن العربي ، بل انشغل النقد العربي للأسف من زمن بنقل النظريات الغربية وترجمة مناهج الغرب وبنيوياتهم وما بعدها وصرف النظر عما عنده ، فغاب النقد العربي الذي يكشف عن جوهر النص وعن آلياته ويقدمه للقارئ محببا له القراءة ، ولهذا الأمر المؤسف عدة أسباب قد يكون المبدع ذاته وطبيعة نتاجه في طليعتها . ثانيا- قد يوجد نقد تطبيقي بشكل أو بآخر ، لكنه يشتغل ضمن دائرة خاصة من العلاقات والصداقات التي تبتعد عن دائرة الموضوعية . ثالثا- بشكل عام لم ينل الإبداع النسوي في الوطن العربي عناية نقدية ، وهذا باعتقادي ناتج أسباب عدة منها ما هو متعلق بالمبدعة ذاتها التي تكتفي بمعانقة وجودها في الكتابة دون الالتفات إلى النقد ، ومنها ما هو عائد للسمة الذكورية التي ما تزال الثقافات ومنها الثقافة العربية تتسم بها ومنها ما هو عائد لشبكة العلاقات غير الصحية التي تتسم بها البيئة النقدية عندنا ، فإذا كان النقد غير موجود وجودا حقيقيا عندنا فإن إهمال النقاد لنصوصي أو اهتمامهم بها أمر لا يعنيني فضلا عن كوني لا أكتب من أجل شهرة أو أمجاد خارج عملية الكتابة ، بل أكتب لأن الكتابة ذاتها هي وجودي وهي مجدي الذي لا أحلم بمجد سواه ، بها أتوازن وبتحققها نصا أشعر بالانسجام ، إنها تكفيني عما سواها ، وتسعدني دون ما حولها وما بعدها وما هو خارجها ، لكن في هذا المجال لابد لي من ذكر جهود طلبتي في الدراسات العليا الذين صاروا زملائي ، والذين مدوا شعري بعشرات الدراسات القيمة والرسائل والاطاريح . على أني لا أخشى النقد لأني واثقة بأدواتي أولا ، ومؤمنة بحق الآخر / الناقد بالتذوق ثانيا وإبداء الرأي ثانيا كما أمارس أنا حقي في إبداء الرأي بخصوص المبدعين لكن علينا الالتزام بالحرص المعرفي الداعم لآرائنا وعدم الاستسلام للامزجة والانطباعية البحت . * لكل زورق أمواج تدفعه ، أو مجاديف تقوده .. فمتى دخل زورقك أمواج الحرف ؟ وبأي سفينة شعرية تأثرتِ ؟ وفي أي وقت تحبين أن تزخي حروفك على الورق ؟ ومتى تعجز قصبتك عن الخط ؟ وعلى أي ميدان ترسين اليوم ؟ - كانت قراءاتي متنوعة من المرحلة الابتدائية ، فقد بدأت من القرآن الكريم والحديث الشريف ومن الشعر الجاهلي فالإسلامي والأموي والعباسي ولفتت انتباهي الظاهرة العذرية وحفظت المعلقات وشعر العذريين وأغرمت بالمتنبي عبقري الشعر العربي وحفظت العشرات من قصائده كما حفظت لأبي العلاء وابن الرومي وكنت في المرحلة الإعدادية أحفظ شعر نازك وفدوى طوقان والسياب وحجازي وعبد الصبور ، وهكذا كنت أتنقل من مبدع لمبدع إلا المتنبي وفيما بعد ابن الفارض فقد بقيت ملازمة لهما ، الليل هو فضائي الكتابي والعملي ، أما أين أرسو فكما ترى عندي عشرة دواوين شعرية وسبعة مجاميع نصوص في طريقها الآن للنشر وأربعة كتب نقدية منشورة وستة كتب تنتظر النشر وعشرة كتب أكاديمية مشتركة . * عين قلمك تقطر حروف العراق في ومضاتها وخيالاتك تقبل كف العراق كثيرا .. فبماذا تشعرين بعد أن تلد غيمتك حروفها عن العراق ؟ وهل ذلك وفاء للعراق ؟ - وكيف لا .. وهو الوطن المسالم والمحب المعطاء الذي مارس الطغاة ضده كل أنواع العدوان ، واجتمعت عليه أمم الدنيا بحجج باطلة وأكاذيب مزورة ، إنه وطني الذي وقف مع المظلومين ، ورعى المحتاجين وعلم طلبة العلم من كل حدب وصوب يوم فتح جامعاته في الشمال والجنوب مستقبلا آلاف الطلبة العرب والمسلمين وغير العرب وغير المسلمين ممن قصدوا رحابه آملين فلم يخيّب ظنهم ، العراق وطن استثنائي ولذلك كان حبي له استثنائيا ، والعراق طفل شديد البراءة جُرّح كثيرا ومورس ضد شعبه البرئ ظلم كبير ، ثكل وفقدان وتجريح ومناف وعذابات شتى ، ولذلك كانت لوعتي عليه صوفية وألمي عليه جارح وعناقي له عناق أم بالغة الحنو واللهفة ، ولقد تجسد كل ذلك شعرا. لقد سألتني الشاعرة الجزائرية رشيدة محمدي مرة كيف أستطيع أن أتحدث عن قصيدة تنسج خيوطها بسمو الحب الخالص ، فماذا أقول عن : والعراقُ الأمانُ العراقُ الأماني ، العراقُ حديقةُ روحي تضمُّ إليها غيوماً ، وبرقاً ، وأزمنةً من لظىً وجداولَ شهْدٍ تشقُّ أكُفَّ الترابْ .. والعراقُ عباءةُ أمّي ، وثوبُ العذارى ، اللواتي يمُتْنَ على السفحِ من ظمأ واغترابْ .. * ما ماهية نظرتك لقصيدة النثر ؟ وهل أنت معها أم ضدها ؟ وهل أنت توافقين سلفية العصر على إنها خلقت فوضى شعرية لجفافها من الإيقاع وجاءت كجواز السفر لمن لا يقدر على الشعر الموزون ؟ والى أي العوالم الشعرية تميلين ؟ - ما سأقوله عن قصيدة النثر لن يكون كلاما مجروحا لأني قد بدأت بكتابة هذه القصيدة مبكرا مع قصيدة التفعيلة ، وصدر لي مجموعة ( أنا والأسوار ) وكلها قصائد نثر عن مطبعة جامعة الموصل عام 1977 ، وما زلت أكتبها مع النص الطويل فأنا لست ضدها ، بل من هواتها ، لكن هذا النوع من الكتابة شئنا أم أبينا ابتلي بمن لا يمتلك الوعي بالقيمة الحقيقية للكتابة لا منطلقا ولا هدفا ، ولا رؤية ولا منظومات قيم ، فضاعت اللغة وتمزقت قواعدها وهدرت جماليات التشكيل وغاب الوعي بأهمية مستويات النص ، وصارت قصيدة النثر عبارة عن تجارب لغوية سطحية بالغة الضعف ... جمل متفرقة لا يربط بينها رابط لا في البنية السطحية ولا العميقة ، فكيف تنتمي مثل هذه الأمشاج اللغوية إلى الأدب ، المشكلة إذن في الكُتاب أولا و في النص ، وإلا من يستطيع أن ينكر جمال ما كتب محمد الماغوط وأنسي الحاج وأمل جراح وأدونيس وغيرهم ممن تشكل الكتابة عندهم هما وانتماء ووجودا ، أما العالم الشعري الذي أميل إليه فهو العالم الأصيل الجمالي الذي يؤسس للمعنى بأي الطرائق كُتب . * استخدمت الرمز بشكل يختلف عن أبناء جيلك ، رغم تعدد الأصوات التي تحوي الرمز ، وكما يقول فاليري : الشعر فن الرمز " لكن الذي يقرأ قصائدك عن الحرب يراها تتحدث بلغة مألوفة ، فهل يمكن أن تكوني قصدت تحريك مشاعر المقاتلين ؟ أم هو اضطراب نفسي إزاء ما يجري من أمور في أقفاص المعارك ؟ - لابد من وجود فروقات وتباينات في استعمال اللغة من قبل الشعراء وبناء على تلك التباينات يكون التمايز في الأساليب ، وهذه الطرق في توظيف اللغة هي التي تنتج الاختلاف في تشكيل الصورة والرمز والمفارقات وغيرها من طرائق التلوين الشعري . ، أما قصائدي عن الحرب فتختلف الآراء فيها إذ منهم من يرى في بعضها غموضا كقصيدة ( مائدة الخمر تدور ) ومنهم من يرى فيها رأيك ، وعلى أية حال فإن لظروف الحرب أحكامها ، لكن في كل حين يبقى نبض الشعرية دافئا في صميم قصيدتي ، أو هكذا أتمنى ، وقد يكون هذا وذاك كائنا حسب رؤية الناقد وبراهينه . * تجربتك تختلف عن نازك الملائكة بالعديد من القضايا00 لكن هل حققت ما حققته نازك الملائكة ؟ وما السبب ؟ وكيف ترين تجربتك في ساحة الأدب ؟ وهل تخشين من مستقبلك ؟ - من الطبيعي أن تختلف تجربتي عن تجارب غيري والرائدة الملائكة أستاذتي ، وأنا عشت وما أزال أعيش ألوانا من التجارب المرة وسط شعب يموت أبرياؤه كل يوم ، ووطن يحترق كل يوم ، فضلا عن كوني أعيش عصرا معرفيا يختلف بآلياته عن عصرها هو عصر الانترنت والاتصالات الالكترونية الشديدة السرعة والدوران في حين يتسم عصرها المعرفي بالهدوء والانتماء للكتاب والدورية فقط ، فمن المحتم أن تختلف تجربتي عن شاعرة عاشت قبلي بعقود ، ورحلت مدة طويلة بعيدا عن الوطن وظروفه بعد أن قدمت للشعر العربي كله أهم تحولاته في العصر الحديث إبداعا ونقدا ، أما تجربتي المتنوعة من شعر التفعيلة إلى قصيدة النثر إلى النص الطويل إلى الجهد النقدي ، إلى العمل الأكاديمي ، فسيتم تقييمه في يوم ما لأنا في الوطن العربي للأسف لا نمتلك حركة نقدية منظمة ومنصفة كما قال المبدع الأستاذ الدكتور خالد علي مصطفى وهو يتحدث عن قصيدتي الطويلة مخاطبات حواء ، أما مستقبلي فلا يخيفني بل يخيفني مستقبل وطني وقد تكالب عليه الجناة . * الأغنية بشكل عام ، والعراقية بشكل خاص 000 لماذا لا يوجد دور لشعراء الفصحى فيها إلا القلة ؟ وما هو موقفكم من الأغنية اليوم ؟ ومن أية نافذة يمكن أن نعرف رؤية بشرى البستاني عن الشعر الشعبي؟ - من الأخطاء البالغة تغييب القصائد الفصيحة عن ميدان الغناء ذلك إن هذه القصيدة كانت في عقود النصف الثاني من القرن الماضي قد نجحت نجاحا باهرا حين أداها فنانون مبدعون كناظم الغزالي ومحمد القبنجي ويوسف عمر وأهل المقام العراقي عموما وفنانو مصر أمثال محمد عبد الوهاب ونجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ وفي لبنان المبدعة فيروز وغيرهم ، وهي قصيدة قادرة على التواصل ومد الجسور من المحيط إلى الخليج ، أغنية اليوم للأسف لا أحسها نابعة من صميم حاجاتنا لفن أصيل فهي مربكة بالصور الجنسية والاثارات وفوضى الميديا التي تربك حالة السماع وتشوش التأمل والرؤيا ، أما الشعر الشعبي فلا شك أن الأصيل منه يعبر عن ذائقة شعبية مرهفة ، ويصدر عن مواهب وعن تشكيلات مجازية بالغة الأهمية ، وأنا أسمعه باهتمام وتأثر ، وأحفظ منه الكثير . * في دراسة الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد عن ديوانك الأخير ( مخاطبات حواء ) يعلق على قضية الجسد وطاقته وإمكانيته في شعرك 000وانوثة حروفك 00فالرجل حينما يتغزل بالمرأة يتعمق بأدق تفاصيلها ، لكن كيف للمرأة لو تغزلت بالرجل ، ماذا ستقول ؟ وهل إن لتبعات الاحتلال تغيرات إيحائية على الكتابات الأنثوية ؟ وهل تغير طعم المرأة في ظل عصر السرعة ؟ - للشعر قدرته على الترميز والتغييب للتعبير عما يريد من المعاني ، فلا يعجز المرأة الموهوبة أن تقول للرجل ما تشاء من خلال لغة الشعر التي تعد لغة عتمة ، أما في الرواية ففي فضاء صيرورتها الواسع قالت المرأة كل شئ ، نعم تغير طعم المرأة اليوم عن الأمس ، وللأسف كانت امرأة الأمس أكثر ذكاء من امرأة اليوم في التعامل مع الرجل ، امرأة اليوم كشفت له كل شئ حتى ضيّعت عليه ما كان يتمنى أو ينشغل بالسعي نحو اكتشافه ، وألغت عنده متعة التخيل ، ونسيت أن الإثارة تكمن في المخفي وفي المسكوت عنه والمغيب ، وضاعت قيمة المرأة في هذا العري الفاضح الذي أضر بها ضررا كبيرا ، والذي شيأها وحولها إلى سلعة معروضة على واجهات المعارض والتلفزة والصحف والإعلانات ، إنها العبودية مرة أخرى والسعي وراء الغرائز التي تسئ لعملية التحرر بل تناقضها وتنفيها ، فالتحرر يبدأ من الوعي ونضج الفكر وليس من كشف الجسد والإغراء به ، مشكلة المرأة جزء من مشكلة المجتمع العربي الذي افتقد الوسطية والتوازن ، فظل ضائعا بين طرفين فمن امرأة ملفوفة بالسواد مبرقعة الى امرأة متطرفة في الكشف والعري حد الخجل ، وصار النموذج الذي يفهم العفة بوعي وجمالية ويوازن بين الاحتشام والجمال نادرا . * يتحدث الدكتور وليد الصراف عن كتاباتك ويؤكد وجود كل ما يخص عالم الأنثى في شعرك ، فهل لأنثاك صفات ؟ وأين الرجل منك ؟ وما هو الموقف الذي داعب داخلك سواء فحولي أو أنثوي وكان الناتج قصيدة .. وأخذ صدى لم تكوني متوقعة له ؟ - أسرار الشاعرة كلها في شعرها وكذلك الشاعر ، اقرأ الشعر تتعرف على سماتها الأنثوية أما الرجل فهو محور توازن المرأة أبا وأخا وزميلا وزوجا وحبيبا وابنا ، وأيا من كان ، كما أن المرأة هي محور توازن الرجل أيا من كانت لاسيما إذا توفرت القواسم المشتركة بين الطرفين ، وقصيدة مخاطبات حواء هي النص الذي أخذ بعدا يستحقه وكنت أتوقع له ذلك كونه كما أشار الناقدان خالد علي مصطفى ومحمد صابر عبيد نصا فيه سمة استثنائية . وأنا أتفق مع الشاعر الدكتور وليد الصراف بأن في شعري سمات الأنوثة لكن ذلك بحاجة لدراسة اللغة والمضامين دراسة فاحصة . * دائما يبحث النقاد عن مواطن الهنات والهفوات ، لكن هذا الأمر لم نره معك فإلى ماذا يرجع ذلك ؟ ولماذا يتحول الشعراء إلى نقاد في كثير من الأحيان ؟ - لا أرى مثل هذا الكلام دقيقا في تخصيص هدف النقاد من القراءة بالبحث عن الهنات والهفوات ، فالناقد لا يخصص عمله للبحث عن الهفوات فقط ، بل هو يبحث في الشعرية والفن عن الوظيفة الجمالية أولا وعن ومض الدهشة وبراعة التشكيل ، وعن المعنى ومجمل الدلالات التي يدور حولها النص ، فإذا صادفته هنة أو هفوة فلا ضير من الإشارة إليها ، أما لماذا يتحول الشعراء الى نقاد فلأن الشاعر ناقد بالفطرة ، ولولا قدرته على النقد والتمييز لما كان شاعرا حقا ، فالشاعر هو الذي يُجري أول قراءة نقدية على قصيدته بعد الانتهاء من كتابتها الأولية فيحذف ويُضيف ويُغير ، إلى أن تستقيم له أمور النص كما يشاء . * إذا أعطيتك سعفة من نخيل العراق وقصبة من البردي .. وطلبت منك أن تعرفي لنا بشرى البستاني .. ماذا سنعرف ؟ - بشرى البستاني إنسانة مجروحة بالظلم الذي يسود العالم ، تبحث عن شواطئ الحرية دوما ، وترى وجودها في الإيمان و الحب والفن وتعرف كيف يشتغل الحب بالإيثار والعطاء والسعي إلى التواصل ، تكره الطغيان والإذلال ، وتؤمن بحق الإنسان في أن يعيش حياة كريمة وأن يُسعَد في حياته ، ويلقي عونا ومؤازرة في تحقيق أمنياته المشروعة . * سنابلك كبرت وعاصرت فترات سياسية عديدة ، هل لك أن تصفي لنا الواقع السياسي اليوم ؟ وماذا يتطلب من الساسة اليوم في خضم هذه الصراعات ؟ وبماذا يحلم المثقف من السياسي ؟ - المثقف المخلص لقضية الإنسان يتمنى دوما أن يتقدم الثقافي ليقود السياسي وعيا وفكرا ونهجا ، لكننا للأسف في الوطن العربي نقتل الثقافي أو نرسله الى السجون والتعذيب والمعتقلات من أجل أن ينفرد السياسي بالساحة دون معارضة ولا احتجاج لانا غير مؤمنين بتقبل الرأي الآخر ، وحكامنا يخشون التغيير والتحول وسماع الأصوات المناوئة مصرين على إدامة الحال ، وسياساتنا تنطلق من منطلق احتكار السلطة وليس من منطلقات الحوار والتعددية ، يوم اجتاحت التظاهرات فرنسا في عصر ديجول دخل عليه مسؤول الأمن قائلا : لقد اعتقلنا سارتر وانفضت التظاهرات وانتهى كل شئ ، فصاح ديجول مستنكرا ، ومن ذا الذي يجرؤ على اعتقال فرنسا ، أطلقوا سراحه فورا ، هكذا حين تكون قيمة المثقف تساوي قيمة الوطن سيكون للثقافة شأن آخر ، وهكذا حدث عما أحدثته روايات شتاينبك من تأثيرات وتغييرات على السياسة الأمريكية في حينها ، أما نحن فأحيلك على رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف كي تدرك فجيعة المثقف العربي عندنا نحن العرب . * قلمك يرقص بين الشعر والنقد والأكاديمية والصحافة والمقال الاجتماعي .. لكن في أي موطن يحب الرقص أكثر ؟ ولماذا ؟ وما هو الأقرب إلى ذاتكم ؟ ومتى تشعرين بأنك غير قادرة على الكتابة ؟ - من الشعر أنطلق ومن الشعر اذهب للأكاديمية ومن الشعر وبروحه اذهب للنقد الأدبي وللمقال الصحفي والإعلام وللحياة بكل ميادينها ، الشعر أولا ثم يأتي كل شئ ، ولا تجفوني الكتابة إلا حين أكون يائسة ، وهذه حالة لا تنتابني إلا نادرا وفي ظروف استثنائية للغاية . * يا أمي الأنيقة ، حديثك " سجادة فارسية " لكن مركبنا بلغ الضفة الثانية ، بعد أن تفضي بما يجول بخاطرك لجمهورك ، حبذا لو تمطرينا بآخر زخة شعر نظمتيها ؟ - ختاما لابد لي من شكرك على قراءتك المثابرة لمنجزي في مختلف المجالات ، أنت محاور جاد تعتمد المعرفية والدرس في فهم من تحاور ولذلك تستحق منه كل التقدير والامتنان أدعوك لمواصلة هذا الدرب الإعلامي الشاق بهذه الجدية وأدعو لك بالتوفيق . - أحزان الغضى لا أُريكَ الرّضا إنّ رملَ الغضى غارقٌ بالدما ولآلئُ ليلِ الغضى أحبطتْ أنبياءَ القبائلِ ، والرملُ منكفئٌ ، جرحُهُ شقَّ درباً إلى البحرِ ، طعنتُه رشقتْ وردةً في السماءِ ، فخرّتْ على الأرضِ ، وانزرَعَتْ قبةً في العراءْ * لا أريكَ الرّضا دمعةٌ رفضت أن تسيلَ فهبّتْ حجارةُ أرضِ الغضى وانحنَتْ للظلالِ الصغيرةِ بحرٌ ، ونهرٌ ودربٌ يضيعُ إلى القدسِ دجلةُ تنهضُ نخلاً ، وحرباً ، رذاذَ طبولٍ يبوحُ بما كتمَتْ قبّعاتُ الزمانِ الخليعْ .. * لا أريكَ الرّضا فخوافي الوعودِ عروشٌ كبَتْ وصهيلُ الغضى ، غارَ في ذيلِ فاتنةٍ خلعتْ وجهَها في الطريقِ إلى غابةِ النخلِ ، هم سلبوها قلائدَها … قطعوا ساعديها على بهوِ شرفتِها هبطتْ رايةٌ وانحنتْ أرضُ أغنيتي ، واستفزَّ الغزاةُ النشيدَ الأخيرْ.. * الصواريخُ تهبطُ فوق عروشِ الزمانِ فيجفلُ هدهدُ روحي وينهضُ … يبحثُ عن سبأ عن ملوكٍ يسلمُهم لخيولٍ تفتشُ عن فارسٍ وطلولٍ تبيعُ حجارتَها لمتاحفَ أفلَسَ حرّاسُها ملكاتُ الزمانِ السعيدْ يراوِدْنَ نجماً بعيدْ .. وعلى شُرَفِ الليلِ ، يُتمِمْنَ أورادَهنَّ خبا التاجُ ، ملكُ صبا آهِ ينهضُ نهرُ الغضى باحثاً عن يقينٍ جديدْ .. * لا أريكَ الرضا لا أريكَ الرضا إنّ رملَ الغضى مفعمٌ بالنشيدْ .. يستبدُّ بأدغالِه ويراودُ ومضاً بعيدْ . تجول في عالمها محاورا : علي مولود الطالبي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل