المحتوى الرئيسى

دعاء سلطان تكتب: صفقة مع القاريء

02/25 22:23

لن أضع قوائم سوداء للفنانين المناهضين للثورة المصرية الشريفة، فقد وضعها الكثيرون – ولا ألومهم- ووضعت أنا قائمتي الخاصة، لكني لن أنسى، وبمنطق أنني صحفية أعمل في مجال الصحافة الفنية وبناءا على نصائح من مقربين أثق في صدقهم ورجاحة عقلهم، وفي شرفهم ونزاهة مواقفهم، قررت أن أعقد – تقريبا لأول مرة في حياتي – صفقة.الصفقة بيني وبين القاريء.. مفادها أنني صحفية فنية.. أتماس بشكل أو بآخر مع الوسط الفني، وأنا مؤمنة إيمانا كاملا بأن الفن قيمة محلقة راقية وعالية، بل إنه أعلى من الفنانين الذين يتكسبون منه ويمتهنونه، وأجاهد دوما لإعلائه مع آخرين يعملون في الصحافة الفنية ومع جميع من يعملون في الوسط الفني، وليس أقل من أن نحترم الفن احتراما مطلقا.. كنت قد قررت في مقال سابق بأنني لن أكتب عن فنان صرح بتصريح مخز في حق الشهداء والثوار.. قلت إنني لن أكتب حرفا عنه، والآن أتراجع.. ليس تراجع المهزم الذي كسر الخزي ظهره، فالحمدلله أن الله أقام ظهري وظهر أبنائي بشرف والدهم ووالدتهم - اعتقد أن من حقي أن أفخر، كما أن من حقهم أن يعلنوا عن تراجعهم-  ولكن بمنطق البني آدم المراجع لمواقفه الحادة الجادة.الصفقة تبدأ بسؤال: ماذا لو قدم هذا المنافق المرتجف الفنان – للأسف – عملا فنيا بارعا - والحقيقة أنني أتمنى من كل قلبي أن لا يشترك أي من هؤلاء المنافقين المرتجفين المرتبكين في أي عمل فني جيد- هل من الممكن تجاهل العمل الفني بسبب وجود فنان خائب الموقف فيه؟!الحقيقة أن أمانة المهنة تجبرني ألا اتجاهل العمل الفني، بل وربما أنني سأشيد – للأسف مرة أخرى – بأداء الفنان، لكن -وهذه هي الصفقة- أنا لن أدع هذا الفنان يفرح ويطرب بكلمات الثناء في أدائه والتي ربما أكون أنا كاتبتها، ففي آخر كل مقال أو موضوع أو تقرير يشيد به، سأذّكر دوما بموقفه من ثورة 25 يناير.. معلش أنا صعيدية ولا أنسى بسهولة ولا أسامح في الدم.ملحوظة: هذه الصفقة كانت نصيحة من صديق شرير جدا، وقد أرضتني تماما.هذه هي الصفقة إذن.. عقدتها – بيني وبين نفسي على مضض- لكن وجاهتها قد تريح الكثيرين.. والله إنها لا تريح ضميري الإنساني، لكنها وللأمانة تريح ضميري المهني، فلا الفنانون اعتذروا بإعلانات مدفوعة الأجر عن قساوة تصريحاتهم، ولا كان تراجعهم عنها إيمانا بالثورة وصدقيتها وطهارة وشرعية مطالبها.حسنا.. لن نضع قوائم سوداء للفنانين أو الإعلاميين الذين خانوا دماء الشهداء.. وشاركوا بأضعف الإيمان "بالكلمات" في معاونة القاتل على جرح وترويع الآلاف.سأتجاوز وأتغابى عن كون الفنانون قبلوا أن يلعبوا دور المعاق ذهنيا في مشهد الثورة، رغم أن طبيعة الأشياء وقانون الفن يفرض أن يكونوا الأكثر وعيا والأكثر انتباها للإشارات التي تأتي من الشعب، بمنطق أنهم لسان حالهم والمعبر عن مواجعهم.. سأبذل جهودا جادة للسماح لقلبي أن يلين أمام دموع ونداءات "ولايا الفنانين والفنانات" الذين يطلبون الآن – الآن فقط- أن نتسامح وأن نستمع للرأي الآخر، وأن لا نكون ديكتاتوريين وأن نفتح صفحة جديدة بلا ضغائن وأن لا نتخذ موقف محاكم التفتيش في الضمائر "هل كانوا حقا يملكون ضمائر عندما قذفوا كلمات طائشة مخبولة مرتعشة عن الثوار والشهداء؟".. سأجاهد نفسي حقا في نسيان خزيهم وعارهم ونفاقهم وجبنهم وبشاعة موقفهم.لكن.. هل تهتمون أنتم – أيها الفنانون - حقا بتبييض صفحتكم وتنقية سمعتكم انطلاقا من ندم حقيقي على ما اقترفتموه في حق شهداء وثوار هذا الوطن.. أم أنكم ترغبون فقط أن ينسى الناس ما فعلتموه لتواصلوا حياتكم التافهة البائسة؟ وإذا نسى الناس، هل ستنامون مرتاحي الضمير والبال مما قلتم؟!هل جرحت القوائم السوداء أبناءكم ونكست رؤوسهم أمام أصدقائهم.. هل شعرتم بحجم العار الذي جلبتوه لأبناء لا ذنب لهم إلا أنكم أباؤهم؟كان أبناؤكم يفتخرون كونكم نجوما، والآن أصبحوا – بالتأكيد- يتوارون خجلا من أصدقائهم.. هل أدركتم الآن أهمية أن تكونوا نجوما ومسئولين عن كل كلمة تنطقون بها؟هل ترغبون حقا في التطهر مما فعلتم، أم أنكم فقط تتمنون أن ينسى لكم التاريخ فداحة موقفكم؟ما رأيكم الآن في الاتهامات التي أشعلتم جذوتها في نفوس أهالي الثوار والشهداء.. كان ابناؤهم شهداء وثوار وكنتم تنعتوهم بأقذر وأحط الكلمات، وأقلها كونهم "مغيبين"؟!   لا يتحدث عن التسامح وعن سخف فكرة القوائم السوداء الآن إلا من على رأسه بطحة موقفه المخزي من الثورة، أو هو من المقربين لأحد في هذه القوائم.هذه القوائم لن تعلق الأسماء الموجودة فيها من أرجلها، لكنها فقط موجودة كي لا ننسى، وكي لا ينسى أي أحد فينا نفسه وموقعه وموقفه.. ما بعدها حياة جديدة.. سيستمر فيها الفنان الجيد جيدا وإن كان موقفه مخزيا، وسيلفظ تاريخ الفن الفنان الرديء من تلقاء نفسه، لكنها موجودة كي لا ننسى أبدا، وستظل هكذا ما حيينا، وهذه ليست قساوة قلب وجبروت ورغبة في التشفي أو تصفية الحسابات، وإنما هي فقط تاريخ لا يجب أن تنساه الأجيال الجديدة من الفنانين، كي لا ينزلق أيهم في نفاق السلطان وكي يكون انحيازه المطلق والأول والأخير للشعب.. جمهوره الذي هو منهم وإليهم يعود وبهم يكون نجما وبغيابهم يخفت نجمه إلى أن ينطفيء تماما.الحقيقة أنني اتمنى أن يتنحى كل فنان قال كلمة جرحت مشاعر أهالي الشهداء، وخدشت نقاءة ثوار التحرير من تلقاء نفسه، كي لا أكون أنا مضطرة ذات يوم لتمجيد هذا الفنان في عمل فني جيد شارك فيه، بمنطق المهنية.أعلن لكم سرا.. سحقا للمهنية التي تجعلنا عبيدا لها.. وأرجو من القراء أن يرفضوا الصفقة التي عقدتها، ولن ألومهم والله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل