المحتوى الرئيسى

أحمد شوقي يكتب عن : إلغاء الرقابة والجنس وحماية الأبناء .. أسئلة لا بد من طرحها

02/25 12:33

قمت منذ عدة أيام بالتوقيع على بيان أصدره مئات السينمائيين يحمل مطلب واضح هو إلغاء جهاز الرقابة على المصنفات الفنية باعتباره القيد الذي تفرضه الدولة على ضمير الفنان وفكره، وبقدر ما أسعدني عدم اقتصار الأمر على السينمائيين، بل إجماع عناصر القطاع الإبداعي بأكمله وكذلك بعض المهتمين والمتابعين على شرعية المطلب وأهميته في هذه المرحلة الفاصلة التي نعيشها جميعا، بقدر ما صدمني رد فعل جمهور المعلقين على البيان في جميع الصحف والمواقع التي نشر بها، والذي كان رافضا بشكل قاطع، بل وامتد الأمر ليطول أعراض السينمائيين وسمعتهم، ويشكك في نواياهم ويحكم على ضمائرهم بالفساد.والحقيقة أن أغلبية الرفض لم تكن مفاجأة بالنسبة لي نظرا لرصد العلاقة شديدة التعقيد بين السينمائيين المصريين وجمهورهم، وهي علاقة متوترة يحكمها كلمتي “الحاجة وافتقاد الثقة”، فكلا الطرفين يحتاج للآخر ولا يمكن أن يستغنى عنه، وكلاهما لا يثق في رجاحة عقل الآخر، فطرف يتهم الآخر بالفساد الأخلاقي، والآخر يرد باتهامات السطحية والخلل الفكري، وهي علاقة لابد وأن ترفز رفضا، ولكن ما صدمني كان أمرين أولهما الإجماع شبه التام على الرفض، وغياب أي رأي مدعم لمطلب السينمائيين، والأمر الثاني هو اقتصار النسبة الأكبر من الردود على الحديث عن البيان باعتباره مناداة بنشر الأفلام الإباحية، أو لنكن أكثر تحليلا: اقتصار الردود على ما يدل أن الناس تلخص دور الرقابة في السيطرة على نشر الصور الجنسية وما يتعلق بها من أمور.والحقيقة التي كنت أعتقد أنها معروفة فاكتشفت أن الغالبية على جهل بها أن التحكم في نشر ما يتعلق بالجنس لا يشكل إلا جزء بسيط للغاية من دور الرقابة، بل أكاد أجزم أنه لا يشغل من الأساس أي حيز من أجندة أولويات جهاز الرقابة، اللهم سوى اعتباره الوسيلة الوحيدة في الحصول على شرعية الجهاز بين الجمهور، فمن الصعب أن تقنع الناس بدور جهاز يعمل على قمع الأفكار المخالفة للنظام، ولكنك تستطيع بسهولة أن تقنعهم بضرورة وجود جهاز يقمع الأفاكر والمشاهد الجنسية من دخول بيوتهم!كنت أنوي أن أكتب لأوضح أوجه عمل جهاز الرقابة ومدى محدودية اهتمامها بمنع الجنس، إلا أن الزميل السينارست محمد المعتصم الحيوان كتب مقالا بديعا أوشح فيه هذه الأوجه ـ أنصح بقراءته لمن لم يفعل بعد ـ، ولذلك وبما أن هاجس الجنس كان هو المسيطر على رد فعل الناس من البيان فكان لابد وأن نحلل الأمر فيما يتعلق بهذا الاتجاه، ونحاول أن نتوصل معا لأهمية الرقابة في السيطرة عليه، وما الذي قد يحدث في حالة تحقيق مطلب السينمائيين وإلغاء جهاز الرقابة.السؤال الأول هو: هل تلعب الرقابة دورا بالفعل في تجحيم الثقافة الجنسية ومنع دخولها للبيوت؟الإجابة هي لا، وآسف إن كانت إجابتي قد تبدو صادمة ولكن الحقيقة أن السلطات استخدمت الفكرة ببراعة طوال السنوات الماضية لدرجة أنها أصبحت من باب المسلمات لدى الكثير من الناس، ولكن النظرة الأدق في أداء جهاز الرقابة خلال العقدين الماضيين يكشف عن أن وجود الرقابة لم يمنع أفلاما عديدة من الخروج للنور يمكن وصفها بضم محتوى جنسي صريح، بل والمتاجرة بهذا الجنس للترويج لهذه الأفلام، لا أريد ذكر أمثلة ولكن حاول أن تتذكر معي –وسأفكر الآن بطريقة المشاهد العادي- عدد الأفلام التي مرت عليك من نوعية “أفلام العيد”، والتي لابد وأن تضم مغنيا شعبيا وعدد لا بأس به من النساء بنهود مكشوفة ومؤخرات بارزة وكلام موحي يداعب خيال جمهور يعاني من كبت جنسي واضح، السؤال هنا أين جهاز الرقابة؟ ولماذا لم يمنع هذه المتاجرة الرخيصة إذا ما كان يهدف حقيقة لحماية الأبناء؟والحقيقة الواضحة التي لا يرغب أحد في الاعتراف بها هي أن الرقابة لم تضع يوما حماية الأبناء في حسبانها بقدر اهتمامها بحماية الآباء، أو بالأخص الآباء الجالسين فوق كراسي الهيمنة على مقاليد الأمور في السياسة والدين والفكر، ومنع تواجد أي فكر مناهض لتصوراتهم أو بصراحة أكبر لمصالحهم، وهو الهدف الذي يتم تحقيقه بتوازن دقيق لا يمنح جميع الأطراف فرصة في الاعتراض، فالجمهور يسمع بشكل مستمر عن صولات وجولات الرقابة في الانتصار للأخلاق ومنعها لتلويث العقول فيغض البصر عن صدر المغنية اللبنانية المنافي لما يقوله الرقباء عن أنفسهم، ويُظهر الفنانين في نفس الوقت بصورة الوحوش المهووسة جنسيا، التي لا تكتفي بممارسة الجنس مع بعضها صباحا ومساءا بل تتمنى أن تمارسه أمام الكاميرات وبثه ليصبح الجمهور ملوثا مثلهم، وبالتالي كانت النتيجة الواضحة حاليا بدفاع المحافظين المستميت على الرقابة بالرغم مما كان يحدث من قبل من سبهم لسماحها ببعض الأفلام!التحليل السابق يقود لسؤال منطقي آخر هو: إذا افترضنا صحة هذا الكلام، فمن الطبيعي أن الأولويات تغيرت، وكل من كانوا يخشون على كراسيهم قد رحلوا، أي أنها فرصة ذهبية لتلعب الرقابة دورها الحقيقي في حماية الأبناء، فلماذا إذن الدعوة لإلغاءها؟الكلام منطقي بلا شك، ولا أجد مانعا من تطبيقه بشرط رد صاحبه على سؤالين واضحين، السؤال الأول هو: هل ترضى وأنت البالغ العاقل صاحب الموقف، الذي قمت بثورة تخلصت فيها من رؤوس لطالما خدعتك وأوهمتك بضعفك وقلة حيلتك، وبأنها تطبق عليك قوانين جائرة وتنتهك كرامتك وانسانيتك فقط لأنها تخاف على مصلحتك وتخشى تعرضك لأخطار خارجية، هل ترضى أن تسلم عقلك لغيرك مجددا؟ أن تترك لغيرك ممارسة سلطة الأب وتحديد ما يمكنك أن تشاهده وما يجب أن يتم إخفاءه عنك؟ وأن يحرمك أحد من فرصة المقارنة بين جميع البدائل للاختيار من بينها ويمنحك فقط البدائل التي يراها هو سليمة؟ إذا أجبت بالإيجاب راضيا فمن حقك أن تطالب ببقاء الرقابة.سؤالي الثاني هو: هل تضمن لي أن سيطرة الرقابة على الفنانين المصريين ومنعهم من تقديم أي أعمال مخالفة للأخلاق سيمنع ابنك وابني من مشاهدة أفلام تحتوي على مشاهد جنسية، بل ومشاهدة أفلام البورنو القائمة بالكامل على الجنس؟ لا أشكك بالطبع في أخلاق ابنك ولا تربيتك له ولكننا يا صديقي نعيش في عام 2011، في زمن لم يعد من الممكن فيه من المعلومات أو الصور أو الأفلام، زمن يدخل بيتك يوميا –شئت أم أبيت- فضائيات وانترنت يحمل كلا منهما آلاف الأفلام بمختلف الأنواع ولمختلف الأعمار، زمن لا يمكن فيه لأي قوة في الكون أن تمنع طفلا أن يطلع على ساعات مستمرة من الجنس مالم يكن محصنا من داخله بقيم وأخلاق تحميه.أكاد أسمع سؤالا آخر يقول: حتى وإن كان المنع مستحيلا، ولكنه يعد نوعا من التقنين، حتى لا يفتح الباب لمن وصفهم المقال بصناع الأفلام التي تداعب الغرائز بعمل أفلام أكثر ترديا، فلماذا تريدنا أن نحارب هذا التقنين؟وردي أنني لست ساذجا لأتخيل أن جميع الفنانين ملائكة، أو أنهم يعيشون جميعا من أجل الفن والتنوير وقاموا بالتوقيع على البيان طلبا لحرية التعبير فقط، بل أنني متأكد من وجود مجموعة تتمنى إلغاء الرقابة لا لشيء إلا ليبدءوا خط إنتاج مكثف لأفلام رديئة موجهة خصيصا لغرائز المراهقين، ولكن دعني أحكي لك حكاية طريفة في البداية..قبل 13 سنة كنت طالبا في الصف الأول الثانوي بمدرسة حكومية، وهو العام الذي تعرفت فيه لأول مرة على فكرة البورنو والصور والأفلام الخليعة، حيث كان هناك زميل في فصلي يتربح من هذه التجارة، فكان يشتري بعض المجلات الجنسية الأجنبية بمبلغ يتخطى الخمسين جنيها –وكان مبلغا باهظا جدا بالنسبة للفترة ولسننا-، ثم يقص صفحات المجلة إلى مجموعة ضخمة من الصور يبيعها للطلبة مقابل مبالغ متفاوتة تبدأ من الجنيه وتنتهي في بعض الأحيان بأكثر من عشرة جنيهات حسب حجم الصورة ومدى جودتها!أما خلال العام الماضي فقد تحدثت بالصدفة مع قريب مراهق لي في نفس المرحلة العمرية تقريبا، وتطرق الحديث بالصدفة –وبدفع خفي من جانبي بغرض الفضول- لموضوع البورنو، وسألته أنا بسذاجة عن السعر الذي يدفعه الطلبة حاليا لمشاهدة البورنو، فرد عليا بدهشة “وادفع فلوس ليه؟ مانا باجيب من أي حد أفلام كتير ببلاش”، فسألته عن كيفية تصرفه إذا ما لم تتوافر له فرصة لمشاهدة هذه الأفلام مجانا فأجاب بحسم “يبقى طبعا مش هجيب، مش ناقص غير إني أدفع فلوس في كده كمان!”توضيح بسيط: الحكاية السابقة ليست دفاعا عن البورنو، ولا منحا لأي شرعية بأي صورة للتصرفات المذكورة، ولكنني وجدت التناقض بين الموقفين اللذين لا يفصل بينهما سوى أعوام معدودة طريقة مثالية لاستخلاص عدة نتائج هي..أولا.. أن سيكولوجيا التعرض لفن الصورة قد تغيرت بشكل ضخم طوال الأعوام القليلة الماضية، فالتدفق الهائل للمرئيات بجميع أشكالها الحميدة والخبيثة، وشيوع توافرها بشكل أو بآخر “حتى وإن كان الشكل لا يزال غير مُشرّع”، قد جعل المتلقين أقل رغبة في بذل الجهد للحصول على هذه الصور، وكذلك في دفع ثمن مقابلها، فما كان المراهق المصري يدفع فيه ماله قبل سنوات أصبح الآن أمرا أقل بكثير من أن يبذل فيه أي جهد من أي نوع.ثانيا.. ارتباط فكرة دفع المال وبذل الجهد بتذكرة السينما والذهاب إليها، فالقاعدة المعروفة هي أن الممنوع مرغوب، وكلمة ممنوع هنا يمكن تطبيقها على كلا من التوافر والشرعية، وكلمة مرغوب يمكن تطبيقها على البذل وعلى الاستغناء، فلما كان المراهق يجد صعوبة في الوصول للبورنو كان مستعدا لفعل أي شيء لكي يصل له، وكان من يدفع جنيهات في صورة يحتفظ بها ويحافظ عليها بقدر يتناسب مع تضحيته للحصول عليها، بينما بعدما أصبح الأمر متوافرا صارت نفس الأمور أقل بكثير من العناء أو التمسك، فيمكنه ببساطة الاستغناء عنها ويرفض دفع قرش واحد فيها لأنه يفعل بأمواله أشياءا أهم.وبنفس القياس فمن الوارد جدا أن تشهد الفترة التالية لإلغاء الرقابة عددا من الأفلام الخارجة وأن يقبل عليها المراهقين رغبة في مشاهدة جسد نجمة ما، ولكنهم سيكشفون خلال أشهر معدودة –وأنا واثق من ذلك – بأن الأمر لا يستحق عناء الذهاب للسينما وقطع التذكرة، فقط لأن التوافر سمح لملكات الفرز والاختيار في العمل بشكل صحي، فلم يعد المحرك هنا هو الرغبة في استغلال توافر السلعة الجنسية النادرة، بل المحرك أصبح الجهة التي تستحق بذل الجهد والمال لها. ولا داعي بالطبع لأن أذكر لك أن المنتج الذي لن يجد الجمهور مقبلا على أفلامه الجنسية سيفقد أي سبب ممكن لتكرار صناعة مثل هذه الأفلام.ثالثا وهو الأهم.. أن في كلتا الحكايتين، وبعيدا عن المراهقين أصحاب أدوار البطولة، كان هناك في الخلفية آباء مغفلين، يتاجر أبناءهم في الصور العارية ويتبادلون الأفلام الجنسية على حواسبهم، بينما يعيش ذويهم مستمتعين بسذاجتهم، ومطمئنين من حسن أخلاق أبناءهم، والسبب؟ أن هناك جهازا يدعى جهاز الرقابة قام بإقناعهم أن الوضع تحت السيطرة، وأن قمع الفنانين قد ضمن حماية أخلاق الأبناء من أي فساد!!مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل