المحتوى الرئيسى

حالة حوارالممنوعون‮ ‬‮(‬3‮)‬

02/24 23:17

أعود ‮ ‬إلي الحديث عن الممنوعين من الشخصيات الرموز،‮ ‬مؤكداً‮ ‬أن تأثير ذلك الإجراء أساء إلي المؤسسات الصحفية والإعلامية بأكثر مما أثر علي تلك الرموز‮.‬وأغلب الظن ومع الاعتراف بتأثير التوجيهات الأمنية والحزبية والسياسية التي أدت إلي تشكيل قوائم الممنوعين أن عاملاً‮ ‬نفسياً‮ ‬ومزاجياً‮ ‬شخصياً‮ ‬لدي القيادات المحركة للصحافة والإعلام دفع بها،‮ ‬وأدي إليها‮.‬إذ رأت بعض تلك القيادات أن‮ »‬تقزيم‮« ‬كل المساهمين في صياغة المشهد السياسي والإعلامي والصحفي في مصر هو أمر يدخل في إطار‮ »‬تعظيم‮« ‬حضور القيادات الصحفية والإعلامية الحالية باعتبارهم بديلاً،‮ ‬وهو ما لم يؤد في التحليل النهائي إلا لتقزيم الوسائط الإعلامية والصحفية ولكنه فشل في تعظيم أي من القائمين علي أمورها‮!‬ثالثاً‮: ‬كانت روح المطاردة المكارثية سبباً‮ ‬آخر في حجب الممنوعين أن يتحصلوا المساحات الطبيعية لظهورهم في وسائط الصحافة والإعلام،‮ ‬ولعل ما جري مع الكاتبة الصحفية الأستاذة ماجدة الجندي رئيس تحرير مجلة‮ »‬علاء الدين‮« ‬هو موديل كلاسيكي لمعني المنع القهري والعسفي‮.‬إذ صاغت تلك الكاتبة لسنوات مشروع صفحة ثقافية في الأهرام تحصلت تقديرات دولية أحدها من معرض فرانكفورت الشهير،‮ ‬ولكنها فوجئت بانتزاع الصفحة منها بقرار من رئيس التحرير،‮ ‬مبرراً‮ ‬ذلك التصرف الفظيع في اجتماع التحرير اليومي بأنها هاجمت القيادة السياسية السابقة في إحدي المحطات بالتليفزيونية الخاصة في خلط مذهل للأوراق،‮ ‬وإقرار مبدأ محاسبة الصحفي في مؤسسته علي أقوال تفوه بها خارج المؤسسة‮. ‬المدهش أن الأستاذة ماجدة مع ذلك كله لم تهاجم القيادة السياسية وقتها،‮ ‬ومع ذلك فقد روعها رئيس التحرير بإجراءاته العقابية الانتقامية نتيجة وشايات من وشوا بها،‮ ‬أو هو حاكمها علي النوايا،‮ ‬أو عبر قراءته بحسب فهمه لهاتيك النوايا‮!‬رابعاً‮: ‬هناك طائفة أخري من الممنوعين هم رموز ونجوم جماعة الإخوان المسلمين،‮ ‬وهنا أنا صاحب تجربة شخصية مهمة‮.‬إذ علي امتداد عمري المهني كنت دائم التحاور معهم في عشرات الأحاديث والندوات،‮ ‬وهو ما وثقته في عدد من كتبي،‮ ‬وربطتني بقياداتهم صلات مبنية علي احترام متبادل للاختلاف،‮ ‬فكانت حواراتي مع الأساتذة عمر التلمساني ومصطفي مشهور،‮ ‬وصلاح شادي،‮ ‬ثم الحوارات الأكثر كثافة مع المستشار مأمون الهضيبي بالذات‮.‬ومددت بصري عبر تلك الحوارات إلي الجيل الجديد من الإخوان وبخاصة الدكتور عصام العريان،‮ ‬الذي استأنفت معه صداقتنا بعد أحداث ثورة ‮٥٢ ‬يناير مداعباً‮: »‬السياسة شيء‮.. ‬وعلاقتنا شيء آخر يا دكتور عصام‮«!‬كنت أري دائماً‮ ‬ أن الحوار وسيلة الأمة في اكتشاف المشتركات بين فصائلها السياسية المختلفة،‮ ‬وهكذا بنيت عقيدتي المهنية طوال ما يربو علي أربعين سنة‮.‬وحين قدمت برنامجاً‮ ‬تليفزيونياً‮ ‬تزامن مع انتخابات ‮٥٠٠٢ ‬البرلمانية،‮ ‬قررت تقديم بضع حلقات عن الإخوان،‮ ‬وفوجئت بأنهم ممنوعون من الظهور علي الشاشة بذريعة أنهم تنظيم‮ ‬غير شرعي‮.‬ودخلت في مناقشات مطولة ومجهدة حول ذلك الأمر،‮ ‬وأذكر أنني استخدمت فيها مثالاً‮ ‬بريطانياً‮ ‬حين قلت‮: »‬حتي رموز الجيش الجمهوري الايرلندي يظهرون علي شاشة التليفزيون البريطاني‮« ‬إلا أن التشدد في رفض ظهور الإخوان كان كبيراً،‮ ‬واستخدمت فيه عبارات عنيفة عن تنبيهات وتحذيرات القيادة السياسية‮. ‬وحين ظهرت عدة بوادر خلال السنوات القليلة الماضية بتطوير الإخوان خطابهم معلنين رغبتهم في إنشاء حزب سياسي أو اعترافهم بنفس الدولة المدنية،‮ ‬طلبت مجدداً‮ ‬ استضافتهم،‮ ‬وقوبلت بنفس الرفض وربما بدرجة أكبر من التشدد‮. ‬وعلي الرغم من أن أي نصف متابع لابد أن يعترف بأن تغييراً‮ ‬كبيراً‮ ‬ودراماتيكياً‮ ‬طرأ علي خطاب الإخوان وسلوكهم السياسي عنوانه الاعتراف بالآخر واحترام حريته،‮ ‬وهو ما ظهر جلياً‮ ‬خلال أحداث ثورة ‮٥٢ ‬يناير فإنهم ظلوا من‮ »‬الممنوعين‮« ‬حتي لحظة كتابة هذه السطور،‮ ‬ورغم الظهور العابر للأستاذ سعد الكتاتني وسط تغطيات التليفزيون للتجمعات المليونية في جمعة النصر‮.‬المنع هنا فوق عدم جدواه،‮ ‬غير صحي،‮ ‬لأن أفضل طريقة للتعاطي مع جماعة الإخوان المسلمين هي الحوار‮.. ‬والحوار‮.. ‬ومواصلة الحوار،‮ ‬الذي ينبغي أن يفضي في الحساب الختامي إلي كامل الإدماج في الحياة السياسية العلنية،‮ ‬وفي النور،‮ ‬وبأكبر قدر من الشفافية والإفصاح‮.‬إلي ذلك فإن ظهور الإخوان كما راقبته في بعض القنوات الخاصة لم يك علي النحو الذي ارتأيته إذ تراوح بين تحويلهم إلي كائنات مسلية تدخل عراكاً‮ ‬وحشياً‮ ‬مع مخالفيها،‮ ‬وبما يمنع الجمهور من التعرف الهادئ والدقيق علي أفكارهم،‮ ‬أو هو تحول إلي عمل دعائي يستجدي الشعبية،‮ ‬ويبحث عن تسويق المذيع بأكثر من شرح الظاهرة السياسية أو تسليط الضوء عليها‮.‬سادساً‮: ‬من الممنوعين بعض الذين يعملون في الصحف وأجهزة الإعلام نفسها،‮ ‬وهو ما أخذ أشكالاً‮ ‬متنوعة منها زيادة مساحة التقاطر في إسهامهم بالكتابة‮ »‬كل أسبوعين أو كل شهر أو كلما تيسر‮« ‬لقطع صلتهم بالأحداث،‮ ‬أو التضييق في طول زمن بعض البرامج التليفزيونية،‮ ‬أو إذاعتها في مواعيد ميتة،‮ ‬أو حتي المنع من الكتابة،‮ ‬أو الظهور علي الشاشة لعدد كبير من القيادات المحترمة أبناء مؤسسة الصحافة والإعلام في مصر،‮ ‬وغني عن البيان أن أسماء مثل الأساتذة حمدي قنديل وحسين عبدالغني وحافظ الميرازي تدخل جميعاً‮ ‬ في هذا الإطار‮.‬المنع عملية‮ ‬غير مجدية‮. ‬المنع عملية لا تتماشي مع التطور الديمقراطي الذي فجرته الثورة‮.‬المنع فيه اعتداء شديد علي معني المهنية وسمعة المهنيين‮. ‬وجرائم الإبعاد والحصار التي تقع علي بعض رموز الصحافة والإعلام العاملين بأجهزة رسمية،‮ ‬أو بعض نجوم الساحة من السياسيين والمفكرين هي أول ما ينبغي العبور فوقه بعد ‮٥٢ ‬يناير‮.‬وربما حاولت قدر طاقتي في هذه السطور أن أكون خارج حدود تجربتي الشخصية،‮ ‬فإن‮ ‬أخفقت فاعذروا تقصيري‮!!‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل