المحتوى الرئيسى

> هل للحرية مفهوم غير الحرية؟

02/24 22:01

يجدر بنا القول إن الحرية قد استعصت في ذاتها علي أن يوثقها قيد المفهوم وقيد التعريف، فرغم كل محاولات المفكرين والفلاسفة وأهل الرأي في الماضي والحاضر لوضع مفهوم محدد أو وضع تعريف محدد لماهية الحرية، إلا أن الحرية استعصت علي الخضوع لمفهوم محدد أو تعريف محدد، فتكاد الحرية ألا يكون لها تعريف أو مفهوم سوي أنها (الحرية) فحسب، وهذا يعني أن الحرية هي بالفعل (حرية) ولا تعني شيئا آخر سواها. إن استعصاء الحرية علي الخضوع لمعيار محدد أو مفهوم محدد أو تعريف محدد أو معني واحد متفق عليه بين جميع الناس لا يعود لعنصر ذاتي داخلي في الحرية يجعلها عصية علي الفهم أو التعريف، إنما ذلك الاستعصاء يعود إلي اختلاف رؤي كل منا نحن البشر وتنوع حاجاتنا للحرية سواء كنا فرادي أو جماعات، فرؤي كل منا كأفراد وجماعات للحرية هي رؤي مختلفة وفق حاجاتنا نحن المختلفة للحرية، ما يعني أن الشيء الذي قد ترغب في ممارسته أنت بحرية وتجد نفسك محتاجا إلي قدر ما منها فتنادي بها كحق لك قد تجد غيرك يرغب في ممارسة شيء آخر بحرية قد يختلف تماما في ماهيته وكمه وقدره وقيمته عن الشيء الذي ترغب في ممارسته أنت، ومن هنا كان الاختلاف حول مفهوم وتعريف ومعني الحرية. إذن فالاختلاف حول تحديد مفهوم وتعريف الحرية أتي من تنوع واختلاف رغبات البشر التي يحتاجون فيها إلي الحرية لممارستها، ومن ثم فقد فهم كل منا الحرية وفق الرغبة الشخصية أو الفئوية التي يحتاج فيها إلي الحرية لممارستها، بل وإضافة إلي اختلاف وتنوع رغبات البشر وتمايز بعضها عن بعض كأفراد وجماعات ومن ثم الحيلولة بينهم وبين الاجتماع حول مفهوم واحد للحرية، أن هناك تصادماً بين تلك الرغبات بعضها ببعض، فقد تصطدم رغبات فرد ما برغبات فرد آخر، وقد تصطدم رغبات جماعة ما برغبات جماعة أخري، وقد تصطدم رغبات فرد ما برغبات جماعة ما، والعكس، وليت الأمر يقف عند ذلك الحد، بل إن تلك الاصطدامات لها عديد من الأوجه، فمنها ما هو زماني، ومنها ما هو مكاني، ومنها ما هو تفضيلي، ومنها ما هو معياري، ومنها ما هو قيمي وأخلاقي، مما يزيد في تعقيد وتعدد مفاهيم الحرية بمفاهيم أخري، ويزيد في تعقيد تعدد تعاريفها بتعاريف أخري، والشيء الوحيد الذي يمكن من خلاله لفرد ما أو لجماعة ما ممارسة رغباتهما بحرية كاملة دون اصطدام ودون قيد هو أن يكون لكل جماعة منا أو لكل فرد دنيا خاصة به أو حياة خاصة به لا يشاركه فيها أحد غيره، وهذا ما لا يمكن حدوثه أو تحقيقه علي الإطلاق. وعليه فإن أي مفهوم أو أي تعريف للحرية قام بوضعه شخص ما أو جماعة ما، ما هو بمفهوم حقيقي ولا بتعريف حقيقي للحرية، إنما هو محض تعبير عن أمنيات وتطلعات لممارسة وتلبية الرغبات الشخصية الفردية أو الفئوية بحرية كاملة دون اصطدام أو قيد، وهو ما لا يمكن تحقيقه أو تحققه بسهولة. فاللاهثون خلف الحرية والباحثون عنها والمنادون بها ليسوا براغبين حقيقيين في ذات الحرية، إنما هم في حقيقة الأمر من اللاهثين خلف تحقيق رغباتهم الشخصية والفئوية الخاصة، واتخذوا من الحرية مطلبا لتلبية وتحقيق تلك الرغبات فحسب، وهذا يأخذنا إلي القول إن الحرية ليست مطلبا لذاتها بقدر ما هي مطلب لتلبية وممارسة الرغبات الفردية والفئوية، وعليه فالبحث عن مفهوم أو تعريف للحرية يتفق عليه عموم الناس هو ضرب من ملاحقة السراب، إذ لا يمكن الفصل بين الحرية في ذاتها وبين ما يرغبه الناس ويتمنونه، فالحرية كمفهوم أو كتعريف من حيث تنوع واختلاف رغباتنا واصطدام تلك الرغبات ومن حيث تعدد أوجه ذلك الاصطدام لن يكون لها تعريف واحد محدد أو مفهوم واحد محدد، فقل لي ماذا ترغب وماذا تحب أقل لك ما هو مفهوم الحرية بالنسبة لك. باحث إسلامي يقيم في أسيوط

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل