المحتوى الرئيسى

الطاغية المُطْلَق! بقلم:جواد البشيتي

02/24 16:12

الطاغية المُطْلَق! جواد البشيتي لن نقول بعد اليوم "يا صَبْر أيُّوب!"؛ بل "يا صَبْر الشعب الليبي!"؛ فإنَّها لمعجزة ما بعدها معجزة أنْ يصبر الشعب الليبي أربعين سنة ونيِّف على حكم العقيد معمر القذافي، الذي لكثرة ما ارتكب من جرائم، وفي حقِّ الشعب الليبي على وجه الخصوص، جَعَل الطغاة في العالم، وفي التاريخ، على نوعين اثنين: الأوَّل هو كل الطغاة، والثاني هو القذافي. عندما خلعت "ثورة الياسمين" دكتاتور تونس زين العابدين، برز العقيد معمر القذافي في ثياب الواعظين، محمِّلاً الشعب التونسي مسؤولية ما حلَّ (وسيَحِلُّ) في بلاده من خراب ومآسٍ. لقد تعجَّلوا (الشعب التونسي) في الإطاحة برئيسهم، والعجلة من الشيطان؛ والشعب، إرادةً، أصبح هو نفسه من الشيطان؛ وكان ينبغي لهم، لو تمثَّلوا مصالحهم الحقيقية، وامتثلوا لها، أنْ ينتظروا انتهاء فترة الرئاسة الأخيرة لرئيسهم زين العابدين بن علي (أي حتى 2014) والذي هو، من وجهة نظر العقيد التي لا يمكن تمييزها أبداً من الحقيقة ومن كل ما هو حقيقي في هذا العالم، "الأفضل لحكم تونس إلى الأبد"، والذي ما زال، على ما قاء، "الرئيس الشرعي". الزعيم الليبي أراد أنْ يقول لشعبه إنَّه هو "الأفضل لحكم ليبيا وشعبها إلى الأبد"، فليس من المنطق في شيء أنْ يكون زين العابدين، الذي هو قطرة في بحر المناقب القيادية للعقيد القذافي، الرجل الأفضل لحكم تونس إلى الأبد، ولا يكون القذافي في الأهمية (القيادية) نفسها (على الأقل) ليبياً! نقول هذا ونحن نقرُّ ونعترف بأنَّنا قد تحاملنا على الزعيم الليبي إذ عاملناه على أنَّه "رئيس"، أو "حاكم"؛ فهو "قائد الثورة" الذي يأبى أنْ يكون "رئيساً"، أو "حاكماً"! والقذافي لم يرَ من وجه شبه بين الشعبين (التونسي والليبي) أو بين نظامي الحكم التونسي والليبي؛ فالشعب في ليبيا لا ينزل، ولا يحتاج إلى أنْ ينزل، إلى الشارع؛ لأنْ ليس من الحكمة أو المنطق في شيء أنْ يثور الشعب على نفسه، فالشعب في ليبيا هو الشعب الوحيد في العالم الذي يحكم نفسه حُكْماً مباشِراً، وإلاَّ ما معنى "المجالس الشعبية" التي ينتظم فيها (سياسياً) الشعب الليبي كله؟! حتى الأحزاب السياسية لا يريدها الشعب الليبي، ولا يحتاج إليها؛ وكيف له أن يريدها، أو يحتاج إليها، وهو الذي آمن (وإلى الأبد) بأنَّ "كل من تحزَّب خان (الشعب والوطن..)"، وأدرك أنْ لا تَزاوج أبداً بين "حكم الشعب لنفسه حكماً مباشراً" وبين "الحياة الحزبية"؟! شعوبنا لن تتحرَّر، ولن تَدْخُل "ملكوت الحرِّية"، في قَلْبه وقالبه الليبيين، إلاَّ على يديِّ مُنْقِذ مخلِّص، يأتيها ليلاً على ظهر دبابة، لا شرقية ولا غربية، فيَنْفُخ فيها من روحه، لتدبَّ بها الحياة السياسية الحقيقية، وتَدْخُل في "المجالس الشعبية" أفواجاً، فهو وحده الحق الذي جاء، وقبله فحسب هو الباطل الذي زهق! لقد زارته صحافية أجنبية مشهورة لتجري معه حواراً فكرياً شاملاً، فتحدَّث إليها في كل شيء حتى كاد أنْ ينسب إليه كل "المآثر الفكرية"، مظهراً نفسه على أنَّه أعظم العظماء. الصحافية صمتت حيرة ودهشة، وتركته يسترسل في كلامه حتى فاجأته بسؤالها الأخير، وهو "هل تؤمن بوجود الله؟"، فأجاب مستغرباً: "ولِمَ تسألينني هذا السؤال؟!"، فقالت: "لأنني خِلْتُ أنَّك الله!". "الحاكم الشمولي" عندنا يستسهل العظمة في كل شيء، فغرور السلطة المطلقة التي يملك يسوِّل له ادِّعاء "العظمة" حتى في مجالات من المعرفة يجهل أبجديتها جهلا مطبقا. ويشجِّعه على ذلك ما يلقاه في وسائل إعلامه من تمجيد لكل كلمة يقولها. وفي دولنا العربية الأخرى، لا تقيموا وزناً لكل ما ترونه من هيئات ومؤسسات رسمية للحكم، كالبرلمان بتسمياته المختلفة، فهي لا تعدو كونها زينة وزركشة تتزيَّن بها وتتزركش هيئات وقوى وأدوات الحكم الفعلي الحقيقي. وهذا ليس قولي وإنَّما قول تجربة الثورتين التونسية والمصرية، فـ "الحكومات الشرعية الدستورية.." ظهرت في الشوارع على حقيقتها العارية، إذ ارتكبت ما ارتكبت من جرائم وأعمال إرهاب وتخريب وسرقة ونهب وحرق وقتل.. و"بلطجة". في الثورتين التونسية والمصرية، وبفضلهما، رأينا الحاكم العربي، على حقيقته، فهو رجل يميل إلى التنعُّم والتوسُّع في ملاذ الدنيا وشهواتها، يُحِبُّ الفنادق الفخمة، والسيجار، والأقلام والساعات الثمينة، فكيف له أن يقاوِم الرشاوى، ما عَظُمَ منها وما صَغُر، أو أن يقف ضد "دجاجة الفساد" وهي تبيض له ذهباً؟! إنَّهم، وما أكثرهم، محبُّون لكل ما تِسْتَكْرِهه "الفضيلة"، يسعون إليه بأقدامهم ورؤوسهم. إنَّهم مع كل "مصلحة عامة" تتَّسِع لمصالحهم الشخصية والعائلية والفئوية، فإنْ كانت غير ذلك، أو بدت مضرِّة بمصالحهم، فإنَّهم لن يكترثوا لها، وقد يناصبوها العداء؛ ومحبُّون للمال، جمعاً وكنزاً واستثماراً وإنفاقاً..، ولا يربأون بأنفسهم عن الأخذ بمبدأ "الغاية تبرِّر وتسوِّغ الوسيلة"، فالحاكم العربي له حقٌّ معلوم في أموال غيره، وفي "المال العام"، ويحقُّ له (مع أفراد عائلته) أن يستثمر ماله كما يستثمر أباطرة المال في بلده أموالهم. وما يتمتَّع به من سلطان على رعيته لا أهمية له إذا لم يُتَرْجَم بمزيد من الثراء له ولعائلته، ولو استعان على قضاء حوائجه بالكتمان، وبما يشبهه من وسائل وطرائق، فسؤال "من أين لكَ هذا؟" يجب أن يظل مفتقراً إلى مبرِّرات وحيثيات طرحه عليه؛ وتوصُّلاً إلى ذلك لا بدَّ له من أن يتَّخِذ "التَّقِيَّة" مبدأً له (ولعائلته) في سعيه إلى الثراء، وإلى مزيد من الثراء. إنَّه محبٌّ للرغد من العيش، يأكل من طيِّبات ما رزقه الشعب، أبناؤه يدرسون ويتعلَّمون في خارج الوطن الذي يحب، فإذا مرض فلا علاج يتلقاه إلا في خارج الوطن، الذي في خارجه أيضاً، وخشية أن يأتي "يوم أسود"، يخبِّئ جُلَّ ما يملك من "قرش أبيض". وهو محبٌّ للنكاح والنساء والليالي الحمراء (ولو كان مُسِنَّاً أو مريضاً) ويملك كل ما يمكِّنه من تملُّك "القوارير"، وما يستلزمه هذا التملُّك من حيوية جنسية. وهو، على ما نراه في القذافي على وجه الخصوص، محبٌّ لـ "العَظَمَة المطلقة"، يرينا، ويري العالم، أُفْقاً له يسع كل شيء ولا يسعه شيء، فهو ليس بحاكم فحسب. إنَّه المفكِّر المبدع الذي يرى رأياً سديداً رصيناً في كل شيء، والذي ينبغي لكل مجالسيه ومستمعيه أن يشهدوا أن لا عبقرياً إلا هو، ولو سعى في إظهار عبقريته في قول من قبيل "إنَّ الفرق بين المرأة والرجل يكمن في كون المرأة تحيض والرجل لا يحيض".. ولو نظرت إليه الدنيا قاطبةً على أنَّه أبله! لا تسألوه عن "الحق" و"الحقيقة"، فـ "الحق" هو كل ما يراه حقَّاً؛ و"الحقيقة" هي ما يفكِّر فيه الآن. ولا تسألوه عن "شرعيته في الحكم"، فهو ما أن اغتصب السلطة حتى منحه الشعب شرعية البقاء فيها وممارستها إلى الأبد، فإذا أقصاه الموت عنها حقَّ لورثته (من أبنائه الذكور) أن يرثوا عنه حتى "الدولة". أُنْظروا إليه؛ لكن ليس من خلال عينه هو، أي من خلال "الإعلام"، فهو في "المرآة الإعلامية" الخادم لشعبه، المتفاني في خدمته، يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب، يصلِّي معنا، وكما نصلِّي، يتحدَّث كما نتحدث، وفي اللهجة التي نحب، يشبهنا في عاداتنا وتقاليدنا..، ولولا موكبه، وحرَّاسه، وما تقتضيه حراسته من إجراءات وتدابير لقلنا إنَّه منا ومثلنا. أجل، إنَّه يظل "خادماً" للرعية ما ظلَّت كالغنم يسوقها الراعي إلى مرعاه، فهي لا تملك حق تغييره؛ أمَّا هو فلديه كل الحق في أن يغيِّرها بما يبقيها في صلح دائم مع مصالحه؛ وأمَّا هذا المرعى فيسمَّى، تجميلاً، "الوطن"، الذي لا يَعْدِله وطن، جمالاً وعَظَمَةً! وفي هذا العالم السفلي، نرى أيضاً صُنَّاعاً للرأي العام، ليس من "آلة" تُسْتَخْدَم في صناعتهم سوى "آلة الترهيب (على أنواعه) والترغيب (الذي يبدأ بثلاثين من الفضة)". أمَّا "القَلَم"، الذي به عَلَّم الله الإنسان ما لَمْ يَعْلَم، فلا شيء يشبهه لجهة ما يَخْرُج منه من فِكْرٍ ورأي سوى "أحمر الشِّفاه"، يُزيِّن به "الكاتِب" شفاه الحاكِم ووليُّ النعمة. حَمَلَةُ تلك "الأقلام" إنَّما هُمْ "الجيش الإعلامي" الذي يغزو ويَفْتَح عقول وقلوب العامَّة من الناس، مُصَوِّراً العلاقة بين الحاكِم والمحكوم تصويراً فيه من الاستهزاء بالعقول، والاستخفاف بالحقائق، ما يُشَدِّد الحاجة لدى كل الحريصين على قيام "إعلامٍ حر" إلى تعرية هذه العلاقة، وإظهارها على حقيقتها الموضوعية، فإنَّ "صورة" العلاقة بين الحاكِم والمحكوم في بلادنا، على ما تراها أبصارنا وبصائرنا في "مرآة" الدستور والنصوص القانونية والإعلام والصحافة والشِعْر والأغاني والكُتُب المدرسية والخطاب السياسي والديني الرسمي.. لا تشبه، ولو قليلا، أصلها الواقعي، فـ "واقع" العلاقة و"صورتها" في تنافُر مستمر ومتزايد. في "الصورة الإعلامية"، يرى الحاكم نفسه، ونراه غَصْباً عَنَّا، حاكِماً (أو قائداً) ليس كمثله حاكم، فهو "الفضيلة" التي فيه، وبه، تَحَقَّقَت واكتملت وخَلَصَت؛ وهو بدر البدور، والأجمل والأكفأ والذي لم تلد مثله النساء بعد. عالمنا العربي يحفل بما يسمَّى "الحكَّام الشموليين"، أي الذين يملكون من السلطة ما يسمح لهم بتقرير كل شيء، وبالهيمنة على كل شيء؛ لكنَّ مفهوم "الحاكم الشمولي" اغتنت معانيه وتوسَّعت إذ قرر القذافي أنْ يكون فيلسوفاً ومفكِّراً وعالماً أيضاً، وكأنَّ مجده وتمجيده يحب أنْ يكونا في كل مجال؛ وها هو في "خطبة الوداع" يُعرِّف "المجد" قائلاً: "إنَّه القذافي نفسه"!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل