المحتوى الرئيسى

الفضائيات بين ثقافة التسول وضربة الحظ بقلم:د. خالــــــد الخاجـــــــة

02/24 01:47

الفضائيات بين ثقافة التسول وضربة الحظ الفقر الفكري والبرامجي الذي تعاني منه الفضائيات العربية، جعلها تلجأ إلى ملء ساعات الإرسال بمضامين أجنبية، لا هدف واضحا لها ولا رسالة تسعى لتحقيقها، سوى تمرير الوقت أو اللجوء إلى تقليد بعض البرامج الغربية وتقديمها بلسان عربي. وقد نغفر لها ذلك إذا كان فيه ما يفيد في تنمية الوعي وترقية الفكر أو ترفيه عن النفس بشكل مقبول، إلا أنه بنظرة متابع لبعض البرامج، نجد أن هناك هجمة شرسة وطغيانا هائلا لبرامج المسابقات في فضائياتنا، ولا ضرر من ذلك إذا كان فيه إعمال للعقل وتنمية للثقافة الجماهيرية، إلا أن معظمها برامج لا تقدم معلومة مفيدة ولا دورا تؤديه. فبرنامج مثل «لعبة الحياة»، وهو برنامج أجنبي سعى بعض القنوات العربية للحصول على امتياز إذاعته وتعريبه، لا يقوم إلا على فتح المتسابق بعض العلب المغلقة وانتظار ما فيها من أرقام مالية، ولا أدري ما وجه الإبداع في هذا وما القيمة التي يقدمها للمشاهد ـ الذي يجلس لساعات أمامه ـ سوى تكريس لنوعين من الثقافة؛ أولهما ثقافة التسول الإعلامي التي تعتمد علي استجداء الجماهير للاتصال، مقابل وعد بمكسب مالي ضخم.. وهو تسول يتم بشكل تكنولوجي مقنن، يلعب بمشاعر الناس وبحاجتهم وظروفهم، وهي نفس الثقافة التي من أجلها وجدنا قنوات لا شاغل لها سوى تقديم بعض الأسئلة المستفزة، التي لا قيمة فيها ولا جدوى من ورائها، سوى مزيد من تتفيه العقل العربي، يقدمه فتيان وفتيات بطريقة أكثر استفزازا يطلبن من المشاهدين الاتصال بهم للفوز بآلاف الدولارات عند الإجابة على أسئلة على شاكلة «من هو صاحب الصورة التالية» أو «من هو بطل الفيلم الفلاني».. وهكذا. النوع الثاني، هو الترويج لثقافة ضربة الحظ، ومن أشهر البرامج في هذا المجال برنامج «من سيربح المليون»، وهو تعريب أيضا لبرنامج غربي يذاع على الكثير من المحطات الغربية، وهو إن كان يدور حول المعلومات إلا أن ذلك في نهاية المطاف لا يشكل ثقافة ولا يقيم فكرا. ورغم ما يحظى به من نسبة مشاهدة كبيرة، إلا أنه في الوقت ذاته يؤسس لثقافة ضربة الحظ، في وقت نحن في أشد الحاجة إلى نشر وتعظيم قيمة العمل وبذل الجهد، وأن قيمة ما يكسبه الإنسان تتحدد بمقدار ما بذله من جهد وعرق، لا أن يحصل علي الملايين لمجرد أنه أجاب على أسئلة، بعضها استعان فيها بغيره والآخر باختيار كان الحظ فيه غالباً، وما يعكسه ذلك من إحباط لدى قطاع من شبابنا العربي الذي يعاني من مشكلات متعددة، ليس أقلها الحصول على رغيف الخبز، في حين يرى غيره يحصل على الملايين في لحظات معدودة، مما ينمي لديه ثورة من التطلعات. ولأن ضيق ذات اليد هو الحال، تتحول هذه الثورة إلى ثورة من الإحباطات المتراكمة، والتي نشهد نتائجها من حولنا في حركة الشعوب العربية، التي هي في حقيقتها تعبير عن حالة من الإحباط المسيطر على شباب وجد نفسه غير قادر على تحقيق الحد الأدنى من طموحاته وأحلامه. واستكمالا لمسلسل البرامج السائرة على درب تسطيح عقل الشباب العربي، تجد أنه حتى الإعلانات الخاصة بترويج السلع لم تكن بعيدة عن تكريس نفس الثقافة، من خلال الدعوة إلى جمع أغطية السلع أو البحث في أسفلها عن خبطة العمر! وتأخذ ثقافة ضربة الحظ أشكالا عدة، إن لم يكن في برامج فتح العلب وربح الملايين وحفظ كلمات الأغاني، فلا بأس من استغلال حاجة الناس ومرضهم وأحزانهم، واللعب بمشاعرهم لتحقيق مزيد من الأرباح، فمن لديه مرض مزمن يجرب الدواء الذي لا نعرف له هوية، ومن لم يستطع الإنجاب، ومن لديه مس من الجان، ومن يريد أن يكون كذا وكذا.. والقائمة طويلة، فليجرب وليطلب الدواء الفلاني، وسيصله إلى منزله. إنها نفس الثقافة التي تعتمد على ضربة الحظ، ولكن بزي وشكل جديدين. هذا فضلا عن انتشار نوعية أخرى من برامج الاستجداء الغريبة عن مجتمعاتنا، والتي تدعو شباب البلدان العربية للتصويت لصالح نجمهم المفضل لمدة تتجاوز الثلاثة أشهر، وكأننا نستنزف قدرات شبابنا في القيام بعمليات اتصال للبحث عن بطولة وهمية أو تعصب مقيت بين أبناء الوطن الكبير، أو مبارزة على الهواء لم يفز فيها غير محطات ضاعت رسالتها في زمن غابت فيه الرسالة، وساد فيه منطق الربح المادي. وهنا أطرح تسالا مشروعا؛ ماذا تريد الفضائيات العربية من الشباب؟ بل وأي ثقافة تريد أن يكون عليها؟ ولمَ لا نقيم مسابقات حول أفضل فكرة في مجال من مجالات العلوم أو براءة اختراع يحل مشكلة من مشاكل عالمنا العربي وهي كثيرة، أو حملة لحل مشكلة من المشكلات الاجتماعية التي تتفاقم يوما بعد يوم.. وغير ذلك كثير؟! وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فنحن لم نرحم الأطفال، فبرامجهم تعد بنفس الطريقة وعلى نفس النحو، وكأننا نعدهم للسير على نفس الدرب، في الوقت الذي يحفز العالم كله من حولنا أطفاله، وتساعد برامج التليفزيون على تنمية تفكيرهم الابتكاري، وإن قدمت في شكل ترفيهي فالترفيه لا يعني التسطيح. في يقيني أنه مهما كسبت الفضائيات من أموال جراء هذه الممارسات، إلا أنها تفقد الكثير من ثقة الجمهور واحترامه، كما أنها تساهم في تدمير طاقات شابة كان من الممكن استنفارها لما فيه الخير لمستقبلها والنفع لأوطانها. والسبب في ذلك أن معظم القنوات الفضائية، والخاصة منها على وجه الخصوص، تتم إدارتها كمشروع اقتصادي وفقط، هدفه تحقيق الأرباح، خاصة أن أصحابها رجال أعمال يتعاملون مع المشاهدين كزبائن، ومن ثم كان منطق العرض والطلب هو السائد، ولو كان ذلك على حساب حماية القيم والدفاع عن مستقبل الأوطان، إضافة إلى سيطرة الإعلان الذي سعى إلى خلق حاجات وهمية يمكن الاستغناء عنها، وحث الأفراد على السعي لإشباعها! إننا بحاجة إلى إعلام يعي رسالته ويحدد خطواته.. إعلام يسعى إلى الربح، ولكن ليس على حساب القيم.. إعلام ينجح اقتصاديا فقد أصبح صناعة ضخمة، ولكن لا يغيب عنه البعد الاجتماعي والأخلاقي.. إعلام ينفتح على العالم، ولكن على قاعدة ثابتة وأرضية ثقافية متينة، يحقق أرباحا، ولكن ليس على حساب عواطف الناس واستغلال حاجاتهم.. إعلام يعظم من قيمة العمل، ولا يكرس ثقافة ضربة الحظ. د. خالــــــد الخاجـــــــة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل