المحتوى الرئيسى

> محاسبة بلا رحمة

02/23 22:21

إطلاق الرصاص علي الماضي القريب ليس بالفعل الإيجابي في ذاته، فالطموح الحقيقي أن نتعلم من الأخطاء فلا نكررها، وننتبه إلي الخطايا فنحاربها ونحاصرها منذ المهد. الدرس الأهم المستخلص من الثورة، يتمثل في حقيقة أن الديمقراطية الكاملة غير المنقوصة هي الدواء الذي لا علاج غيره للأمراض والعلل، السياسية والاجتماعية. جوهر الديمقراطية يشمل الكثير من المفردات، فهي لا تقتصر علي حرية الكلام وحتي التعبير، بل إنها تمتد بالضرورة إلي تفعيل الحرية عمليا، فيتحول الحزب السياسي والصحيفة المقروءة والقناة التليفزيونية والمنظمة الأهلية، إلي أدوات لفضح الانحراف والفساد، وصولا إلي محاسبة بلا رحمة لكل من يتهاون، والحكومة في الطليعة. الشعب الذي اختارها عبر انتخابات حرة نزيهة، هو صاحب الحق الأصيل في إسقاطها وتغييرها. التنشئة الديمقراطية ضرورة لصناعة مجتمع يعي المفهوم ويمارسه بشكل صحي صحيح، فالأمر ليس سياسيا فوقيا يقترن بالصفوة، قدر ما هو رهين بالبيت الديمقراطي، والمدرسة التي تنتصر للإبداع والابتكار وتقبل الآخر المختلف، والجامعة التي لا تعترف بالأحادية. لقد عانت مصر خلال السنوات الستين السابقة من الوصاية الأبوية المدمرة، قوامها سلطة تحتكر القيادة بلا شريك، وتضفي علي نفسها هالة من القداسة الزائفة. وعلي الذين يهاجمون الرئيس السابق حسني مبارك ويتهمونه بالديكتاتورية، أن يحكموا ضمائرهم وعقولهم في تقييم سابقيه، فهل كان السادات وعبدالناصر ومحمد نجيب مبرئين من داء التسلط؟ عرفت مصر تجربة ديمقراطية منقوصة حافلة بالخلل قبل ثورة يوليو، وكان المأمول أن تستقيم التجربة وتستمر، لكن إجهاض القليل المتاح هو الذي قاد إلي ثورة الشباب في ميدان التحرير، العالم الجديد الذي نعيشه قوامه الانفتاح غير المحدود، ولم تعد كلمات مثل الرقابة والوصاية والإرشاد مما تحويه القواميس العصرية. البديل لا يعني مبايعة الفوضي، لكنه يتجسد في الدولة المدنية الديمقراطية التي تنهض علي مؤسسات واضحة الملامح والسمات والمهام، وبمعزل عن هذا لا ينبئ المستقبل، قريبة وبعيدة، بإصلاح حقيقي. مهمة شاقة يستحيل القيام بها في يوم وليلة، فنحن في حاجة إلي سنوات من العمل الجاد النزيه لصناعة ما أهملناه عقودا ممتدة. المعيار الحاكم أن نتحرك ونتقدم، ليس سنة بعد أخري، بل ينبغي أن يكون المقياس باليوم والساعة. دستور يضمن الحقوق بلا مواد غامضة ملتوية سيئة النية، ومجالس نيابية لا تستهدف إلا الصالح العام، وجهاز أمني يؤدي وظيفته بلا تجاوزات وانتهاكات، وتعليم عصري مقطوع الصلة بالعصور الوسطي، وإعلام مسئول ناضج. أحلام نضعها نصب أعيننا، ونعي أنها تستغرق الكثير.. والمهم أن نبدأ.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل