المحتوى الرئيسى

دكتور محمد محفوظ : مفاتيح الأمس وأبواب المستقبل .. ( الفريضة الثورية الغائبة )

02/23 19:13

( المواكب الحديثة لا تحتاج لقارعي الطبول القدامى )[ قول مأثور ]الأشخاص والأفكار ؛ إنها الثنائية التي يمكن أن تقيدنا بالماضي أو تجذبنا نحو المستقبل . فالوجوه القديمة التي ارتبطت بنظام الفساد والاستبداد ؛ لا يمكن أن تكون عنواناً لعهد جديد .والأفكار المستهلكة البالية ؛ لا ينبغي أن تصبح واجهة لمستقبل مأمول .وربما تكون المفاجأة التي تحملها أي ثورة – لأن الثورة دائماً تأتى من رحم الغيب – تفرض حالة من الذهول والإرباك التي تجعل الأحداث دائماً تسبق محركيها أو مراقبيها ؛ فيتم تفسيرها بعقول قديمة تلبس وجوهها الأقدم وتطرح أفكارها المحنطة .ولعل المتابع لوسائل الإعلام المصرية ؛ سيعتقد لوهلة أنه يتابع برامج قديمة يتم إعادة عرضها ؛ أو مواضيع يتم إعادة نشرها . فذات الوجوه المملة هي الظاهرة على الساحة ؛ ونفس الأفكار الضحلة هي المطروحة على الملأ ؛ وكأنه لا ثورة ولا يحزنون ؛ وإنما كانت مجرد مسيرات ومواكب في الشوارع ضمن مهرجان فاجأ الجميع .تغيير الأشخاص إذن فريضة ثورية مازالت غائبة ؛ تقتضى انسحاب كافة الوجوه القديمة إلى الظل. وبالتالي ؛ لا يمكن – مثلاً – قبول استمرار الترويج لعمرو موسى لمجرد كراهيته لإسرائيل ؛ رغم أنه أحد رجال النظام القديم ؛ ووزير خارجيته لمدة 10 سنوات شاهد خلالها تزوير الانتخابات وممارسات الفساد ؛ ولم يفتح فمه أو يقدم استقالته ؛ فكافأه النظام على إخلاصه بترشيحه لمنصب أمين جامعة الدول العربية .وما ينطبق على عمرو موسى ينطبق بالقياس على غيره ؛ مثل أحمد جويلى أو أحمد شفيق أو أي عضو بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة ؛ فكلهم شهود إن لم يكونوا شركاء على فساد النظام واستبداده ؛ ولكنهم لاذوا بالصمت الرهيب .أيضاً ؛ فإن الترويج لأشخاص لمجرد نبوغهم العلمي أو الثقافي أو سموهم الأخلاقي ؛ هو أمر لا يضع الشخص المناسب في المكان المناسب . لأن العمل السياسي له أهله ؛ ولا يمكن لرجل نابغ في مجال البحث العلمي مثل العالم الكبير أحمد زويل ؛ أن يتولى منصباً سياسياً حتى لو كان وزيراً للبحث العلمي ؛ فتصميم السياسات شئ وتنفيذها شئ آخر ؛ وبينما يمكن لأحمد زويل أن يصمم سياسات رشيدة للنهوض بالتعليم والبحث العلمي ؛ إلا أنه ليس بالضرورة مؤهلاً لتنفيذها ؛ لأن التنفيذ هو مسئولية رجال السياسة وليس العلماء أو الأكاديميين .وهكذا ؛ يمكن القياس على أسماء كثيرة تم طرحها لنبوغها العلمي أو سموها الأخلاقي ؛ ولكنها غير مؤهلة للعمل السياسي .ولعل النظام السياسي الناجح ؛ هو الذي لا يعتمد على الاعتبارات الشخصية ؛ وإنما يتأسس على الاعتبارات الموضوعية التي تنشئ نظاماً منضبطاً يظل صامداً ؛ حتى لو جلس على رأس السلطة ( إبليس ) ذاته .وفى المقابل ؛ فإن تجديد الأفكار – إن لم نقل تغييرها – يصبح فريضة ثورية واجبة ؛ تقتضيها طبيعة الثورة التي تفصل بين نظامين وعهدين ومنهجين .وبالتالي ؛ ينبغي تقليب تربتنا الفكرية التي تعطنت نتيجة غياب شمس الحرية ؛ فأفسدت وعى الناس وقدرتهم على الإدراك السليم ؛ فصاروا يستخدمون قلوبهم بدلاً من عقولهم وتسبق مشاعرهم أفكارهم .لهذا ؛ علينا إعادة النظر في الكثير من المسلمات الفكرية التي مازال يتشدق بها الكثيرون منا؛ باعتبارها هي الحصن الآمن لانجاز نهضتنا الوطنية ؛ رغم أنها هي السبب الرئيسي في كبوتنا التاريخية والمعاصرة .علينا أن نواجه أنفسنا بصراحة موجعة ؛ ونسأل أنفسنا الأسئلة المصيرية الآتية :- هل من المصلحة الوطنية التمسك بما يسمى القومية العربية أو الوحدة العربية أو جامعة الدول العربية ؟- كيف سنبنى نظامنا الديمقراطي ؛ لو كان معظم حلفاءنا العرب أعداءً للديمقراطية ؛ وجامعتنا هي جامعة للدول الاستبدادية ؟- كيف يمكن للشريف أن يكون معظم أصدقاءه من اللصوص ؟!!- هل من الصواب استمرار ترديد نفس النغمة الاستعلائية ؛ بأن مصر هي زعيمة وقائدة الأمة العربية والإسلامية ؛ أو أن مصر – ما بعد الثورة – ستتبوأ مكانها الطبيعي لتصبح قوة عظمى ؟- أليس القليل من التواضع هو فضيلة ثورية ؛ ينبغي الاتكاء عليها لتمرين العقل على التفكير بموضوعية تنطلق من الواقع القائم ولا تقفز عليه ؟- أليس الهدف المنطقي هو بناء سياسات تضمن الحياة الكريمة للمواطن المصري ؛ وتوفر له القدرة على الإبداع والابتكار ؛ ومن ثم تصبح النتيجة الطبيعية هي تحقيق التفوق العالمي بقوة الأمر الواقع ؛ وليس بقوة الرغبة المريضة في التسيد على المنطقة أو العالم ؟- متى سننتهي من عقدة الكراهية المزمنة تجاه دولة مجاورة اسمها إسرائيل ؛ يتم تداول السلطة بين أحزابها سلمياً ؛ ويخضع نظام الحكم فيها لمعايير الديمقراطية البرلمانية ؟- هل المصلحة الفلسطينية جزء من حسابات صانع القرار المصري في مجال السياسة الداخلية الاقتصادية والاجتماعية ؟- هل نرهن مستقبلنا – قبل حاضرنا – بنزاع عربي إسرائيلي مزمن ؛ أصبح يتم تسميته عالمياً بـ ( ماراثون الفرص الضائعة ) ؟- هل من المصلحة التغاضي عن مسئولية الأطراف العربية في تعطيل عملية السلام ؛ وتحميلها كلها لإسرائيل والغرب والولايات المتحدة الأمريكية ؟- هل من المنطقي التمسك بصيغ تفاوضية انتهت صلاحياتها للاستهلاك السياسي ؛ كعودة اللاجئين ورفض الدولة اليهودية .. و .. و .. ؟- هل يمكن بناء نظام ديمقراطي دون التخلي عن ثقافة التعصب والكراهية التي أصبحت متغلغلة في ثنايا تكويننا العقلي ؟- هل يمكن بناء سياسة رشيدة ومجتمع متحضر انطلاقاً من نوازع الكراهية والغل الأسود ؛ أم تأسيساً على نوازع التسامح والرغبة الصادقة في السلام والتعاون بين الشعوب قبل الدول ؟- هل من الأفضل أن ننتمي للإنسانية بأفقها الواسع ؛ أم ننحصر فقط داخل أطر إقليمية أو قومية أو دينية ( أفريقية عروبية إسلامية ) ضيقة ؟- هل ؛ وكيف ؛ ومتى ؛ ومن ؛ وأين ؛ وماذا ؛ ولماذا … ؟أسئلة كلها مشروعة ؛ بل وواجبة كفريضة ثورية لا ينبغي أن تظل غائبة ومطمورة .… صياغة المستقبل – إذن – تبدأ دائماً بخطوات قد تكون بطيئة ؛ ولكنها ينبغي أن تكون جريئة في إدارة ظهرها للماضي المظلم ؛ ومخاصمة مناهجه ورموزه وكياناته . وبغير ذلك يصبح المستقبل مجرد أحلام يقظة ؛ بينما يظل الماضي قيد يربطنا داخل حجرات نومنا وعلى سرائرنا ؛ لنجتر أحقادنا ؛ ونفلسف قلة حيلتـنا ؛ ونبرر فشلنا ؛ ونتـنكر لمسئوليتـنا .… الأشخاص والأفكار ؛ تلك الثنائية التي يمكن أن تقيدنا بالماضي أو تجذبنا نحو المستقبل ؛ ربما تكون هي التحدي الفارق الذي يواجه ما بعد الثورة . فلقد لبثنا زمناً يحكمنا أسوأ من فينا , وربما حان الوقت لكي يحكمنا ؛ أكثر ( أشخاصنا ) واقعـية ؛ وأكثر ( أفكارنا ) عمليَّة .وذلك لأنه وبكل بساطة : مفاتيح الأمس ؛ لا يمكن لها أبداً ؛ أن تفتح أبواب المستقبل .دكتور/ محمد محفوظdr.mmahfouz64@gmail.comمواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل