المحتوى الرئيسى

نوبة صحيان

02/23 00:54

قبل‮ ‬ هذه الواقعة التي حدثت لي‮. ‬ما كنت أتصور أن الخامس‮ ‬والعشرين من يناير يمكن أن يكون تاريخاً‮ ‬فاصلاً‮ ‬له ما قبله وله ما بعده بالصورة التي رأيتها بأم عيني في جامعة عين شمس‮. ‬وأصل الحكاية أن الدكتورة حنان السعيد مديرة مركز خدمة المجتمع وأستاذة الأدب الإنجليزي بالجامعة‮. ‬دعتني لإلقاء محاضرات علي دفعة من الشباب المتقدمين لمسابقة التعيين في السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية‮. ‬وقد قررت الوزارة أن يجري الامتحان حول روايتي‮: ‬السمان والخريف لنجيب محفوظ‮. ‬وعودة الروح لتوفيق الحكيم‮.‬افتتح الدورة الدكتور ماجد الديب رئيس الجامعة ظهر الإثنين ‮٧١  ‬يناير‮. ‬وكانت المحاضرة الأولي يوم الأربعاء ‮٩١ ‬يناير الماضي‮. ‬وبعد أن رحبت الدكتورة حنان السعيد بعرض فيلم السمان والخريف المأخوذ عن الرواية‮. ‬وعرضناه بحضور الدكتور جمال شقرة مدير مركز بحوث الشرق الأوسط‮. ‬والدكتور محمد سعيد القن الأستاذ بالجامعة‮. ‬وحدث تفاعل وأخذ وعطاء مع طلاب الدورة البالغ‮ ‬عددهم ‮٥٦  ‬طالباً‮. ‬لكن الحديث دار حول الرواية والفيلم والمقارنة بينهما‮. ‬ولم يتطرق للشأن العام‮.‬ثم كانت المحاضرة الثانية مساء يوم الإثنين ‮١٢  ‬فبراير‮. ‬المكان هو نفس المكان والطلاب هم نفس الطلاب‮. ‬لم ينقصوا ولم يزد عليهم أحد‮. ‬وموضوع المحاضرة يدور حول رواية نجيب محفوظ‮: ‬السمان والخريف‮. ‬لكني فوجئت بعد أن انتهينا من الكلام عن الرواية بأحد الطلاب يطلب مني المقارنة بين أحداث ثورة يوليو التي تعد حدثاً‮ ‬جوهرياً‮ ‬في الرواية وبين ما جري في التحرير يوم ‮٥٢ ‬يناير‮.‬لاحظت اختلاف الطلاب بعد يناير عنهم قبله‮. ‬والاختلاف نوعي وأساسي وجوهري‮. ‬في المرة الأولي كان الاهتمام مركزاً‮ ‬علي الامتحان والأسئلة التي يمكن أن ترد فيه والإجابات النموذجية عليه‮. ‬لكن في المرة الثانية أخذنا الكلام عن ثورة يوليو إلي ثورة يناير‮. ‬تصورت أن السؤال الأول قد يكون الأخير‮. ‬وكان عن المقارنة بين ما جري في ‮٢٥٩١ ‬وما حدث في ‮١١٠٢ ‬لكنه كان البداية التي جعلت السؤال يلد السؤال‮. ‬والتساؤل يقود إلي تساؤل آخر‮.‬لم يكتف الطلاب والطالبات بطرح الأسئلة‮. ‬لكنهم قدموا تصورات بالغة النضج لما بعد ثورة يناير‮. ‬أدركت منها أن شباب مصر تغيروا‮. ‬وأنهم قادوا أهل مصر جميعاً‮ ‬للتغيير‮. ‬وأن التغيير هذه المرة جوهري وعميق لم يتوقف عند القشور والأسطح الخارجية‮. ‬ولكنه وصل إلي أبعد مما كنا نتصور‮. ‬بعد انصرافي من المحاضرة وأنا ألمح الشبان والشابات يمشون علي أقدامهم بحثاً‮ ‬عن وسائل مواصلات تقلهم إلي بيوتهم القريبة والبعيدة سألت نفسي‮: ‬والآن ماذا نحن فاعلون بهذا المناخ الجديد فعلاً‮ ‬الذي أطل علي مصر بعد يناير؟لا تتصور للحظة أن التغيير جري لعدد من طلاب يحضرون دورة للتأهيل للحصول علي وظيفة ما‮. ‬حتي ولو كانت في السلك الدبلوماسي‮. ‬فحالة الاهتمام المصري بالشأن العام لدي أهل مصر ضخمة وغير مسبوقة‮. ‬قامت ثورة يوليو وأنا في الثامنة من عمري‮. ‬ولا أدعي متابعة الأمور بشكل جيد‮. ‬لكني تابعت العدوان الثلاثي والخامس من يونيو والسادس من أكتوبر وانتفاضة الخبز وثورة الأمن المركزي وزلزال ‮٢٩٩١ ‬وأشهد أن الاهتمام بالشأن العام والالتصاق به واعتباره شأنا خاصاً‮ ‬هذه المرة‮. ‬يختلف كل الاختلاف عن جميع المرات السابقة‮.‬شواهدي علي ذلك كثيرة‮. ‬الاهتمام إذن يخرج عن حدود النخبة والشباب إلي جماهير الشعب المصري كلهم‮. ‬وإن كنت مثلي تذهب إلي الأسواق الشعبية وتجلس علي المقاهي وتمشي كثيراً‮ ‬في شوارع المحروسة وتشتبك مع الناس العاديين في كلام يومي‮. ‬ترد علي أسئلتهم‮. ‬والأهم من ذلك أن تكون مسلحاً‮ ‬بالقدرة علي الإنصات للناس‮. ‬وتمنحهم الوقت المطلوب لكي يقولوا كل ما عندهم‮. ‬عند ذلك ستقول لنفسك فوراً‮: ‬كم تغيرتِ‮ ‬يا مصر؟من قبل كنا نقول إن المصري يفكر في طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه ومواصلاته منذ لحظة صحيانه إلي خلوده للنوم‮. ‬لكن ها هم أهل مصر يمسكون بمصير وطنهم ويهتمون به‮. ‬يصحون علي أخباره وينامون علي رؤاه ويحلمون بالليل بمستقبل أفضل لهذا البلد‮. ‬يتساءلون عن المجلس العسكري‮. ‬وماذا فعل اليوم؟ وما يمكن أن ينتظروه منه‮ ‬غداً؟ لم يعد المصري مربوطاً‮ ‬لمطالب حياته اليومية‮. ‬لكن الرهان علي مستقبل مصر كلها أصبح حديث كل يوم‮.‬السؤال هو‮: ‬كيف نمسك بهذه اللحظة ونركز عليها ونعتبرها وقتاً‮ ‬من أجل مصر؟ نصغي السمع لها ونقيم علاقة جديدة معها تخلو من سلبيات الماضي ولا تغرق في تفاصيل الحاضر وتكون لديها القدرة علي الحلم بالزمن الآتي‮. ‬باعتبار أن أحد أشكال الجحيم الذي أوصلنا إلي ما وصلنا إليه كان فقدان القدرة علي الحلم لدي الشعب المصري كله‮.‬لكل صورة جميلة ظلالها التي ربما كانت سلبية‮. ‬وما أقوله قد لا ينطبق علي كل المصريين‮. ‬لنفترض أن نصفهم يتابعون الشأن العام ويمسكون جمر الوطن بأيديهم‮. ‬لماذا لا نجعل هذا النصف نموذجاً‮ ‬يجتذب النصف الآخر له؟ كنا قد وصلنا إلي خواء الروح وفراغ‮ ‬النفس وجفاف بحر السياسة‮. ‬كنا نعوم في‮ "‬الأنامالية‮" ‬وكنا نتمرغ‮ ‬فوق عبارة أنا ومن بعدي الطوفان‮. ‬ها هي لحظة جديدة يصير الكل فيها في واحد‮. ‬فكيف نجعلها وقتاً‮ ‬ممتداً‮ ‬في عمر الوطن؟ وزمناً‮ ‬لا نهاية له في حياة هذا الجيل؟ إن لم نمسك بهذا الوقت الفاصل بين زمنين‮. ‬ربما نقضي ما تبقي من العمر في البكاء علي ما جري‮. ‬وحتي لا نصل إلي هذا أتمني أن يقول كل منا لنفسه وللآخرين من حوله‮: ‬نوبة صحيان يا أهل مصر‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل