المحتوى الرئيسى

> مدنية مدنية.. سلمية سلمية

02/23 00:43

الحديث عن الدولة المدنية في ربوع مصر اليوم، هو استجابة لمطالب الثوار الشباب الذين رفعوا شعارا عبقريا ملهما في ميدان التحرير، هو: "مدنية مدنية.. سلمية سلمية"، وهو شعار يطرح في العمق قضية العلاقة بين الدولة والدين، أو بين السياسة والدين، بعد أكثر من مائتي عام علي تأسيس محمد علي باشا للدولة المدنية الحديثة في مصر. في مقالي السابق والمعنون "الديمقراطية الليبرالية أساس الدولة المدنية"، أكدت علي أن هناك تناقض جوهريا وأساسيا بين الدولة المدنية والدولة الدينية، ولا يمكن بناء الدولة المدنية في ظل الدولة الدينية، لأن العقيدة، أية عقيدة كانت، لا تؤمن بحق جميع المواطنين علي قدم المساواة، طالما أن القانون الديني يميز بين العقائد. في حين أن الدولة المدنية تسمح لجميع المواطنين بممارسة عقائدهم بحرية ودون تمييز وبنفس الشروط، علي أساس حق الجميع في المواطنة بالتساوي. لقد استشعر الشباب بفطرتهم المتوهجة، وعلي العكس مما تروج له وسائل الإعلام والميديا، والشعارات المرفوعة من معظم القوي والأحزاب السياسية، أننا نعيش "حالة فريدة" وغير مسبوقة بين معظم النظم السياسية المعروفة في العالم، فالدولة المصرية لا هي دولة مدنية خالصة ولا هي دولة دينية كاملة. فقط هناك، استغلال للدين في العمل السياسي، من أجل الوصول إلي الحكم، أو استغلال النظام السياسي للدين لترسيخ السلطة حتي ولو كانت منفردة، تحقيقا لأهداف سياسية وحزبية لم يستطع تحقيقها بالوسائل المدنية. وفي كل الأحوال تنتعش المؤسسة الدينية (المسيحية والإسلامية) في مصر، حيث تلعب - وغالبا بالتنسيق مع النظام - أدواراً مركبة ومتعددة في الحياة العامة، وتتدخل بدرجات متفاوتة في العمل السياسي العام، وتدلي بدلوها، عبر الفتاوي والعظات العامة في أمور مدنية بحتة! فبعد قرنين كاملين من محاولة إنشاء الدولة المدنية الحديثة، ما زلنا حائرين في ماهية تلك الدولة وهل هي حقا مدنية، أم دينية؟ وحين يتوه الجميع في دوامة خلط المفاهيم يصبح المخرج الوحيد هو: "دولة مدنية ذات مرجعية دينية"، أو دولة دينية ذات غلاف مدني، وهو أهم وأخطر ما كشفت عنه ثورة 25 يناير 2011. في ندوة جمعتني ببعض الشباب المسيحي الذي شارك في المظاهرات، حكوا لي قصصا في المواطنة الحقيقية التي مارسوها بالفعل، وهي ملحمة رائعة يجب أن تسجل وتوثق وتحفظ للأجيال القادمة، خلاصتها : أن هؤلاء الشباب أكتشفوا أنفسهم في ثورة 25 يناير كغيرهم من المصريين، وأصبحوا لأول مرة أقل استعدادا لطاعة قيادتهم الدينية، وهو تحول جديد يشير إلي أنهم رفضوا بالإجماع كونهم (طائفة دينية) مسئول عنها سياسيا البابا، بل أعلن هؤلاء الشباب للعالم بخروجهم في المظاهرات واستشهاد بعضهم واختلاط دمائهم بدماء إخوانهم المسلمين، أنهم مواطنون مصريون وليسوا مجرد (رعايا) بمفهوم الدولة الدينية هذا من ناحية، من ناحية أخري وعلي مدي 20 يوما، لم يرفع الشباب المسلم أو المسيحي، شعارا دينيا واحدا في هذه الثورة الشعبية المصرية، وهو ما يكشف عن أن تسخين المناخ الطائفي قبل 25 يناير 2011، كان بفعل فاعل وبشكل مدروس وممنهج، وليس مصادفة أن أبشع فترات معاناة المصريين جميعا واهدار حقوقهم وامتهان كرامتهم هي في 12 سنة الأخيرة، تمت في عهد وزير الداخلية السابق حبيب العادلي الذي استمر في منصبه 14 عاما، وهي فترة سوداء سواء في الفتن الطائفية (من أحداث الكشح وحتي كنيسة القديسين) أو في سجل حقوق الإنسان بوجه عام، حيث حفلت بأسوأ جرائم التعذيب والقتل في أقسام الشرطة والسجون، وما تعذيب خالد سعيد حتي الموت الذي أشعل ثورة الشباب علي الفيس بوك، إلا نموذج لبشاعة هذا العهد الدموي. لقد كشف شعار: مدنية مدنية.. سلمية سلمية، أن اقامة الدولة المدنية الديمقراطية الدستورية وارساء مبدأ "المواطنة"، هو مطلب عام ليس لهؤلاء الشباب فقط وإنما أيضا لأغلب القوي الوطنية في المجتمع، وهو الكفيل وحده بإزالة المناخ الطائفي وعدم ظهور مروجي الفتن مرة أخري، ناهيك عن أنه يطمئن مخاوف الجميع من شبح الدولة الدينية أو الدولة العسكرية، وهو السبيل الي تحقيق الدولة المصرية العصرية حيث يستبدل اليوم مبدأ "الديمقراطية" بمبدأ "السيادة" الوطنية، في عصر العولمة وحقوق الإنسان والمواطنة العالمية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل