المحتوى الرئيسى

مِصْرُ التي.. في معديّة مهدي؟!!بقلم: محمد هجرس

02/22 20:26

مِصْرُ التي.. في معديّة مهدي؟!! بقلم: محمد هجرس** لم يكن محمد، ذلك الشاب الذي وُلد عقب تولي الرئيس السابق حسني مبارك السلطة بعامٍ واحد، في حاجة لأن يرمى شهادته الجامعية على الأرض، ويجلس في المحل البسيط الذي يملكه والده، لأنه لم يجد في العصر "المبارك" أي وظيفة! ولم يكن شقيقه هاني، بأحسن منه حالاً، حتى وهو الذي أقام دعوى قضائية ضد وزير الداخلية أو العدل ـ لا أذكر ـ وكسبها، ولكن، ضاعت الدعوى في الأدراج، مثلما ضاعت مصر كلها في جيب عدة نصابين، بعد أن أصبحت "عزبة.. مالهاش صاحب".. ليضطر الشاب المسكين للهجرة وترك البلد كلها بحثاً عن لقمة عيش شريفة في بلد عربي. .......... ......... تلك إذاً معديّة مهدي.. قريةٌ وادعةٌ في أقصى شمال الدلتا، عند التقاء النيل العظيم بالبحر الأبيض المتوسط في مفارقة عجيبة.. تجمع ما بين الماء العذب يساراً، والماء المالح يميناً، و{بينهما برزخٌ لا يبغيان} فيما كان قارب العم مختار يقطع شاطئي النهر، بساعدين نحيلين، بحثاً عن لقمة عيشٍ مبللة بالكثير من العرق الغزير.. ولا مانع من بضعة أسماك تضمن وجبة عشاء للأولاد الذين ينتظرون حتى الغروب، ما يجود به البحر، من رزق وبضعة قروش تعين على الحياة. النيل الذي كان ولا يزال مصدراً للحياة، يتزاوج مع البحر الأبيض، أصبح في السنوات الأخيرة من عهد مبارك، مقبرة كبيرة لشباب مصر الفارين منها، شبابٌ فضّل أن يكون طعاماً لأسماك القرش من أجل فرصة عمل، عوضاً علن أن يكون شحاذاً ومتسوّلاً وعاطلاً في بلد أصبح للأغنياء فقط، وللأغبياء من شلّة الأنس إياها، التي خربت البلد كلها. معديّة مهدي، التي تركتها أنا، ومعها البد كلها، لظروفٍ مشابهة، كانت بالنسبة لي مجرد محطة، أزورها وقت الأجازة القليلة، ما عادت نفس القرية، التي أتذكر فيها "مواويل متولي" زميل الدراسة الابتدائية، والذي كان عندما يعجز عن الإجابة على سؤال لأستاذنا الرائع محمد طه، فإنه يستعيض عنها بموال عن "شفيقة ومتولي" أو "حسن ونعيمة" بينما كان فتحي السبيحي، عندما يتوجه إليه الأستاذ بذات السؤال، يمسك بطنه، ويقلد الممثل جورج سيدهم، ويقول :دكتوووور.. الحقني ياخويا الحقني.. المغص جوّه في بطني" فيضج الفصل كله بالضحك! ....... ...... معدّية مهدي التي امتلأت بشيوخها الكبار، ورجالاتها البسطاء، كانت نموذجاً مصغراً لمصر الطيبة، قبل أن يغرقها فساد أحمد عز، وسلطوية صفوت الشريف، وغيرهما من بؤر الضلال التي اجتاحت مصر، وفرّغتها من أجمل ما فيها، كانت نظرة واحدة من العمدة محمود المعداوي ـ رحمه الله ـ كافية لأن تردع بحبٍّ وودّ، فيما كان الخفير ببندقيته الفارغة، علامة على وجود الأمن، ليس كما طبّقه وأراده سيء الذكر حبيب العادلي، فملأ الأرض جوراً وظلماً، وتُهماً وتسلّطاً، لكن كانت كلمة واحدة من رجل كبير، كافية لحل أي مشكلة. معدية مهدي، التي أرى فيها روح أبي، بابتسامته الهادئة، وصرامته أيضاً، حينما يحول ساحة منزلنا إلى باحة تجمع المارّة، ويشارك المحتاجين همومهم، ويحل مشاكلهم.. ولن أنسى أبداً ذلك الذي طرق الباب ليلاً، يريد أبي، وبعد قليل، ناداني، وهمس في أذني، أن أذهب لعم السيد خير الله ـ رحمه الله ـ وأحضر منه ثلاثة جنيهات، لأعلم بعدها أن الطارق كان يريد هذا المبلغ، ولأنه لا يملكه فقد أرسلني "يستلفها" ليعطيها للرجل، وعندما استغربت بطفولة، اكتفى بجملة بسيطة: بكرة يا بني لما تكبر تعرف قيمة دا. وعندما كبرت، عرفت، في أكثر من موقف.. كيف كان محقاً لأقصى درجة، مقارنة بمن يدعي الآن أنه "مزنوق" إذا طلبت منه مساعدة، أو يبادرك بالشكوى، إذا أحس أنك تريد منه شيئاً. لم يكن هناك فيسبوك، ولا إنترنت، بل كان الهاتف الوحيد، الموجود في دكانة أبي الصغيرة، كفيلة بلم الشمل، مع مكتب البريد الذي يمثل نافذة التواصل الوحيدة مع العالم الخارجي.. ومع ذلك، فإن ذاك الطفل الصغير الذي تفوّق، أتاح لأبيه أن يفخر به، ويشير إليه، خاصة بعدما التحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، فبات الصحفي الذي يمكن أن يحمل همومهم، حتى أول مقال كتب ونشر في صحيفة الجمهورية المصرية، حمل أول طلبٍ لهؤلاء الأهالي البسطاء، بأمل في رصف الطريق الترابي الذي يربطهم مع المركز الشهير، الذي كان يعتبر الوصل إليه سفراً طويلاً.. وبعدها بسنتين أو أقل، وعندما تمت سفلتة الطريق، لم يصدّق هذا الطالب نفسه وهو يرى الفلاحين البسطاء، وهم يخلعون نعالهم، عندما تبدأ أقدامهم في ملامسة الطريق المسفلت، وصارت نكتةً شهيرة. حتى زملاء الدراسة، الذين مثلوا يومها جيلاً ذهبياً، خرج بالعديد من المواهب من قمقم الحياة البسيطة، فصار منها الضابط، والطبيب، والمهندس، والصحفي، والفنان التشكيلي، والمحاسب، وغيرهم ممن امتلأت بهم الحياة، تفرقت بهم السبل، وحملوا همومهم الشخصية، دون أن ينسوا قريتهم. كانت الأرض السبخة، تمثل المتنفس الوحيد للعب الكرة، كانت "القبلية" وهذا اسمها، ساحة للترفيه، والخناق، حول هدف جاء من فاول، كان إدريس مهدي، حائط صدٍ كبير، أمّا شقيقه عزت، فمستودع موهبة كروية، بينما صديقي علي فتياني، يبصق على الأرض لأنه ضيّع هدفاً مع أنه منفرد بالمرمى، مع أنه لو كان المرمى خالياً لما أحرز الهدف، دسوقي زميلنا أيضاً كان لا يقتنع بأي فاول، فيما صوت سامي أبو هيكل يغلب على كل أرجاء الملعب.. غيرهم كثيرون، محمد عبد الله فتياني، وإبراهيم العواني، وقطب المعداوي ومحمد عبد الهادي المعداوي، ويحيى خير الله، وأخي عزمي بالطبع، كلّ له مذاقه وطريقته في الشجار.. وما أن يحل الظلام، يعود الجميع إلى بيوتهم، وكأن لا خناقة حدثت، وكأن لا اشتباك أو خصام في الملعب.. ليتكرر المشهد في اليوم التالي.. إذ الطيبةُ لا حدود لها،. وفي اللحظات القليلة، كان صوت د. محمود صوفان، بهدوئه، ونبرته الخافتة جداً كفيلة بإقناع أي متخاصمين بالتسامح. تفرقنا كجيلً قديم، وبقيت الذكرى.. في اللقاء العابر، تكون الضحكات والعناق، واجترار الماضي بكل همومه وتقلباته وذكرياته، دقائق أو ساعات، ثم يمضي كلّ إلى طريق. ...... ...... ولكن جاء 25 يناير 2011 ليمثل في حياة القرية الهادئة تحوّلا آخر.. بعدما تحول غالبية الشباب في السنوات الأخيرة، ليكونوا شيئاً ما، أو مهمومين ببلدهم، رغم أنهم تفرقوا ما بين الحزب الوثني المخلوع، وما بين التيارات السياسية المتعددة، من وفدٍ إلى إخوان مسلمين. عبر الفيسبوك، تعرّفت على شباب رائع، للأسف لم أعرفه جيداً بحكم الغربة اللعينة، وربما لو رأيتهم الآن ما عرفتهم، لم يأخذوا حقهم في بلدهم كثيراً، كنتيجة طبيعية لعهد مبارك، الذي ولدوا فيه، ورغم ذلك لم يعطهم شيئاً.. معظمهم ترك القرية وهجرها، إما بحثاًُ عن عقد عمل، أو فراراً وراء دولارٍ في الغردقة.. الصدفة قادتني إلى علي عبد السلام، ومحمد أحمد صوفان، ومحمد مهدي، مجموعة شبابٌ اجتمعوا فجأة على صفحة الفيسبوك، فأعادوني إلى دفء القرية الصغيرة، حدثوني عن المعلم أركان حرب فرّاج الطحاوي، الذي يتعامل مع قسوة الحياة بنكتة لاذعة، تنسيه مرارة الوحدة التي يعيشها بعدما تعلّم العيش بلا زوجة، حتى وهو يتقدم في السن، بنظارته السميكة التي تغطي عينيه، تذكرت حينما احتضنته في آخر زيارة لي، ففاجأني بالسؤال: مش عارفني؟ بالطبع أعرفه، حتى لو جهلتُ غالبية الجالسين على "قهوة المعلم مرعي" عند مدخل القرية بحكم عوامل الزمن، ضحك كثيراً وانبسط، عندما تأكد من أني لا أزال أحفظ تقاطيع وجهه، نفس التقاطيع التي كان يحمل بها صفيحته، في ليالي رمضان منادياً للسحور.. ومع مقولته الشهيرة :"اصحى يا نايم" كنا نصحو، لنأكل ما يعيننا على صيام اليوم التالي.. لم يتخل المعلم أركان حرب فرّاج عن إيقاظ الناس للسحور، وكان مجرد جلوسه في مكان ما وكأنه في عرض مسرحي كوميدي، للدرجة التي شكا لي فيها محمد صوفان ضاحكاً، من أنه عندما زاره للسلام عليه عقب عملية جراحية، لم يستطع السيطرة على نفسه من الضحك، فانفتق الجرح، وأعاد العملية الجراحية مرة أخرى. أقصى ما كنت أخشاه، تلك النبرة التي يعاتبني بها المعلم سعد عبد السلام، بحكم العيش والملح، معتبراً أنني لمجرد غيابي الطويل قد تكبرت عليهم.. غيره كثيرون.. وربما يكون مع هؤلاء الطيبين حق، هؤلاء الطيبين.. الذين مات منهم من مات، وبقي منهم من بقي، يذكرونني بمصر الطيبة.. عندما أتذكر العم "أنور صوفان" رحمه الله، أضحك كثيراً.. كيف كان عندما يكون "خرمان" تدخين، فإنه يلجأ لتريد أغنية أم كلثوم مع بعض التحريف، فيرتفع صوته "هل رأى الحب سيجارا".. وعندما أتذكر العم محمد أبو شاهين، مدّ الله في عمره لو كان حياً، ورحمه إن كان ميتاً، أرى الذكاء المتقد في ذاكرة فلاح لا يقرأ ولا يكتب، وأعترف له بأنه أول من علمني كيف أستفيد دمج الواقع المعاش بالسخرية المريرة والضاحكة في وقت واحد. عندما أتذكر معدية مهدي، فلا بدّ أن يقفز للصورة، محمود أبو شامة، ذلك الفلاح الطيب، ما أن سافر للعراق، حتى لا ينسى أبداً، ويحكي في كل مجلس كيف انضم لحزب البعث، وكيف حارب في الفاو، وكنا نتقبل حواديته عن زوجته العراقية، وصدام حسين، كما نضطر لأن نسمع حكايات أمنا الغولة سواء في مجلس الشعب، أو في الحزب الوطني، ومع كل كلمة من أبو شامة، كان يمين الطلاق جاهزاً كأنه مدفع رشاش. ..... ..... معدّية مهدي بعد 25 يناير، ليست هي تلك التي كانت قبلها.. فالشباب البسيط الذي ـ كما سمعت ـ خرج هو أيضاً ضد النظام، شأنه شأن كل قرية أو مدينة مصرية، لم يعد هو نفسه الذي كان أيامنا.. شباب الفيسبوك، والإنترنت، والوعي السياسي.. لم يعد ذلك الشباب "الصايع" الذي كما يتصوره البعض، مجرد أحجار تجلس على قهوة مرعي.. أو "شوية عيال" كما كان يطلق علينا ونحن في سنهم، لقد تغيرّوا، دوننا نحن، الذين شاخت أعمارنا قليلاً، وبات من الواجب عليهم، أن يعيشوا كما يريدون، دونما وصاية، بعيداً عن تعليمات "الحاج أحمد" الذي تساءلت مرة عمّن يكون، بعدما سمعت من يدّعي أنه التقى به.. وأنه التقى به في مقر الحزب الوثني إياه.. لم أعرف من هو الحاج أحمد، لأن البلد كلها حاج أحمد وفي الأخير يتضح إنه كان يقصد "أحمد عز" والمصيبة إنه كان "حاج" برضو! يا دي النيلة،. دلوقت عرفت بعد اللي حصل، ليه النظام سقط.. وليه عم الحاج دخل السجن.. والأهم من كل دا: ليه بيقولوا :"مكتوبالك يا حاج"! ــــــــــــــــ ** كاتب صحافي مصري mmhagrass@gmail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل