المحتوى الرئيسى

الخبير الدستوري المستشار شفيق أمام يكتب ل»الأخبار‮«: ‬المادة‮ ‬179‮ ‬من الدستور لا تلغوها بل اجعلوها حصناً‮ ‬حصيناً‮ ‬للحريات العامة‮ ‬

02/22 20:13

هذه التعديلات الدستورية عام‮ ‬2007‮ ‬التي كتبت بقلم مغموس بالبغي والطغيان والتجبر والتكبر،‮ ‬والاستهانة بحقوق الشعب وحرياته،‮ ‬وبمبدأ سيادة القانون،‮ ‬والشرعية الدستورية،‮ ‬وبالعدوان علي هذه الشرعية وعلي القيم الانسانية والاجتماعية والخلقية التي تقوم عليها الدساتير‮.‬هذه التعديلات الدستورية،‮ ‬لم يقف امام‮ ‬غلوها واسرافها وافتئاتها علي حقوق الشعب وحرياته،‮ ‬ما يردعها عما تريده من قهر له واذلاله،‮ ‬والافتئات علي كل امل للإنسان في عيش كريم،‮ ‬آمن علي نفسه وعلي اولاده،‮ ‬وعلي بيته وعلي حياته الخاصة،‮ ‬من اي عدوان عليها‮.‬فتفتق اذهان من اعدوا هذه التعديلات عن نص لا مثيل له في اي دستور،‮ ‬وفي أية‮  ‬دولة في العالم كله،‮ ‬نص يفرغ‮ ‬الدستور من مضمونه،‮ ‬ومن مبادئه والقيم الجوهرية الأساسية التي تقوم عليها كل الدساتير‮ ‬،‮ ‬بل يجرد الدستور من مكانته ومرتبته العليا بين كل القوانين،‮ ‬ويجرده من أبوته للقوانين جميعاً‮.‬سمو الدستورفلم يعد الدستور،‮ ‬بعد التعديلات التي أجريت عليه في عام‮ ‬2007‮ ‬يتميز علي‮ ‬غيره من القوانين بالسيادة والسمو،‮ ‬ولم يعد لقواعده ومبادئه الحق في أن تستوي علي القمة من البنيان القانوني للدولة،‮ ‬ولم يعد لها الحق في أن تتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي تلتزم الدولة الخضوع لها في تشريعها وقضائها وفي مجال مباشرتها لأعمالها التنفيذية،‮ ‬وأن يكون الدستور أباً‮ ‬لكل القوانين كما هو مقرر في كل النظم الدستورية والقانونية،‮ ‬بل أصبح قانون مكافحة الإرهاب يتميز علي الدستور بالسيادة والسمو،‮ ‬ويتبوأ مقام الصدارة علي قواعد الدستور ذاتها،‮ ‬بل علي أهم قواعده ومبادئه،‮ ‬وهي الحريات الشخصية والعامة التي يفترض أن يكفلها الدستور ويصونها،‮ ‬فجاء التعديل الدستوري في سنة‮ ‬2007‮ ‬ليبيح لقانون من قوانين الدولة أن يدوسها في طريقه،‮ ‬وليبيح للسلطة التنفيذية أن تنتهكها وقتما تشاء وحينما تشاء‮.‬تجريد الدستور من أهم مقوماتهذلك أن‮  ‬تميز الدستور عن‮ ‬غيره من قواعد قانونية في النظام القانوني لأي دولة،‮ ‬أنه كفيل الحريات وموئلها،‮ ‬بل إن هذه الحريات العامة التي يكفلها الدستور،‮ ‬لها قيمة دستورية تعلو الدستور ذاته،‮ ‬لأنها ليست من صنعه،‮ ‬أنها حقوق طبيعية للإنسان‮/ ‬تسبق وجود الدستور بل وجود الدولة ذاتها‮.. ‬إلا أن التعديل الدستوري عام‮ ‬2007‮ ‬قد جرد الدستور المصري من هذا الحق،‮ ‬ليهدرها بموافقة مسبقة من الدستور علي تفويض السلطة التشريعية،‮ ‬في إهدار الحريات العامة والشخصية التي ينص عليها الدستور من خلال ما تسنه من تشريعات لمكافحة الإرهاب،‮ ‬كما فوض أجهزة الدولة التنفيذية في إهدار هذه الحريات والحرمات لدي مكافحة الإرهاب‮.‬تعطيل الرقابة الدستورية علي القوانينولم يكتف النظام السابق،‮ ‬بما اقترفه من جرم في حق الرقابة القضائية علي دستورية القوانين،‮ ‬وفي عدوانه علي المحكمة الدستورية عام‮ ‬1998‮ ‬بالقرار الجمهوري بقانون رقم‮ ‬168‮ ‬لسنة‮ ‬1998‮ ‬الذي كان بمثابة رصاصة الرحمة التي أطلقت علي هذه المحكمة،‮ ‬بالحد من الأثر الرجعي لأحكامها،‮ ‬بالنسبة إلي بعض القوانين التي تقضي بعدم دستوريتها،‮ ‬فلا يفيد من الحكم عن الفترة السابقة علي صدوره إلا من قام برفع الدعوي،‮ ‬إذ يعتبر القانون بالنسبة له وحده‮ ‬غير دستوري،‮ ‬دون‮ ‬غيره من سائر المواطنين الذي أضيروا من هذا القانون‮.‬لم يكتف النظام السابق بهذا العدوان علي الرقابة القضائية علي دستورية القوانين،‮ ‬بل جاء عدوانه أشد فتكاً‮ ‬بهذه الرقابة،‮ ‬ليقتلعها من جذورها بالنسبة إلي بعض القوانين،‮ ‬فيعطل الرقابة عليها،‮ ‬لأنها تحمل اسماً‮ ‬أطلقته عليها السلطة التشريعية التي أقرتها وهو اسم قانون مكافحة الإرهاب‮.‬المادة‮ ‬179‮ ‬من الدستوركانت المادة‮ ‬179‮ ‬من الدستور،‮ ‬بالأحكام التي استحدثتها التعديلات الدستورية سنة‮ ‬2007‮ ‬هي المادة التي ارتكبت كل هذه الآثام،‮ ‬دون أن يعني ذلك أننا نبرئ التعديلات الأخري من الخطيئة التي وقعت فيها بدورها‮. ‬ذلك أن المادة‮ (‬179‮) ‬من الدستور تبيح لاجهزة الأمن سلطة القبض علي الأفراد وتفتيشهم وحبسهم وتقييد حرياتهم بجميع القيود،‮ ‬والحد من حريتهم في التنقل من اي مكان تحدده لهم هذه الاجهزة،‮ ‬وذلك كله دون حاجة الي استصدار اذن قضائي‮.‬كما تبيح هذه المادة لأجهزة الأمن دخول المساكن وتفتيشها دون اذن قضائي‮.‬وتبيح هذه المادة كذلك لأجهزة الامن،‮ ‬ولاي جهاز في الدولة،‮ ‬ودون اذن قضائي هتك اسرار الناس ومكونات حياتهم الخاصة،‮ ‬من خلال حقها في الاطلاع علي مراسلاتهم البريدية والبرقية والتصنت علي محادثاتهم التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال،‮ ‬وفرض جميع وسائل الرقابة عليها،‮ ‬بل ومصادرتها،‮ ‬دون تقييد اجهزة الامن واجهزة الرقابة بأي قيد من مدة أو سبب،‮ ‬سوي التذرع بمكافحة الإرهاب‮.‬كلمة أصابها الابتذالولعلي لم أجد كلمة أصابها الابتذال،‮ ‬كما أصاب كلمة الإرهاب،‮ ‬فباسم الإرهاب ومكافحة الإرهاب ارتكب بوش كل جرائمه البشعة في حق الشعوب المغلوبة علي أمرها،‮ ‬وباسم مكافحة الإرهاب،‮ ‬أذل هذا النظام الشعب المصري وقهره في ظل قانون الطوارئ‮.‬فالمادة‮ (‬179‮) ‬من الدستور،‮ ‬تخول قانون مكافحة الإرهاب،‮ ‬أن يبيح لأجهزة الأمن ارتكاب هذه الفظائع والجرائم،‮ ‬دون اعتداد بالقيم الجوهرية التي يقوم عليها اي دستور،‮ ‬أو الاعتداد بالبناء الأساسي الذي تقوم عليه الدساتير،‮ ‬وبالحقوق الطبيعية للإنسان،‮ ‬التي تقننها الدساتير ولا تنشئها،‮ ‬فلا يجوز الإخلال بجوهرها‮.‬إهدار الحرية الشخصيةفالحرية الشخصية التي هي حق‮ ‬طبيعي،‮ ‬والتي كفلتها المادة‮ ‬41‮ ‬من الدستور وجعلتها مصونة لا تمس،‮ ‬لم تعد حقاً‮ ‬طبيعياً‮ ‬مصونا في ظل المادة‮ ‬179‮ ‬التي فوضت مجلس الشعب في إصدار قانون مكافحة الإرهاب،‮ ‬لا يعبأ بهذه الحرية أو بمتطلباتها‮.‬ولأجهزة الأمن في ظل هذا القانون،‮ ‬انتهاك الحرية الشخصية للأفراد‮/ ‬معتصمين بالقانون الذي يحميهم‮ .‬إهدار حرمة المساكنوحرمة المساكن التي صانتها المادة‮ (‬44‮) ‬لم تعد مصونة في ظل المادة‮ ‬179‮ ‬التي فوضت مجلس الشعب في إقراره لقانون مكافحة الإرهاب أن يدوس هذه الحرمة بنصوصه،‮ ‬وأن يخول زبانية النظام اقتحام البيوت علي أصحابها آناء الليل وأطراف النهار وتفتيشها وتدنيسها دون أي رادع من قانون،‮ ‬ودون الحصول علي إذن قضائي‮.‬وحرمة الحياة الخاصة للمواطنين،‮ ‬التي كفل الدستور حماية أسرارها في المادة‮ (‬45‮) ‬وألزم المشرع بحمايتها،‮ ‬لم تعد كذلك في ظل المادة‮ (‬179‮) ‬التي تبيح كشف سريتها لكل من مجلس الشعب بالتشريع الذي تسنه،‮ ‬وأجهزة الأمن بالإجراءات التي تتخذها جورا وقهرا وعدوانا في حق المواطنين‮.‬لذلك فإني أناشد المستشار الفاضل طارق البشري،‮ ‬الذي كان اختياره لرئاسة لجنة تعديل الدستور،‮ ‬اختياراً‮ ‬صادفه التوفيق،‮ ‬لما عرف عنه من إيمان صادق وعميق بالحريات،‮ ‬وبفهم عميق لكل النصوص الدستورية التي تحكمها،‮ ‬أناشده وأناشد اللجنة التي شكلها،‮ ‬ألا تلغي هذه المادة،‮ ‬بل يستبدل بنصها نص جديد،‮ ‬يكون حصناً‮ ‬للحقوق والحريات العامة،‮ ‬وملاذا أميناً‮ ‬لمكتسبات هذه الثورة الشعبية،‮ ‬بعد أن كانت قبراً‮ ‬لهذه الحقوق والحريات،‮ ‬بل وهدماً‮ ‬للركن الركين في بنيان الدستور وأساسه الذي يقوم عليه،‮ ‬ولتكون كذلك شاهداً‮ ‬في التاريخ علي أكبر خطيئة لا يمكن ان يقع فيها اي دستور،‮ ‬وعلي اكبر إنجاز لهذه الثورة الشعبية وهو الانتصار للحريات العامة والانتصاف لمبادئ الدستور،‮ ‬علي انقاض النص الاصلي الذي كان قبرا لهما بحيث يكون نص المادة‮ (‬179‮) ‬علي النحو التالي‮:‬‮"‬الأحكام الخاصة بمبادئ الحرية والمساواة لا يجوز اقتراح تعديلها إلا لمزيد من ضمانات الحرية والمساواة‮".‬درءا لاقتحام تخوم هذه المبادئ في أي تعديل دستوري مستقبلا‮ ‬،‮ ‬يهدر هذه الأحكام او ينتقص منها‮.‬المستشار شفيق امام واحد من أهم الخبراء الدستوريين المصريين علي الاطلاق يعمل في الكويت منذ نحو‮ ‬40‮ ‬عاما خبيرا دستوريا سابقا لمجلس الأمة ثم خبيرا دستوريا للحكومة الكويتية وقد كتب هذه الدراسة المختصرة المهمة جدا خصيصا للأخبار‮.‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل