المحتوى الرئيسى

نظرة إلي المستقبلقـــراءة أولي في وقـــائع ثــــورة الغضـــب‮ (‬3‮)‬

02/22 20:13

تبدو الكتابة عن ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير وهي لا تزال ساخنة كالمشي علي الأمواج‮ . ‬لا يعرف الكاتب ماذا سيجد عندما‮ ‬ينتهي من كتابة مقالته،‮ ‬ولا يعرف ماذا سيحدث عندما تنشر‮ . ‬أكتب مقالتي هذه بعد احتفال ملايين المصريين يوم الجمعة الماضي بانتصار ثورتهم‮. ‬وقد عظموا من العلامة التاريخية التي صنعوها للعالم كله‮. ‬وهو القدرة علي احتشاد ملايين البشر في مكان واحد من أجل تغيير الواقع،‮ ‬يرددون هتافات واحدة ويعلنون مطالب مشتركة‮. ‬علي حد علمي لم ير العالم هذه الظاهرة‮ / ‬العلامة التاريخية من قبل،‮ ‬ولا في أية ثورة سابقة من الثورات‮. ‬حاولت مراجعة علامات الثورات الكبري التي قامت في العالم من قبل‮. ‬أرجو أن يصحح لي أحد من القراء الأعزاء هذه المعلومة إن جانبها الصواب‮. ‬هي ظاهرة لا تتعلق بالشكل وحده أو بعدد المشاركين في حشود ميدان التحرير‮ ‬،‮ ‬ولكنها لابد أن تكون وثيقة الصلة بعوامل مصرية صميمة منها مثلا عدد السكان الكبير نسبيا‮ ‬،‮ ‬وما حدث لهم خلال الثلاثين عاما الأخيرة،‮ ‬وعلاقتهم بوسائل الاتصال والمعلومات التكنولوجية الحديثة،‮ ‬وعلاقتهم بالأحداث الخارجية المحيطة بهم‮ . ‬من علامات يوم الجمعة التحريري‮ ‬،‮ ‬نسبة إلي ميدان التحرير الماضي،‮ ‬إقامة صلاة الظهر والعصر وصلاة الغائب فيه‮. ‬قدر عدد المشاركين بالملايين‮ . ‬علما بأنه من الصعب معرفة العدد الحقيقي والذي لا يمكن عده بدقة‮ . ‬هذه المرة الأولي التي يتجمع فيها مثل هذا العدد للصلاة في مكان واحد في العالم بعد صلوات الحج في مكة‮. ‬لابد أن من بين هذا العدد الضخم عددا يصعب تقديره أيضا من المصريين المسيحيين الذين شاركوا المصريين المسلمين في الاحتفال بانتصار الثورة‮. ‬لذلك قدرت استهلال الشيخ يوسف القرضاوي لخطبة الصلاة في الميدان بندائه علي المصريين جميعا‮ ‬،‮ ‬مسلمين ومسيحيين‮ . ‬فانصهار المصريين بجميع أديانهم ومعتقداتهم من أهم سمات ثورة يناير‮ . ‬واقع الحال أن الأمر كان كذلك في كل ثورات المصريين عبر التاريخ‮ . ‬وكانت هذه السمة من أهم سمات ثورة‮ ‬1919‮ ‬كذلك،‮ ‬مثلما كان هناك ضابط مسيحي بين ثوار يوليو‮ ‬1952‮  ‬هو الملازم أول واصف لطفي حنين الذي شارك مع فصيلته في الكتيبة‮ ‬13‮ ‬في السيطرة علي معسكر الجيش في العباسية‮. ‬من علامات يوم الجمعة الماضي أيضا عودة الشيخ يوسف القرضاوي المصري المقيم في قطر إلي قمة المشاركة في الحياة السياسية العامة في مصر بعد‮ ‬غياب سنوات طويلة عنها،‮ ‬وذلك بأن أم هذه الجماهير الحاشدة في صلاة الجمعة‮. ‬وبالتالي فهو سجل في حياته أنه أول إمام يؤم ملايين البشر خارج مكة‮. ‬وقد قدرت له أيضا دعاءه أن يمن الله عليه بالصلاة في المسجد الأقصي بالقدس،‮ ‬فلقد شعرت أنه يدعو للمسلمين جميعا بالدعاء ذاته‮. ‬أذكر له هذا ولا أخفي اندهاشي من قفزه من الدوحة مباشرة ليعتلي ميدان التحرير،‮ ‬بينما كان الأولي أن يؤم شيخ الأزهر هذه الصلاة‮. ‬فمن يحرك الأحداث بالتحرير؟ من يسمح ومن يمنع؟ انتبهوا‮..  ‬أما عن الشعارات التي ترددت عالية في الميدان فأود أن أعلق علي شعارين منها وهما‮: ‬تغيير الحكومة‮ ‬،‮ ‬والتطهير‮ . ‬‮- ‬فيما يتعلق بتغيير الحكومة فهذا أمر منطقي لأنه لا يمكن أن تغير نظاما دون أن تغير حكومته‮. ‬وافق المجلس الأعلي للقوات المسلحة علي هذا المطلب من قبل عندما أعلن أنه سيشكل حكومة انتقالية تقوم بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة‮. ‬والتي سوف تتغير بعدها الحكومة مرة أخري بعد انتخاب رئيس جديد للبلاد‮. ‬وسمي المجلس العسكري الحكومة الحالية حكومة‮ "‬تسيير أعمال‮"‬،‮ ‬وهي‮ ‬غير‮ "‬الحكومة الانتقالية‮" ‬التي يجب تشكيلها لإجراء الانتخابات‮. ‬وهذا مبرر عدم تعيين وزراء في الوزارات الشاغرة كل هذا الوقت‮. ‬ومن المنطقي أيضا أن يكون التغيير الوزاري الجديد تغييرا شاملا وجذريا بما يعبر عن بداية عصر جديد في مصر‮ ‬،‮ ‬وليس مجرد عهد جديد‮. ‬‮-  ‬أما عن شعار‮ " ‬التطهير‮ " ‬الذي تردد في الميدان فلا أخفي أن أمامه محاذير عديدة‮. ‬سبق أن تردد هذا الشعار عقب ثورة يوليو‮ ‬1952‮ ‬وأدي إلي تجاوزات إنسانية وخروقات قانونية كثيرة جدا‮ ‬،‮ ‬وكان من أهم أسباب فشل ثورة يوليو في أحد مبادئها المهمة وهو إقامة حياة ديموقراطية سليمة‮ . ‬فيما تبدو ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير نموذجا علي ما يمكن تسميته ب‮ " ‬الثورة الديموقراطية‮ "‬،‮ ‬أي الثورة التي قامت بها كل طبقات وفئات الشعب‮. ‬أي أنها تعبير أقصي وأسمي عن مطالب ورغبات شعبية تماما‮. ‬هذا هو جوهر مصطلح الديموقراطية‮. ‬واذكر أيضا أن الرئيس أنور السادات قام بعملية تطهير بعد توليه الحكم بانقلابه الذي أطلق عليه‮ " ‬ثورة التصحيح‮ " ‬أو‮" ‬ثورة‮ ‬15‮ ‬مايو‮ " ‬عام‮ ‬1971‮ . ‬وخلد‮ " ‬ثورته‮" ‬بإطلاق اسمها علي الكوبري الشهير بين القاهرة والجيزة‮ . ‬وبهذه المناسبة أرجو أن تغير الحكومة الجديدة اسم هذا الكوبري الذي يشير بوضوح إلي عملية‮ " ‬تطهير‮ " ‬قام بها الرئيس الأسبق أنور السادات في صراع داخلي علي السلطة‮ . ‬إن عظمة الثورة هي في تحقيق العدالة وليس في تحقيق إقصاء لأي طرف من أطراف المجتمع‮ . ‬فمصر المستقبل تحتاج إلي كل خبرة يمكن أن تفيد الوطن‮ . ‬ولا يجب أن نعود إلي ما عرفته مصر أيضا بعد ثورة يوليو من إقامة ما سمي ب‮ " ‬محكمة الثورة‮ "‬،‮ ‬والزج بالناس في السجون بتهم منها‮ "‬العداء للثورة‮" ‬و‮ "‬إفساد الحياة السياسية‮ " ‬وغير ذلك‮ . ‬لا يجب أن تعود مصر إلي الوراء أبدا‮ . ‬ولم تقم ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير من أجل هذه العودة‮ . ‬لأنها ثورة‮ ‬،‮ ‬كما كتبت من قبل‮ ‬،‮ ‬من أجل المستقبل‮ . ‬علينا التركيز في بناء نظام ديموقراطي سليم يعمل من أجل التقدم‮ . ‬وعلينا بناء حياة سياسية سليمة خالية من التطهير والإقصاء‮ . ‬فالإقصاء ضد مبدأ الديموقراطية تماما‮. ‬لذلك هناك خطوة واجبة تحقق ما يطالب به شباب الثورة وما نطالب به أيضا‮ . ‬وهي ضرورة حل جميع الأحزاب السياسية القائمة‮ . ‬ووضع أسس علمية وديموقراطية سليمة لإقامة الأحزاب‮ . ‬ومن ثم يجب تغيير الدستور والقوانين المتعلقة بتكوين وعمل الأحزاب السياسية في مصر‮. ‬أطالب بتغيير الدستور وليس تعديله كما هو الحاصل الآن‮ . ‬وسوف تستفيد الأحزاب الجديدة بالتأكيد من هذا الزخم الشبابي الذي قاد ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮. ‬وسوف تستفيد بالطبع من هذه الظاهرة التي كنا نجهلها والاكتشاف الجميل الذي طلع علينا وهو ثقافة شباب الثورة السياسية‮ . ‬ومن أهم نتائج هذه الثورة أنها‮ " ‬سيست‮ " ‬المجتمع‮ . ‬أصبحت أغلبية المجتمع علي وعي سياسي كان مفقودا،‮ ‬أصبحت هذه الأغلبية تتحدث في السياسة بل وتنخرط في ممارستها‮. ‬لذا اتوقع أن تكون الأحزاب الجديدة جديدة بالفعل لأنها ستخرج من الشعب وتعبر عن اتجاهاته السياسية وترتبط بقاعدة شعبية حقيقية وليست مصنعة أو مزيفة كما شهدنا مع الأحزاب الحالية‮. ‬أثبتت ثورة يناير الشعبية فشل‮ ‬،‮ ‬ليس فقط الأحزاب الرسمية القائمة،‮ ‬ولكن فشل العملية السياسية الصورية التي كانت سائدة‮. ‬ويجب أن يكفل الدستور والقوانين الجديدة حق كل مواطن مصري بالغ‮ ‬في ممارسة العمل السياسي بحرية‮ . ‬ومن بين المواطنين بالطبع هؤلاء الذين كانوا أعضاء في الحزب الوطني الذي يجب أن يتم حله مع حل باقي الأحزاب‮ . ‬لا إقصاء لأحد‮.. ‬أكتب هذا وأنا لست عضوا في الحزب الوطني ولم انضم إليه ولا إلي أي حزب آخر‮. ‬لكنني أؤمن بالتعبير الشهير الذي أطلقه فيلسوف التنوير الفرنسي‮ "‬فولتير‮" : ‬قد اختلف معك في الرأي و لكني مستعد أن أموت دفاعاً‮ ‬عن حقك في إبداء رأيك‮ .  ‬لذا فالأهم هو تطهير الوطن من كل جرائم ومظاهر الفساد الذي انتشر كالسرطان في جسده‮. ‬من أهم ما تنجزه ثورة يناير أن نبني وطنا نظيفا ماديا ومعنويا يشعر كل مواطن فيه بعمق الانتماء إليه‮ . ‬مصر الأم تعاقب المخطئ ولا تأكل أحدا من‮ ‬أبنائها‮ . ‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل