المحتوى الرئيسى

العدل أساس الحياة وطريق النمو والاستقرار بقلم:الشيخ أدهم الخطيب

02/22 18:14

العدل أساس الحياة وطريق النمو والاستقرار الشيخ أدهم الخطيب العدل هو الشيئ الذي تنبض بحبه قلوب المستضعفين ، وترنوا إليه أبصار المصلحين ، وتصدح به أصوات الثائرين, فالعدل هو القيمة الإنسانية العليا التي يمكن أن نقيس بها أي علاقة بين طرفين,وهو الشعار والهدف الذي يرفعه كل مصلح وثائر في هذه الحياة,بل هو الشعار الذي يرفعه الظالمون لحركتهم وسلوكهم ليُخفوا خلفه أهدافهم الحقيقة وأنانياتهم الضيقة,فالعدل هو الشيئ الذي لا يمكن لأحد أن يدًّعي بأنه يرفضه ولايرتضيه ,فهو الأمر الذي يجمع الناس كلُّ الناس على حُسنه وسموه تحكم بذلك عقولهم بشكل فطري عليها دونما حاجة لأي تفكير أوتردد ، فالحكم بحسن العدل وقبح الظلم من الأمور التي فطر الله الناس عليها . ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ))[1] ومعنى العدل هوإعطاء كل ذي حق حقه,فلأنفسنا علينا حقاً نظلمها إن لم نعطها إياه,وللآخرين علينا حقوقاً نظلمهم إذا لم نؤذها إليهم,ولله تعالى علينا حقٌ لا حدود له نكون من الظالمين إن لم نؤده,وعندما يبتعد الإنسان عن خط العدل في سلوكه فإنَّ حياته تختل وتضطرب,فيشمل الاضطراب كل نواحي الحياة وأبعادها المادية والمعنوية,الفردية والاجتماعية,الاقتصادية والسياسية، الفكرية والقيمية ، فيتحول مجتمع الظلم إلى حالة من حالات الموت المعنوي الناتج عن الظلم والطغيان ،فالعدل نور وحياة والظلم ظلامٌ وموت وفناء . لذا كان طالب العدل دائماً طالباً للحياة بكل ما لكلمة الحياة من معاني وتجليات ,والسائر في خط العدل سائر في خط الحياة حتى وإن مات جسده وهو يسعى في هذا الطريق, والسائر في خط الظلم والداعم له هو عدو للحياة بكل معانيها وتجلياتها، وهو حليف للموت بكل معانيه وتجلياته ,بل هو ميتُ العقل والقلب والوجدان . فلا استقرار ولا بقاء ، ولا نمو ولا كمال لهذا الإنسان ، إلا بإقامة حياته على أساس العدل,ولذا وجدنا أن الله تعالى ـ وهو أحكم حاكمين وأعدل العادلين ـ قد جعل إقامة العدل في الحياة هدفاً لبعثة أنبيائه وإرسال رسالاته، حيث حدثنا عن هدف بعثة الأنبياء وإرسال الرسالات فقال: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ))[2] ما أروعه من تعبير,وما أدقه من وصف للنتائج التي يعطيها العدل للحياة,(( ليقوم الناس بالقسط)),فبالعدل تُقام الحياة,وبالعدل تبنى المجتمعات,وبالعدل تعمر القلوب بالحب والأخوة,وبالعدل تسكن النفوس وتطمئن القلوب ، حيث تجد على شاطئ العدل الأمن والأمان والاطمئنان,وبالظلم تذوي الحياة عن الفرد والمجتمع ليصل إلى حدِّ الموت ، فبالظلم تمتلئ القلوب بالحقد على ظالميها,وتضطرب النفوس في مسالكها ومواقفها,ومع العداوة والتنافر والاضطراب الوجداني يصبح المجتمع على شفير هاوية التفجر والضياع,فهو كالبركان الذي يغلي من الداخل , وإن كان ظاهره ساكناً لا يتحرك ،ولا يعلم أحد إلا الله متى ينفجر فتقضي حممه على كل ما تصادفه أوتصيبه، وهكذا ثورة غضب المظلوم على الظالم عندما لا يبقى في قلبه متسعاً لمزيد من الصبر أو الخوف على ظلم ظالميه وطغيانهم. وقد كان المجتمع العربي قبل الإسلام على شفير تلك الهاوية التي أوصلته إليها مسيرة الظلم والجهل الذي لا يحترم في الإنسان إنسانيته,ولا ينصف فيه الناس أنفسهم ولا الآخرين,بل كانوا لا ينصفون خالقهم ورازقهم فيتوجهون بالعبادة والشكر لغيره, فكانوا الأموات معنوياً وإن كانوا الأحياء جسدياً,وكانت مجتمعاتهم غارقة في ليل الظلم والطغيان فأرسل الله تعالى نبيه الكريم (ص) بهذا الدين فأحيى به العقول والقلوب والنفوس، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ))[3] فقد دعا الإسلام لأن يكون العدل هو الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه كل علاقات الإنسان وسلوكياته في الحياة. علاقته بنفسه فلا يظلمها بأن يعرضها للأذى الدنيوي أو الأخروي,المادي منه أوالمعنوي,(( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ))[4]، فحرَّم الإسلام على الإنسان إيذاء نفسه مادياً أو معنوياً . وعلاقته بالآخرين أفراداً وجماعات بأن يعدل مع غيره ولا يعتدي عليه حتى ولو كان ذلك الغير عدوه ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوأَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ))[5]. وعلاقته بالكون الذي يحيط به فلا يعتدي على نعم الله التي تحيط به من كل جانب فيؤدي حقها باستعمالها فيما ينفع ولا يضرُّ بتوازنٍ وتعقُّل ((وَهُوالَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ))[6]. وعلاقته بالله فيؤدي حقه بالعبادة له دون سواه,والسير في طريق طاعته الذي يقربه إلى الله ويُنيله رضاه ، فإقامة العدل من أهم مصاديق طاعة الله تعالى ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ))[7]. وبدين الله وعدل شريعته استطاع نبينا الأكرم (ص) أن يبني من ذلك المجتمع المتمزق المتناحر المتهالك,الغارق في ظلمه وظلام جاهليته,الذي يعيش الذل والهوان والتبعية للفرس والروم,استطاع أن يبني منه أمةً حملت راية العلم والعدل والحرية والعزة لكل المجتمعات التي دخلها الإسلام,وبمقدار ما تفاعلت تلك المجتمعات مع هدي الإسلام وتعاليمه وأخلاقه بمقدار ماحصَّلت من خير ورفعة وعزةٍ وكمال . وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى :(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ))[8]. فهل نعود إلى خط العدل لنجعله الأساس الذي نقيم على أساسه كل علاقانتا في الحياة,أفراداً وجماعات,حكاماً ومحكومين,فنحيي به الإنسان والأوطان ؟ أم نبقى نتخبط تائهين ، ونسعى لاهثين خلف سرابٍ خادعٍ للأمن والأمان,والتقدم الاستقرار,والعزة والحرية، بعيداً عن مركب العدل الذي لا تبنى المجتمعات ولا تنمو ولا تزدهر إلا بركوبه والإبحار فيه. السؤال مازال مطروحاً أمامنا جميعاً,تردده على الدوام آيات القرآن الكريم وهي تدعونا إلى نور العدل وحقيقة الحياة حيث تقول : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ))[9]. والجواب هوما نكتبه بأفعالنا لا بأقوالنا ، فهل نكون من دعاة الحياة وصُنَّعها ،؟ أم نكون من أعداء الحياة وهادميها. نرجو الله أن نكون من الذين يعيشون العدل في كل معانيه وتجلياته و مجالاته, لنحيا به وتحيى به أمتنا ومجتمعاتنا ، قبل أن يغرقنا الله بطوفان الظلم الذي لا يصيب الظالمين لوحدهم ، ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))[10]. الشيخ أدهم الخطيب دمشق سورية 20/2/2011 م [1] الروم 30 [2] الحديد 25 [3] الأنفال 24 [4] يونس 44 [5] المائدة 8 [6] الأنعام 141 [7] البقرة 21 [8] آل عمران 103 [9] الأنفال 24 [10] الأنفال 25

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل