المحتوى الرئيسى

د. خالد فهمي يكتب عن: مصادر القوة الكامنة لثورة مصر

02/21 14:12

ربما يكون صحيحًا إلى أبعد حدٍّ أن الثورة المصرية التي فجَّرها شعب مصر بكامل طوائفه وطبقاته ستظل معينًا فياضًا يُلهم الدارسين والمحللين والمتابعين والمفكرين والعلماء والفلاسفة في المجالات المختلفة. وربما يكون صحيحًا إلى أبعد حدٍّ كذلك أن ثورة هذا الشعب النبيل ستعيد النظر في عددٍ كبيرٍ من الأفكار والمسائل والقضايا؛ التي طالما انتشرت واستعملت في تفسير ما كان عليه ظاهر الشعب المصري من ركود ظاهر خادع، واتهام مفرط للشخصية المصرية، واستدعاء لمجموعةٍ من المقولات التاريخية والاجتماعية من مراحل قديمة من دون الالتفات إلى سياقها الذي أخرجها، وليس من شكٍ في أن أحداث هذه الثورة ستسقط عددًا من النظريات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي طالما تعاطت مع التكوين العقلي والوجداني للمصريين من ظاهرٍ شكلي وسطحي غير مدعوم بالتنبه لفعل النفوس، وما ترسب فيها على امتداد التاريخ. وربما سقطت إلى الأبد كل الشواهد التي كانت تُستدعى استدعاءً؛ للنيل والخطأ من طبيعة المصريين، واتهامهم والسخرية من ملامحها؛ لأن كل هذه الشواهد استدعيت من غير تنبه لسياق إنشائها ولطبيعة التجارب التي أنتجتها وأخرجتها، لقد سقطت إلى الأبد ما حاول كثير من القراء الساذجين والمحللين العاجزين عن التفطن لحقيقة هذه النفس المصرية العزيزة النبيلة، كل الأمثال والأشعار التي طالما استُعيرت للسخرية من هذه النفس المصرية الكريمة الأبية الذكية. إن ما كان يستدعى من شعر المتنبي وغيره في سياق هجاء كافور الإخشيدي وتعميمه على أنه سمت عام يصبغ النفس المصرية، ينبغي أن يسقط الآن على نتائج هذا الواقع الذي أنتجته الثورة العظيمة أو على أقل تقدير ستقرأ أمثال هذه النصوص في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي الذي أنتجها دون التورط في خطيئة تعميمها وسحبها على خصائص الشخصية المصرية العملاقة. ولا يصح أن يقال بعد اليوم حتى ولو كان القائل أبو الطيب المتنبي: نامت نواطير مصر عن ثعالبها           فقد بشمن وما تفنى العناقيد  ذلك أن الثورة أكدت أن شعب مصر لم ينم، وإنما هبَّ دفاعًا عنها وصيانتها من ارتقاء العبيد أو الثعالب الموصوفين بالوضاعة من التغلب عليها وحماية خيراتها. ومن واجبات المرحلة وضرورات الوقت فحص مصادر القوة التي كانت كامنة، وكانت تعمل عملها في النفس المصرية، وكانت بمثابة الإرهاصات التي تجمَّعت لتجتاح النظام البائد وتسقطه. وليس من شكٍّ في أن فحص مصادر هذه القوة التي كانت كامنةً كثيرة ومتشعبة، وتحتاج إلى شيء كبير من تضافر الجهود البحثية لالتقاطها وتحليلها وتقييمها وتثمين سهمة كل مصدر منها على حدة حينًا، وفي إطار حزمة المصادر مجتمعة حينًا آخر. (1)الأصول الحضارية المتجذرة على قمة قائمة مصادر القوة الكامنةكان الكثيرون من علماء الاجتماع ذوي الاتجاهات الإسلامية يرون في تراكم الخبرة الإسلامية وتجذُّرها في النفس المصرية على امتداد التاريخ منذ الفتح الإسلامي المبكر لمصر عاملاً مؤثرًا ومصدرًا كامنًا من المصادر المهيئة لفعل الثورة، ولا سيما إذا قُرئت الثورة المصرية اليوم في إطار أخواتها من الثورات المصرية على امتداد التاريخ المصري ولا سيما المدعومة بصوت الفكرة الإسلامية، وهو الملمح الذي لم يغب عن ثورتي القاهرة الأولى والثانية في مواجهة الغزوة الفرنسية، وفي ثورة العلماء والأشراف في عام 1805م بقيادة عمر النقيب المعروف بعمر مكرم، وثورة 1919م وثورة يوليو في ابتدائها. ولم يكن الفعل الثوري المتميز على أرض الواقع هو الملمح الوحيد الذي تعده مصدرًا كامنًا أسهم في تغذية الثورة المعاصرة، ولكن ثمة علامات أخرى منضوية تحت هذا المصدر بما هو عامل حاسم في تغذية العقل الثوري الذي نعيش أجواءه، وفيما يلي محاولة لرصد رءوس العلامات المشكلة لهذا العامل. أ- الرصيد النصوصي الرائع الداعم لفعل الثورة، ومقاومة الطغيان على مستوى الذكر الحكيم والسنة المشرفة معًا، وهي مدونة نصوصية بالغة الوضوح والقوة، لم تغب عن المشهد في مرحلة الإرهاص التي سبقت الثورة وامتدَّت فترةً زمنيةً طويلةً قبلها. وقد مثلت قصص مواجهة الطغيان وانتصار أهل الحق في القرآن الكريم عاملاً مؤثرًا في تنمية القوة الكامنة في خلفية هذه الثورة، وهو ما يقرره علماء النظرية السياسية الإسلامية في تحليلهم لنصوص مواجهة الطغيان والجهاد في مواجهة الاستبداد ونصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ب- تنامي الوعي برموز مقاومة الطغيان ومواجهة الاستبداد في الوعي الشعبي الجمعي من منافذ مختلفة. وقد توزَّعت هذه الرموز لتدور حول الرموز الإنسانية والمكانية والتاريخية، بمعنى أن حضارة الوعي الشعبي الجمعي بأمثال أسماء من مثل: عمر مكرم، ومصطفى كامل، وسعد زغلول في العصر الحديث، ومئات غيرهم على امتداد التاريخ المصري كان له فعلٌ ساحرٌ خفي في تغذية روح الثورة التي انطلقت. أضف إلى ذلك أن الحضارة على مستوى الوعي القومي بأحداث مثل: ذكرى غزوة بدر، وذكرى عاشوراء ونجاة موسى ومن معه من بطش فرعون وملأه، وذكرى حرب العاشر من رمضان وغيرها كان له فعله في النفس المصرية التي فجَّرت الثورة. جـ- الإلحاح على أفكار انتصار الحق، ودحر الباطل والاستبداد في كتابات عددٍ من رموز الفكرة الإسلامية والوطنية في الثقافة المصرية المعاصرة وتنامي هذه الكتابات مع تقدُّم الوقت قريبًا من أيام انطلاق الثورة، وفي هذا السياق تبرز كتابات سيد قطب، ومحمد الغزالي عن الاستبداد السياسي وعبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد ومحمد عمارة عن المسلمين الثوار، وطارق البشري عن العصيان والتفكك، والقرضاوي عن ملامح جيل النصر المنشود وغيرهم. د- تنامي فكرة المقاومة المصدرة للثقافة المصرية من البيئات المجاورة في فلسطين المحتلة، والشيشان والفلبين وكشمير وأفغانستان والعراق، وغيرها بما يصاحب هذه الفكرة المقاومة من امتداح الأفعال الناتجة عنها من مثل: فكرة الشهادة وفكرة الرباط في سبيل الله.. إلخ. وليس من شك في أن هذه الأفكار الأربعة شكَّلت عمود الصورة فيما يتعلق بالمصدر الأول الذي غذَّى روح الثورة المصرية، وفعل فعلته في الوجدان الثوري مع مرور الأيام. (2)تنامي التركيز على مجددات الأمل في الخطاب المعاصرتنبَّه عددٌ من علماء السياسة وعلماء الاجتماع السياسي والديني معًا إلى الدور المهم لما يسمى عندهم بمجددات الأمل التي ظلت حيةً في النفس المصرية، ووصل الأمر إلى عددٍ من الدراسات التي قرأت علاقة المسلمين بالديمقراطية، على ما ظهر من أطروحة معتز بالله عبد الفتاح وكتابات الإسلامييين المستقلين من أمثال: فهمي هويدي وطارق البشري ومحمد عمارة ومحمد الغزالي وخالد محمد خالد، وغيرهم في التصور الاستشراقي المعاصر إلى أن تقرر أن بقاء ملامح مجددات هذا الأمل في النفس المعاصرة ملهم ومؤثّر في عملية التغيير المتوقّعة. وتأمل الكتابات الإسلامية المتنوعة في أوساط التقليديين أو الثوريين من أبناء الحركات الإسلامية أو حتى من أبناء المؤسسات الدينية الرسمية والمدجنة يلمح تغذية فعل الثورة ولو بشكلٍ غير مباشر، وفيما يلي التقاط لعدد من ملامح مجددات الأمل التي انتشرت في مراحل ما قبل الثورة، وكانت عاملاً من عوامل تغذيتها والإرهاص بها:أ- انتشار الخطاب العلمي والدعوي المتعلق ببشارات المستقبل للإسلام، وهو ما نلمحه في المدونات الحديثة المعاصرة من مثل صنيع الإلباني- رحمه الله- لتصديره مجموعة الأحاديث الصحيحة بفصل عن أحاديث البشارة بالمستقبل للإسلام، وهو ما اتسع ليظهر في صورة كتابات كاملة مستقلة لعددٍ من رموز الفكرة الإسلامية في العصر الحديث، تحمل العنوان نفسه.  ب- التركيز على النجاح المبهر لكلِّ حركات التحرر في العالمين العربي والإسلامي على امتداد قرنين كاملين في كل بلدان العالم العربي والإسلامي، ولا سيما في ضوء التركيز حتى من قِبَل الأجهزة الإعلامية الحكومية على عدالة مطالب هذه الحركات التحررية في مواجهة الاستعمار الغربي. جـ- تنامي الشعور برفض أشكال التبعية للغرب وتنامي ظهور ممارساته النفعية. د- ظهور دراسات تؤصِّل لفعل المقاومة وترصد نجاحاته وصموده وتفوق رموزه وتعاليهم ونزاهتهم في الداخل المصري وفي المحيط الإقليمي لمصر. وقد عضد فعل هذا المجددات جميعًا تواتر استثمار مجموعة من المناسك ذات البعد الاجتماعي في صورة متكررة، من مثل التأثير المتكرر لخطبة الجمعة ولعددٍ من المواسم الإسلامية والقومية الوطنية التي كانت تغذّي القدرة الكامنة التي يستشعر معها المصريون ولو بشكلٍ مجزأ أن ثمَّة قدرة ممكنة لهم. صحيح أن عددًا من علامات مجددات الأمل للشخصية المصرية كان يُحاط ببعض من ملامح السخرية والنقد، لكنه لم يكن يأتي على أصل الممدود بالإلغاء والنقص على أية حال. (3)تنامي ثقافة المواجهة في المجالات المختلفةويأتي هذا العامل ليكمل دائرة تصدر مصادر القوة التي كانت كامنةً في النفس والمصرية وانفجرت مع فجر الثورة المصرية. والمقصود بتنامي ثقافة المواجهة في المجالات المختلفة هو تمددها بحيث لم تعد حبيسة الثقافة السياسية فقط، ولكن توزّع الاهتمام بها والحفاوة بمفرداتها في المجالات الثقافية المختلفة، فبرزت ثقافة المواجهة والمقاومة فقهيًّا وتواترت الكتابة حول مقاومة المستبد وموجهة الطغيان، بما هو مقصد أصيل ولو افترضنا غياب النصوص الشرعية حتى ظهرت كتابات تحليلية تقرَّر: أنه في مواجهة الاستبداد والطغيان ليس ثمَّة حاجة إلى نص!. وامتدت ثقافة المواجهة على طريق التمهيد للفعل الثوري على ساحة الأدب والشعر؛ لتبرز أسماء مهمة في هذا السياق، سواء على مستوى الكتابة بالفصحى أو العامية؛ لتقوم إبداعات جابر قميحة ووحيد الدهشان وأحمد بخيت وعصام الغزالي وحسن طلبة مجتمعةً على ما بينها من تفاوت أيديولوجي؛ ولتظهر كتابات أحمد فؤاد نجم وسيد حجاب وأمين الديب وناصر صلاح، مع تقدير التفاوت نفسه، معبّرة عن هذا الإرهاص وفاعلة في دعمه في الوقت نفسه. وخطت ثقافة المواجهة خطوةً أوسع لتطال الميدان البحثي، فتظهر دراسات تأصيلية وتطبيقية معًا داعمة للفعل الثوري الذي ظلَّ كامنًا يفعل فعله النفسي؛ فظهرت دراسات حول أدب الغضب وشعرية التحريض والتمرد وتأصيل الهوية، وهو ما نلمحه في كتابات المسيري وسعيد إسماعيل علي ودسوقي حسن وغيرهم. وتولّى عدد غير قليل من الدارسين في الميدان الاقتصادي فضح علامات التبعية الاقتصادية وملامح الفساد المروّع الذي تمدد في أحشاء الوطن؛ ليسهم أمثال عادل حسين رحمه الله، وعبد الحليم  قنديل ومجدي مهنا وحسين شحاته وعبد الحميد الغزالي وغيرهم.  واستمر هذا التمدد المغذي لأفرع ثقافة المواجهة، ودعم الهوية في الكتابات الأكاديمية الطامحة نحو الكشف عن ملامح النظريات المعرفية من رحم الهوية في ميادين القانون والنقد الأدبي واللسانيات والتاريخ، وغيرها من مجالات العلم المختلفة. لقد جرت مياه كثيرة غذّت قلب الثورة على امتداد عقود متتالية شعر معها ذوو النظرة العجلى والثقافة السطحية أن الشخصية المصرية دفنت وتوارت في الثرى وهو ما لم يكن. كانت القوة الثورية كامنة يمدها بالحياة مصادر متنوعة، حتى إذا استجمعت طاقتها تفجرت بركانًا يقتلع الطاغوت. إن مصر بحضارتها وهويتها ورصيد فخر أبنائها المعروف والدعوي والحركي يثبت كل يومٍ أنها القلب النابض الحي حقًّا.  عاشت مصر حرة عزيزة أبية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل