المحتوى الرئيسى

جورج فوكس .. الباحث عن الحقيقة بقلم:محمد عبده العباسى

02/20 19:39

جورج فوكس .. الباحث عن الحقيقة .. عندما بلغ الشاب جورج فوكس سن العشرين فى العام 1643م غادر بلدته " فنى دانتون " بمقاطعة " ليستر شاير" بإنجلترا ، تاركاً من خلفه محل صناعة الأحذية الذى كان يتدرب فيه ليقطع الدروب باحثاً عن الحقيقة .. ولد جورج فوكس عام 1624م وتربى فى كنف أسرة عرفت بتدينها وغرست فيه معنى أن الله يراقب المرء فى عمله ، الأب رجل تقى والأم تنحدر من سلالة المجاهدين ، فليس بغريب أن تكتسب جينات هذا الشاب غير ذلك .. فى هذه السن الباكرة شعر أنه يحيا فى عالم لا يتفق مع ميوله ، كانت حرب الثلاثين قائمة والملك شارل الأول بالغ فى طغيانه ، فهو يعدم أعدائه بوحشية ويمثل بجثثهم فيضعها على قضبان السكك الحديدية لتمر عليها القطارات ، كما أنه فرض الضرائب الباهظة فأرهقت الشعب وعين من يحصلونها بالقوة وبأن يزجوا بمن يمتنع فى السجون ومصادرة مافى بيوتهم من مقتنيات والإستيلاء بدم بارد على أوانى الطبخ وطعام الأطفال لبيعها وفاءاً للضرائب .. وخرج الشاب جورج فوكس يطلب الرشاد ممن عساهم يهدونه إلا أنهم سخروا منه ، وطلب إليه أحد القسس أن ينخرط فى سلك الجندية معللا بذلك أنه الأفضل مما يدور فى رأسه من اضطراب وهوس أو ضرورة تناول أدوية معينة عساها أن تشفيه .. شعر الشاب الذى يفيض بالحيوية بغصة شديدة زلزلت كيانه وترسبت فى أعماقه ، وأدرك أن العالم يعانى من أمراض مستعصية ولكنها ليست مستحيلة من الشفاء ، فقد كان يرى النور يأتى من بعيد ليجدد الأمل .. ولأنه مارس صناعة الجلود فقد اصطنع لنفسه حلة من الجلد وقبعة وضعها فوق رأسه لتقيه المطر والرياح ، واتخذ سبيله يعلم الناس السلام فأسس فريق "الكويكر The Qukers " أعظم حزب وأكبر جيش فى العالم يجاهد ويدافع عن السلام على الرغم من الإتهامات التى وجهت إليهم بلقب " المهتزون أو المرتجفيون " وهو اللقب الذى اللقب الذى أطلقه عليهم خصومهم وسموهم بقصد السخرية منهم بالفوضويين الدينيين لأن فوكس جعل أعداءه يرتجفون ويضطربون عند سماعهم كلمة " الله" وكان الكويكر يكرهون الحكومات ويعارضونها فى تلك الفترة من القرن السابع عشر ، وكانوا شجعاناً فى خوض حرب ضروس لم يريقوا فيها قطرة دم واحدة .. وراح فوكس ينام وسط أكوام القش وفى الحقول الرطبة حتى أنه اضطر فى بعض السنوات أن ينام فى أعماق السجون .. وفى غضون سنوات ست سافر فوكس مع جماعته المسالمة ليجمه تحت رأيته كل مسيحيو العالم تحت لواء المسيحية الجديدة فاجتمع تحت رأيته نفر كثيرين من الأتقياء رجالاً ونساءاً عرفوا وقتها باسم " الستون الأبطال Valiont Sixty "ومع مرور الأيام زاد أتباعه ليصلوا فى خلال سنتين إلى حمسين ألفاً أطلقوا على أنفسهم اسم أبناء النور أو جماعة الأصدقاء .. وكانت الحكومات تقلل من قدرة هذه الجماعة ويصفونها بالمخنثة القذرة بسبب رفضهم الإسهام فى أنشطة الحياة ، والحقيقة أن قصة هذه الجماعة تعد من أكثر القصص إثارة فخروج فوكس وأتباعه الذين خرجوا على القوانين المتبعة لم يكونوا بهاربين من تيار الحياة بل أنهم واجهوا الحياة بثبات وإصرار وحاولوا أن يجعلوا من الدنيا مكاناً أفضل وأرق ليمكن العيش فيها بسلام وبرروا ذلك بالحجة وأن أعظم أنواع المقاومة هى باللسان الذى رفض السكوت عن الحق فلم ترهبهم السجون ولا انتقصت من قدرهم وكانوا على استعداد دائم لمواجهة الموت مادام ذلك هو السبيل الأوحد لمحق الباطل وإعلاء صوت الحق ، بل وطلبوا من أولى الأمر إطلاق سراح العبيد يتحاشون كة كسربعد فوكس هو .. وحين لُطم وجه زعيمهم جورج فوكس وسال الدم على صدغه كلب من أعدائه فقط أن يكونوا بشراً حقيقيين ولم يمسح دمه ، ولم يكف وقتها عن الكلام دون تراجع أو خذلان ، كان سلاحه هو المنطق الذى يرتكز عليه ويدافع من أجله فى سبيل ارساء أسس الحق والعدالة ، ولم يتوقف إيذاؤه عند ذلك فقد تعرض للضرب بعصا خاصة به كان يتوكأ عليها ووصل به الأمر حد الإغماء ، وعلى الرغم من ذلك فقد رفض إتخاذ أى إجراء قانونى ضد كم من آذاه ، فلم تكن معاركه شخصية بقدر ماهى تهدف لحرية العالم وقد تعرض فوكس للسجن وأورد فى الجريدة التى كان يصدرها وصف الزنزانات التى أودع فيها ومابها من قذارات وروائح كريهة ورأى فيهما كيف كانت الأمطار تتساقط على فراشه ، وقد قضى وراء قضان السجن قرابة نصف عمره ، وكلما ظن أعدائه أنه أقلع عن أفكاره أطلقوا سراحه قيشعرون بخيبة الأمل بعدها ويرون شدة عناده من أجل ترسيخ دعوته للخير الذى خلقه الله للإنسان ، ولا يلبث حتى يعود ثانية وراء القضبان ، وقد خط ذات مرة غلى جدار السجن غبارة قصيرة " إننى لم أكن قط فى سجن ، لأن السجن لم يكن إلا وسيلة لإخراج الجموع الكثيرة من سجنها". وحين أصبح "كرومويل" يحكم إنجلترا ، راح يتهم فوكس بأنه يحرض على الإطاحة به من خلال ثورة ، ولكن فوكس الذى ذهب إليه مقيداً فى الأغلال فى الساعة السادسة من الصباح أثار ذلك عجب الديكتاتور الذى استيقظ من نومه فى التو ، ووجد فوكس يلقى عليه التحية فقابلها فوكس بلإبتسامة باهتة تنم عن أسى فى نفسه وقام برد التحية ، ودار بينهما حوار شعر فيه كرومويل بأنه أمام شخصية مختلفة تماماً عما تصوره أو بلغه ، وأن فوكس غير ملوث اليدين بدم أحد .. ولما عاد شارل الثانى إلى سدة الملك الذى سبق واستلبه كرومويل منه ، قام بإعادة جماعة الكويكر للسجون ظناً منه أنهم يدبرون المكائد .. وفى السجن أعجب الحراس بشجاعة فوكس ورباطة جأشه وتأثروا بشخصيته بل وعرضوا عليه رئاسة الحراس إذا هو تحول إلى سلكهم ، وبذلوا قصارى الجهد من أجل أن يتحول هو وجماعته إلى صفوفهم فلم يفلحوا عن زحزحته قيد أنملة بل نه استطاع إن يحول عدداً منهم إلى جانبه ومنهم " وليام بن" الذى كان إبنا لأدميرال بريطانى الذى بدا منفعلاً أول الأمر بمذهب الكويكر وبعد ذلك توسل إلى فوكس ليمنحه بعض النصائح . وفى العام 1669م تزوج فوكس من مرجريت فيل البالغة من العمر خمسة وخمسين عاماً وتكبره بعشر سنوات وكانت تتمتع بجمال طاغٍ وقد انحدرت من أصول نبيلة وتتمتع بثراء وثقافة وتترأس جمعية نسائية وتحل ضيفة مكرمة فى القصور الملكية ، وكانت أرملة قاضٍ ترعى ثمانية أولاد وجعلت من بيتها الواسع مكاناً لإجتماعات الكويكر ، ولكنها ضحت بذلك كله من أجل فوكس وقدرت دوره ووقفت فى خندقه فى جهاده ، ولكن الملك شارل الثانى لم يقف مكتوف اليدين أمام إصرارهما فأصدر أمره بسجنهما ، وعاشا معاً نوعاً من الزواج العجيب حيث كانا يتراسلان فى سجنهما ، حتى إذا ما أطلق سراحهما سعياً للتبشير بالسلام ، وظلا على مدى اثنين وعشرين عاماً لم يجتمعا فيها سوى أقل من خمس سنوات وكانت مشاعرهما قوية وعميقة ، وحدث أن أهدته مرجريت فيل مبلغاً من المال ليشترى لنفسه معطفاً يقيه من حومة البرد فما كان منه إقام بثورة وشاح له بلون قرمزى جميل .. وعلى الرغم من كبرسنه إلا أنه لم يكن يألوا جهداً فى سبيل مناصرة أصحاب الحقوق المهدرة فقد قطع مسافة ثمانية أميال عدوا ليصل إلى بلدة لم يملك وسيلة ليصل إليها سوى هذا السبيل وأدى رسالته على أكمل وجه ، وفى العام 1670 م سمع أن أتباع الكويكر فى أمريكا يعانون من المشقة فى العمل الخشن فأبحر إلى هناك بقارب شراعى ظل ينضح منه الماء طوال الرحلة والكل يخشى عليه من الغرق ، ولكن أصر ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ازداد الأمر سوءاً من مطاردة قراصنة البحر ، وظل فى معاناته ستون يوماً حتى وصل إلى مدينة "باربادوس " على الساحل البرازيلى ، وأصيب فى خلال هذه الرحلة بحمى روماتيزمية ولكنه لم يلق بالاً لذلك الأمر واعتبره هيناً فى سبيل رسالته وشرع فى بناء منزل لجماعة الكويكر وأعلن استقلال العبيد السود مما كان له كبير الأثر فى وقف الحرب الأهلية هناك ، وعندما وصل فوكس بعدئذ "غلى أمريكا استطاع أن يجد مكانة طيبة فى قلوب المحافظين من رجال الدين ، وفى تلك الأونة لم يجد هندياً واحداً أى نوع من الخديعة من أتباع الكويكر .. وبعدها عاد فوكس إلى إنجلترا ليبدأ العمل من جديد فى نشر العدالة الإحتماعية والسلام فسافر إلى هولندا والمانيا ولاقى المشاق ولكن ذلك لم يفت من عضده ولم تلن له قناة ، فقد وضع نصب عينيه أنه يدعو لتأسيس التسامح الدينى والسلام العالمى .. وفى أحد أيام صيف 1691م كان قد ألقى فى لندن بخطبة عن السلام ، ولم يلبث أن شعر بألم شديد وارتعد جسده وأرهق قلبه وعلى الفور أسلم الروح ، وحينئذ عرف كل من هم حوله حقيقة اجتيازه محيط الظلمات إلى محيط النور .. ----------- محمد عبده العباسى

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل