المحتوى الرئيسى

مصطلحات ودلالات وتعليقات (الحزب الحاكم) بقلم:ياسين السعدي

02/20 19:35

هدير الضمير مصطلحات ودلالات وتعليقات - 12 (الحزب الحاكم) ياسين السعدي تردد مصطلح (الحزب الحاكم) في المدة الأخيرة كثيراً عبر وسائل الإعلام العالمية عموماً، ووسائل الإعلام العربية خصوصاً، في أعقاب زلزال تونس في كانون الثاني الماضي، وطوفان مصر بعده مباشرة في شباط الجاري، حيث تغير وجه المنطقة سياسياً، وسوف يكون لهذا التغيير تأثير واضح وعميق على الناحية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكل مناحي الحياة في المنطقة العربية كلها، كما هو واضح من تفاعلات الأحداث وتتابعها بشكل مزلزل. فماذا يعني مصطلح (الحزب الحاكم)؟ الحاكم تعني الذي يتولى الحكم ويدير شؤون الناس ويتحكم بهم. أما الحزب، فتعني المجموعة من الناس. يقول المنجد: (حزب، بفتح الزاي وضمها، تعني جمع وربط. حَزَّبَ القرآن: جعله أحزاباً). ونعلم أن القرآن الكريم يتكون من ثلاثين جزءاً وستين حزباً. ويقول المنجد كذلك: (الحزب جمعها أحزاب: الجماعة من الناس// كل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضاً). في القرآن الكريم سورة تسمى سورة الأحزاب. وقد وردت بمفهومها الواضح في القرآن الكريم أربع مرات في سورة المجادلة وحدها. ففي الآية 19 يقول الله جل جلاله: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، ألئك حزب الشيطان؛ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون). وفي نهاية سورة المجادلة نفسها يقول تعالى: (... ألا إن حزب الله هم المفلحون). وفي الآية السادسة من سورة المائدة يقول تعالى: ( ومن يتولَّ الله ورسوله واللذين آمنوا، فإن حزب الله هم الغالبون). ونعتقد أن حزب الله اللبناني قد اخذ اسمه من هذه الآية الكريمة. ومن هنا يأتي مفهوم الأحزاب الذي نعرفه قديماً وحديثاً. فالناس الذين يتبعون حزباً معيناً تتوافق ميولهم وأهواؤهم وإن لم يلتقوا أو يجتمعوا، وخصوصاً عندما تكون الأحزاب كثيرة الأعداد وتنتشر في أكثر من بلد أو دولة. والأمثلة كثيرة وإن اختلفت المسميات أحياناً. ف (حزب البعث العربي الاشتراكي) مثلاً، منتشر في سوريا، وهو الحزب الحاكم. وكان هو الحزب الحاكم في العراق قبل احتلال العراق سنة 2003م والقضاء على النظام هناك. وللبعث حضور في اليمن وفي شمال إفريقيا بدرجات متفاوتة. وله حضور في فلسطين وفي الأردن ولبنان كذلك. أما الإخوان المسلمون فهم يحملون اسم (جماعة)، وتعني الحزب أيضاً. ومثله كلمة (التنظيم) كما نعلم من التنظيمات الفلسطينية بكل فصائلها، فهي في الحقيقة أحزاب بمسميات أخرى. وتنظيم أو منظمة فتح هي (الحزب الحاكم) عندنا؛ أي صاحب السلطة الحقيقية، وإن وجد في الحكومة بعض أفراد من التنظيمات الأخرى التي تدور في فلك الحزب الحاكم. ويتم تكوين الأحزاب تلبية لتطلعات وتوجهات المجتمع حسب رؤية الذين يقومون بإنشاء الأحزاب وحسب معتقداتهم وميولهم. ثم تبدأ الأحزاب بالنمو فيدخلها الأفراد عن قناعة وتوافق في الميول أو عن رغبة في الوصول إلى تحقيق الطموحات والغايات عن طريق الانتساب إلى الحزب أو التنظيم. وكثيراً ما يكون شخص في موقع متقدم من حزب معين ولكنه يلتحق بالحزب الحاكم طمعاً في الحصول على امتيازات الحزب الحاكم، وهو ما يطلق عليه (التحويل)؛ أي تغيير الانتساب. وشواهدنا كثيرة من مثل هذا النموذج ولا نحتاج إلى التمثيل؛ لأن كلاً منا يعرف الأمثلة. والأحزاب كلها تقوم في الأساس على مبدأ التفاضل في خدمة المجتمع وتحقيق طموحات الشعب الذي تنشأ فيه. وعليه يتم تبادل المواقع في السلطة في المجتمعات الديموقراطية عندما يفشل الحزب في تحقيق ما طرحه في حملته الانتخابية السابقة من الوعود بتحسين الأوضاع وتحقيق الأفضل للمجتمع. وعندما يفشل الحزب يتخلى الناخب عنه وينتخب غيره، وهكذا يتم تداول السلطة والحكم. أما في المجتمعات التي يسودها نظام الحزب الحاكم (الدائم) فلا يمكن التغيير ولا يحدث تداول السلطة ويكون شعارهم: (الحزب الحاكم) هو (الحزب الدائم)، مهما تغيرت الأوضاع وتقلبت الأيام. الأسماء والدلالات تنشأ أسماء الأحزاب من دلالة الأفكار التي تطرحها، وكلها أفكار طموحة وتهدف إلى الارتقاء بالشعب وخدمته وتحقيق آمال الأمة. فحزب البعث العربي الاشتراكي مثلاً، هو من أقدم الأحزاب العربية وهدفه الذي بنى اسمه عليه، هو بعث الأمة العربية من جديد، بعد أن أصابها الوهن واضمحلت مكانتها بين الأمم، ولذلك كان له الحضور في البلاد العربية. وجماعة الإخوان المسلمين لها حضورها الواسع في كل الوطن العربي، وهي تقصد أن المسلمين إخوة في كل مكان، وليس في البلاد العربية فقط. أما الأحزاب الإقليمية الضيقة، فهي شبه محدودة الانتشار وتقتصر على البلد الذي تسيطر عليه وتحكمه أو تتحكم به، كما نعرف من (الحزب الديموقراطي التقدمي)، الذي كان هو الحزب الحاكم في مصر، ومثله حزب (التجمع الدستوري الديمقراطي) التونسي. وكل بلد عربي يوجد فيه حزب حاكم حتى لو كان ملكياَ، لأن الذين يلتفون حول القصر الملكي هم مجموعة الناس الذين يسيرون الأمور كما يديرها رأس السلطة ويريدها. وكلها أحزاب دائمة في السلطة. بل ويتم تعديل الدستور حسب ما يمليه رئيس الحزب لضمان ديمومته شخصياً في سدة الحكم، ودوام سيطرة الحزب على السلطة كما نعرف مما جرى في مصر وما يجري في اليمن وليبيا وغيرها من موضوع توريث الحكم. وسميت منظمة التحرير الفلسطينية بهذا الاسم؛ لأن الهدف المعلن في حينه هو تحرير فلسطين من البحر إلى النهر؛ وإن تراجعت الطموحات إلى المطالبة بقيام الدولة الفلسطينية على الأرض التي احتلت عام 1967م. ومثلها قامت كل التنظيمات والفصائل الفلسطينية التي أخذت أسماءها من هذا المفهوم. الحزب الحاكم في المجتمعات الديموقراطية هو حزب يدير شؤون البلاد لما فيه تقدمها وازدهارها وتحقيق طموحات الشعب. ولكن تنتهي (صلاحياته) عندما لا يتمكن من تحقيق الأهداف التي قام عليها والتي أوصلته إلى سدة الحكم، فتتم الدعوة لإجراء الانتخابات الديموقراطية الحقيقية وتكون نتائجها هي التي تنزل الأحزاب على رأي الناخبين، فيتم تبادل السلطة ليجرب الحزب الفائز دوره في تحقيق ما لم يقدر عليه الحزب الحاكم. أما في المجتمعات التي تسيطر عليها الأحزاب (المتحكمة) فليس هناك إمكانية التغير ويظل رأس الحزب هو رأس البلد والمسيطر على كل مقدرات الوطن وتصير أقدار الشعب تحت استبداده واستعباده، ويصير المواطنون مجرد (رعايا) في الوطن الذي يتحول إلى مزرعة للحاكم وأعوانه المخلصين له وأتباعه من الأقرباء والأصهار والأنسباء والمقربين من الأصدقاء. وعندما يترسخ الحزب ويطول به الزمن، يصير الوطن كله تحت رحمة الحزب فيتكاثر، الذين يطلبون الانضمام إليه لجني المكاسب والمناصب والحصول على الامتيازات التي لا يحصل عليها إلا من حصل على (بطاقة العضوية) التي تمنحه حصول ما يحصل عليه الأعضاء القدماء. وعليه نجد الذين ليس لهم انتماء حقيقي أو ولاء صادق للفكر أو انتساب للحزب عن قناعة، يستغلون مواقعهم ويصيرون من أصحاب الثراء وأهل المال والأعمال وترتفع مكانتهم الاجتماعية. الحزب الحاكم في الوطن العربي هو الحزب (المتحكم) بمقدرات البلد دون حسيب أو رقيب لأن رئيس الحزب يطلق أيدي رجاله وأعوانه لنهب خيرات الأمة وتكوين الثروات على حساب قوت الشعب. يهزم الحزب الحاكم عندما يبدأ أفراده التخلي عن المبادئ والأفكار والمثل العليا التي قامت عليها قواعد الحزب. فعندما يصير الحزب وسيلة للوصول إلى أهداف شخصية ومنافع مادية، تبدأ مرحلة تراجعه وسقوطه، سواء في وطننا العربي أو في أي مجتمع في هذا العالم الذي تتسارع فيه عوامل التحول والتغيير بفضل التقدم المذهل في وسائل الإعلام ووسائل الاتصال. وعندما تبدأ المطامع والطموحات الفردية تسود بين أفراد الحزب تبدأ سوسة التخريب تنخره، فيتضاءل حتى يتلاشى أو يكاد، كما حصل بالنسبة لحزب العمال الإسرائيلي مثلاً، الذي سيطر على الحكم منذ قيام إسرائيل سنة 1948م، إلى أن خسر الانتخابات عام 1977م فخسر السلطة، وتواصل تراجعه إلى أن وصل إلى وضعه الحالي. الأحزاب العربية تعيش التجربة ذاتها. وعندما لم يقدر المواطن العربي في كل الوطن العربي على تغيير النظام وتداول السلطة بسبب الانتخابات الشكلية التي يتم تزويرها كما حدث في الانتخابات المصرية الأخيرة، فإن المواطنين لا يجدون غير الثورة طريقاً للتغيير ويرفعون شعاراتهم التي نشاهدها اليوم: (نريد إسقاط النظام) ويرددونه كمنظومة تطوف اليوم في كل البلاد العربية التي تسودها حالة الغليان الشعبي التي تتدحرج ك (كرة اللهب) التي تنتشر بسرعة فتحرق النظام وتسقطه، وليس مثل كرة الثلج التي نعرف كيف تكبر وتنمو كلما تدحرجت وتصيب الوطن والمواطنين ب (النكبة) و (النكسة) والإحباط والخذلان والذلة والهوان. نشرت في جريدة القدس الفلسطينية يوم الأحد بتاريخ 20/2/02011م؛ صفحة 44 yaseenalsadi@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل