المحتوى الرئيسى

في هجاء المآلات التي تفضي إليها المقاومات بقلم:ماجد الشّيخ

02/20 19:02

في هجاء المآلات التي تفضي إليها المقاومات ماجد الشّيخ يؤكّد حازم صاغية في كتاباته وتعليقاته الصحفية السريعة، كما في مجموعة أعماله السياسية أو التي تطرقت إلى الفكر السياسي، على مبدئية عالية، قد لا تُعجب أو قد تُغضب البعض، لكنها تبقى تتمحور أو تتضمن سوية من الجدية، قل نظيرها لدى منتقديه أو ناقديه، لا سيما أصحاب الرؤى العدمية، الذين لا يرون في الفكر أو في السياسة أو حتى في الحياة بعامة، سوى لونين اثنين فقط، وهي "عقلية فسطاطية" لا تختلف عن عقلية التكفير والتخوين والإقصاء المشهود لها في بلادنا، كواحدة من مدارس الطبائع الاستبدادية، وما يصاحبها من إضفاء قداسة طغيانية بإزاء أفراد أو جماعات أهلوية، صادرت أو تُصادر عقول المأخوذين بتلك الطبائع القداسوية؛ خصوصا لدى محسوبين على الثقافة والمثقفين، في حالتهم يجري تفسيخ كل المجالات وتفكيكها، وكأن لا وجود لقانون الترابط أو الجدل بين الخاص والعام؛ بين الفكر والسياسة، وبين السياسة والاقتصاد، أو بين المجتمع والدولة التي يعوّل عليها كونها دولة الأمة، لا دولة الطوائف والمذاهب والإثنية الكبرى المهيمنة: بالعدد أو بالسلاح. وهنا مأزق المقاومات التي يقودها السلاح، لا الأهداف؛ لاستشراء نزعات الغلبة والإكراه الهيمني، نحو ابتداع طرائق، وفتحها أمام سلطة ينافحون من أجل أن لا تحول.. ولا تزول. من هنا.. يقدم هذا الكتاب نفسه على أنه قد يكون نادرا، في شمول موضوعه وتوزع قراءته النقدية، على أكثر من بلد ونطاق جغرافي قاري، وإزاء الجهد المبذول من أجل إخراجه على الشكل الذي جاء عليه، وهو يؤرخ لتاريخ التصق بكافة المقاومات على أنواعها، لا سيما لجهة عدم إخلاصها لتاريخها هي ذاته، حين ناقضت جميعها، بل وغايرت قافزة عن بداياتها، نحو الأقاصي، مترسّمة تلك النهايات التي سيّدتها وصيّرتها سلطة، أو السلطة الاستبدادية التي ما عاد همّها الأساس؛ سوى منافحتها الحميمة، اللصيقة بسلطتها هي بالذات، في محاولة للانعزال بذاتها عما ارتكبته في مسيرتها من سرديات سجّلت عليها أكثر مما لها، في الواقع، كما في نظر الدارسين لتجاربها وخبراتها الغنية، منظورا لها بعين الناقد ورؤيته المبدئية، لا عبر أيادي المصفقين أو الممجّدين لها عنف سردياتها الخاصة. وبذا.. فإن ما يقوله حازم صاغية في كتابه هذا عن المقاومات، على أي مستوى كان، ليس مديحا للاستعمار (وليس بالضرورة ذما)، لكنه تشديد على أنها ليست ما يبني دولا وأوطانا ومجتمعات مستقرة، بل هي إشارة إلى صعوبات بنائها، وإسهام في مفاقمة الصعوبات تلك، فهذه ليست مسألة بديهية، إنما هي إشكالية تستحق طرح الأسئلة، وهذا تحديدا ما يحاول صاغية في كتابه هذا (الصادر حديثا عن دار الساقي) الإجابة عنها بتعمق وموضوعية، ودون تحامل، وبدأب الباحث عن الحقيقة، وصبره على استخلاص عبر التجارب والخبرات التي صيّرتها المقاومات على اختلافها مادة للبحث والفحص والدرس، وعلى اختلاف المآلات التي انتهت إليها؛ أو وهي تسعى للانتهاء إليها الآن أو في الغد. لهذا لا يماهي حازم صاغية موقفه من المقاومات – قديمها والجديد – ذاك الموقف النابع من رؤية واضحة، لا تلتبس معها مقاومات مشروعة أو غير مشروعة، يسارية أو يمينية، ذلك أن تاريخ المقاومات جميعها، وإذ التبس ويلتبس على الكثيرين، فلكونها، أي كلمة "المقاومة" حظيت بالتقديس الذي تعود بعض مصادره إلى ضعف إنجازية الأنظمة التي تلدها المقاومات، وبميلها من ثم، إلى حرف الأنظار عنها في صورة متواصلة. إلاّ أنه يتصل كذلك وهو أهم وأبعد أثرا بقيم سياسية حديثة وقديمة معا، أولاها تزدهر في بيئة النخب، كمثل رفض الاستعمار والاحتلال وحق تقرير المصير، والثانية موصولة بالرجولة والكرامة والشرف، مما تتشارك فيه الجمهرات العريضة والزعامات التقليدية والمراتبية المديني منها والريفي. ولأن تلاقي هاتين الفئتين من القيم عند "المقاومة" وفيها، هو ما أعطاها معناها المتعالي، بقدر ما وسع نطاق جاذبيتها وشعبيتها، فقد غدا صاحب الوعي الديني وذو الوعي القومي، اليساري واليميني، التحديثي والمحافظ، كل بطريقته وبقاموسه وعُدّته المفهوميين، مدافعا عنها، متماهيا معها بوصفها إحدى الموضوعات الأساسية التي تنطوي عليها أيديولوجية شعبية جامعة. ومن رومنطيقية الرواية التي أحاطت وتحيط بالمقاومات، على اختلافها واختلاف ظروفها، يجهد صاغية في محاولاته استخلاص الرواية الواقعية أو الحقيقية لكيفية تحوّل مقاوم الأمس إلى سلطة سياسية – اليوم وكما كل يوم – تبحث دوما عن التوظيف والمردود النفعي، وهو ما أمسى، أقله منذ ماو تسي تونغ الذي "طوّر" حرب العصابات الوطنية، لتصبح "حربا ثورية" هدفها الاستيلاء على السلطة، من المعادلات الراسخة لسياسات المقاومات. وهنا يمكن الإشارة إلى خرافات المثقفين التي زادت الأمر سوءا، فهي في علاقة كهذه، تقوم على تلخيصين – أو اختزالين – يلتقيان عند رفع المقاومة إلى مصاف الحتمية، ثم هناك الظرف الزمني الذي سجل تحوّل المقاومة إلى أيقونة، في مناخ ما بعد الحرب العالمية الثانية وصعود "العالم الثالث"، بعد أن أكملت الكولونيالية بما كانته من ولاّدة السيّئات جميعا، دورتها في جعل العنف العلاج الأوحد لشر شامل وجامع كهذا، شر لا يواكبه في مسيرته تلك، إلاّ إعفاء المثقفين المناهضين للاستعمار أنفسهم من مهمة مراجعة التاريخ واللغة والدين والقيم، وصولا إلى قبولها جميعا، ومن بعد القبول الرضوخ لها، وإلى حد بدا العنف معه كأنه صاحب اليد الطولى في صنع الحياة العامة وفي تكييفها، وربما كان فرانز فانون أكبر أنبياء المقاومة بوصفها حتمية ووصفة إطلاقية شاملة، يصير معها الفعل العنفي هو ذاته هدف ذاته. من هنا وفي ضوء قراءته لمجمل تجارب المقاومات، استنادا إلى رؤى مقربين منها، يستنتج صاغية في كتابه هذا، العديد من الاستنتاجات التي يرى أنها تتكرر في الأغلبية الساحقة من المقاومات المعروفة في القرن العشرين، من الفرنسية إلى الفيتنامية، ومن الجزائرية إلى اليونانية أو اليوغسلافية، وصولا إلى الفلسطينية واللبنانية والعراقية، حيث يصل التفسّخ والعفن إلى أعلى مراحله. وكلما كان الطرف المقاوم أقل بلوغا لسوية الدولة – الأمة والوعي الذي يلازمها، نحت الهوية إلى أن تكون هوية جماعة بعينها، هي تلك المبادرة إلى حمل السلاح، ثم إن التعويل على المقاومة بوصفها شرعية لحياة مستقبلية، تأسيس للاستبداد بحق جزء من الشعب لم ير رأي الطرف المقاوم، أو انكفأ عنها لهذا السبب أو ذاك. ولما كانت الدول التي شهدت مقاومات لم يتعرّض معظمها للإعداد الكافي الذي يحوّلها دولا – أمما، نظرا إلى دخولها السياسة من بوابة العنف، على ما سبقت الإشارة، غدا احتمال الاحتراب الداخلي دائما أعلى فأعلى، وبالنتيجة وفي حال بلوغ السلطة، يتحوّل الأثر الأهم للعمل المقاوم إبدال نخبة متعاونة مع الكولونيالية بنخبة متضررة منها، لا تتميز في سلوكها، وفي إعدادها للمستقبل، إلاّ بالصفة هذه. ولئن كان العنف يعاند السياسة ويجافيها على نحو دائم، أو أن هذا ما تقوله تجربة غنية كتجربة الماركسية، التي هي إحدى أكثر الأيديولوجيات الحديثة انبناء على فكرة الصراع، بيد أن الجفاء بينهما إنما تفاقم على هجرة الماركسية من بيئتها الأوروبية إلى بيئات أقل امتلاكا للتقاليد السياسية والشرعيات الدستورية، لكن يبقى في الحالات جميعا، أن المقاومة لا تحل إشكالها العملي في مجرد البرهنة على أنها تمويه لحرب أهلية أو تقنيع، وأنها إذ تستدعي نظريا وحدة البلد المعني، فإن التفتّت الفعلي يحول دون وحدتها هي نفسها، جاعلا منها فرصة أخرى لإغناء الانقسام وتوسيعه. وإذ يدعو صاغية إلى عدم نسيان ما يطلق عليه "البديل الياباني"، فهو رغم ذلك يرى أن المقاومة عنف لا بد أن يستحضره العنف الاستعماري ويؤجّجه، وهو ولا بد أن يستثيره الامتهان والإذلال لمن يتعرض لهما، وذلك من دون ظافرية أو احتفالية مبالغ فيهما، لكن العنف في تقاليد الأيديولوجيات الصّراعية، لا يقدمه أصحابه بوصفه سلوكا يؤسف له، أو لحظة عارضة، إضطرارية، ينبغي تدبّر الخروج منها بأسرع ما يمكن، بل يتحول عملا غنائيا ممجّدا، يعبّر عن الحيوية التي يختزنها الشعب وطاقته السياسية. وهنا يستدرك قائلا، أن البائس في هذا التناول خصوصا لدى القيادات الأكثر تسيّسا والمثقفين الذين يؤلفون معنى المقاومة، وينظّرونه، والطرفان هذان نادرا جدا ما مارس المنتسبون إليهما العنف بأنفسهم. ولأن المقاومة ليس يقابلها دائما الاستسلام بالضرورة، كنقيض دائم وثابت، يتوقف صاغية عند العبارة المكررة من أن كل احتلال ينتج مقاومته: فالمقولة – المعادلة هذه حين تُقال وصفيا، تكون صحيحة بوصفها تقريرا لواقع بعينه، أما حين تأتي على شكل وصفة معيارية إطلاقية، بالمعنى الفانوني – نسبة إلى فرانز فانون – فتبدو لا تاريخية، مثلها مثل شعارات كالإسلام هو الحل، شعارات لا تعبأ بتحولات المجتمع المعني ولا بقدراته وانقساماته، كما لا تكترث بمدى بحبوحة ذاك المجتمع وانعكاسها على طاقة المقاومة وإرادة التضحية لديه، أو باحتمالات وقوعه على وسائل سياسية تؤدي الغرض المنوي بعيدا من اللجوء إلى المقاومة، وهذا ما قد يقال أن النتائج هذه، أو بعضها الكثير، ليست حكرا على المقاومات المسلحة، بدليل أن المقاومة الهندية ضد بريطانيا، وكانت سلميّة، لم تحُل دون نشوب حرب أهلية شرسة، صاحبت تجزّؤ الهند الكبرى إلى دولتي الهند وباكستان، ولقائل في المقابل، أن يقول أن المقاومات المسلحة لا تؤدي بالضرورة إلى استحالة الرسو على شرعية سياسية ودستورية، والدليل مقاومتا إيرلندا وفرنسا اللتان افتتح بنصريهما تأسيس تلك الشرعية أو إعادة تأسيسها. وبالرغم من صحة هاتين الحجّتين، فإنهما لا تقوّضان الفكرة التي يدافع عنها النص – الكتاب، بقدر ما تُسبغان مزيدا من الرهافة عليها، أو تحضّانها على استدخال مزيد من التدقيق فيها، فالمقاومة السلمية في الهند لم تؤسس نفسها مصدرا للشرعية يعطّل الشرعية الديمقراطية، بل مهّدت لولادة "الديمقراطية الأكبر في العالم". أما التّذرّع بإفضاء المقاومتين الفرنسية واليونانية، بكثير من التّعرّج والالتواء، إلى أنظمة دستورية، فيؤكد حقيقتين، أولاهما: أن الجرعة الأيديولوجية للنزاعات، التي تقسّم الأطراف ما بين يمين ويسار، وتوفر حصانة نسبية دون النزاعات الأهلية البحتة، والتي لا يحول تحويرها الأيديولوجي المزعوم دون إحداثها كسر في المجتمع يستحيل رأبه، ذاك أن النزاعات الأيديولوجية تبقى أقل جوهرانية، وأكثر قابلية إلى التّحوّل والتّكيّف مع السياسة، من النزاعات التي يقيم الجوهري المزعوم في متنها وتعريفها، حائلا دون تطويقها للسياسة، على ما هي حال الانشقاقات على خطوط دينية أو طائفية أو إثنية. أما الثانية فإن أوروبا، حتى في طرفيتها اليونانية أو الأيرلندية التي تقرّبها من شروط "العالم الثالث" وظروفه، وحتى في تخثرها الذي سجلته فرنسا ما بين قيام حكومة "الجبهة الشعبية" في 1936 وقيام حكومة فيشي، تملك صمام أمان تراكمت عُدّته وأدواته على نحو لا يعهده معظم بلدان الشرق الأوسط المشطورة على خطوط غير أيديولوجية إلاّ تذرعا واستطرادا. وإذ يعرّج الكتاب على تتبع ما يتعلق بالمقاومات في تاريخها وفعلها والآثار التي خلّفتها، وعلى الضد من الروايات التقديسية، لم يجد في تلك التجارب إلاّ ما يقنع بأن المقاومات حروب أهلية مموّهة ومقنّعة. وقد ترك للمؤرخين والباحثين السياسيين مهمة تقرير ما إذا كانت هذه المقاومة "تقدميّة" أو "رجعية"، تواكب "خط التقدّم" أو تجافيه، محقة أو غير محقة، فإن هذا الكتاب يتحرك في رقعة معرفية ضيّقة لا يتوخّى منها استخلاص أحكام سجالية أو التحريض على اتباع دروب معينة، يقال أنها وحدها الموصلة إلى أهداف مرغوبة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل